حينما يطغى الظلم فيصير للدولة عنوانا

قد يكون اسمه "محسن" أو "سمير" وقد تكون "مليكة" أو "رقية" وإن تعددت الأسماء والمهن والتوجهات فإن آهات الألم وأنين الغبن والاستضعاف لا جنسية له ولا وطن ولا جنس. قد يكون بائعا للسمك أو الخبز، وقد تكون عاملة أو موظفة أو بائعة للبغرير أو حتى للهوى وهي في كل ذلك مدفوعة مجبرة لتعيل نفسها أو أسرتها التي أضناها البأس والفقر ولم تتمكن الحلول الترقيعية للفقر في بلدنا أن تسد لهم رمقا أو أن تسكت لهم جوعة. إنهم رموز ظروف اجتماعية قاهرة وبأس طاغ وتفرقة اجتماعية صارخة بين قلة تسود ولا تجود وأخرى تشقى وتضنى. إنهم نقطة أفاضت كأس شعب أضناه الانتظار وأهلكته الفاقة.
ما يقع سبة في جبين وطن، ووصمة عار في تاريخ ستحكيه أجيال بحرج عظيم وهي تسب فاعليه وتتبرأ منهم. ما وقع ويقع على سوئه مؤشر يجلي واقعا نكدا للتسلط الذي يطبع دولة مخزنية أصبح فيها البطش والاستكبار عنوانا يصدق عليه بحق المثال المغربي الذي يقول:" القايد يدردك عليا وأنا ندردك على عويشة مريتي".
ظلم متسلسل ومتوارث على كل المستويات يجعلنا نفيق بين لحظة وأخرى على ما يعتصر القلب، جسد يحرق أو بيت ينقض أو نهب أو قتل أو سجن أو تعذيب، خاتمتها مواطن يعصر مع بضاعته التي يتقي بها الفاقة وحرج السؤال، تحت مطحنة النفايات وكأننا نقول لشعب برمته "هذا مآلك والمصير الذي ينتظرك إن فتحت فمك مطالبا بحقوقك، لن نكترث لك ولا لأسرتك ولا لعيالك ولا لجيرانك ولا حتى لشعب برمته، بل أنت الدرس ومنك تؤخذ العبرة، نضحي بك وبأمثالك لمزيد إرضاخ شعب وإذلاله.
ميزان العدل اختل واختلت معه الموازين، والله تعالى يقول: اعدلوا هو أقرب للتقوى، ويتعطش الناس للعدل ويتضجرون لغيابه، فأين نجده؟ وكيف نجد السواعد المشمرة الباحثة عنه، الحريصة على إقامته؟
خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش سبحانه، خلقها على أساس العدل الإلهي العظيم، وخلق الخلائق وأمرها بإقامته، حرم الظلم على نفسه وجعله محرما بينهم، وجعل من مهمات الأنبياء عليهم السلام العظمى بعد التبليغ والبيان، إقامة العدل المتين حتى يكون أسا ثابتا يقوم عليه بنيان المجتمعات وصرح الحضارات، وقيمة عظمى ترسو عليها حياة الناس، ذاك العدل الذي لا يميز بين مسلم وكافر ولا صغير أو كبير، إنما هو محراب يقف أمامه كل العباد خاشعين متبتلين يحذوهم قول الله تعالى في كتابه المجيد: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى 1 .
ننظر والنظر سنة إلهية: قل سيروا في الأرض فانظروا فترى أعيننا عجبا وما ذلك ما كنا نبغ، ترتد أطرافنا على ظلم على كل المستويات: وظائف مهمة تنتظر من يتكون ليتخرج ليشغلها، وخريج أعيته البطالة وقد حان قطف ثمرات جهود سنين مضنية في التحصيل والطلب.
بطون متخمة وأخرى جائعة تتضور من شدة الطوى ... ظلم.
أجساد تسكن القصور وأخرى تفترش الرصيف... ظلم.
الإجحاف في المعاملة... ظلم.
عدم تمكين المواطنين من حقوقهم كاملة بدون ابتذال ولا إذلال... ظلم.
شيوع الفساد في الأرض وعدم تحكيم شرع الله في كل المجالات... ظلم.
إذلال الرئيس للمرؤوس... ظلم
سوء معاملة الزوجين بعضهما لبعض ظلم، وعدم الإحسان إلى الذرية أو الآباء أو الأهل ظلم.
الإساءة إلى خلق الله تعالى ظلم والشطط في معاملة الرعية " وكل عبد وما استرعي" ظلم.
أن تعتقل وتعذب وتأسر من دعا إلى الله تعالى أو طالب بحق أو سعى إلى إقامة العدل في الأرض ظلم.
حرمان الناس من المطالب الأساسية للوجود ظلم وأي ظلم. ما نسيت منظر امرأة في السوق، وهي مثال لنماذج يعج بها واقعنا، تسأل عن هذا وذاك، وعند تلقى كل جواب تتأفف وتتعجب وتقول: حتى الخضر بلغ ثمنها عنان السماء، فماذا نغذي أبناءنا؟
ذكرني كلامي هذا بوصلة فكاهية بناءة في رحاب الجامعة، حين أراد أحد الطلاب مشكورا أن يستدعي ضحكات من طلبة أعيتهم المطالبات بلا إجابات، وأضنتهم الظروف القاسية، وأنهكتهم أكلات المطعم الجامعي الرديئة، قال: "واحد معشي بخروف وواحد على الريحة مسكوف، واحد عل الديباج مربع وواحد فالحفرة مكربع". تعبير عن واقع نعيشه داخل مجتمعاتنا المسلوبة المغلوبة.
أذن الجائع، لطالما سمعنا ذلك ولطالما كررناه، ليس يسلك فيها إلا نداء ينادي بالخبز. جائع وخبز، ومطالب ينبغي أن تهفو إليها أنفسنا غير مطالب الجسد واحتياجاته. الروح تحتاج إلى غذاء كما يحتاج الجسد إلى الغذاء، وأنى ترقى كل الأرواح وتزكو في إطار غياب غذاء الأجساد، لتهفو إلى المعالي وتطلب الإحسان.
العدل صنو الإحسان وأخوه الذي لا ينبغي أن يفترق عنه، ثنائية جعلت من قول الله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان أجمع آية في كتاب الله سبحانه، لأننا لا نتصور أن ندرك درجات الإحسان إلا بإحقاق العدل في الأرض، أو على الأقل بالحرص كل الحرص على تحقيقه في الأرض، في الشأن الخاص كما العام.
العدل المطلق هو الذي نجده حينما توضع موازين القسط ليوم القيامة، ولكن الله تعالى أمر أن نبدأ من هنا لتجمل الحياة هنا وننعم بالخلود المرضي هناك.
لنجعل العدل مطية للإحسان، العدل أولا ووسطا وآخرا. فلا إحسان يرجى والظلم جاثم على القلوب والأوطان، ويتربص لينقض على محسن رحمه الله، وتقبله شهيدا مات دون ماله، كما انقض وسينقض على غيره إن بقي الشعب مستسلما لا يقدر على المطالبة، ورضي بقرارات الأغيلمة الذين يتحكمون في رقاب العباد ويسهل عليهم إلقاء الأحكام الفورية من قبيل" طحن مو تاهوا".
المراجع
- 1.سورة المائدة، الآية 8. ↩





