في بيتي مقبرة

اسمها مليكه زهرة في مقتبل العمر هي أصغر الأبناء. بنت وحيدة، وأخت لتسع ذكور. طلقت طفولتها مبكرا لتعانق حياة الكبار. أمها امرأة بسيطة، أمية، من عائلة غنية. أبوها رجل أمي وفقير مهنته كهربائي، عاش يتيما، تجرع قسوة أعمامه. تعب كثيرا في البحث على عمل يكفي به أسرة عدد أفرادها اثنا عشر رغم مهارته في حرف متعددة "سبع صنايع والرزق ضايع". إخوانها عاطلون، إلا واحدا فقد أتم تعليمه ليتعين معلما في النواحي. يتعاطى أغلبهم للمخدرات، أسمى أمانيهم "الحر ﯕﺔ".
الأنثى في ﻫﺬا المجتمع كم مهمل، ومجلبة للسبة والعار ، والرجولة فيه هي القسوة. "الراجل هو اللي حاكم اختو ومرتو وبنتو".
مليكه حب أمها وكاتمة أسرارها. مكانهما في معظم الأوقات المطبخ. مجندات لخدمة باقي العائلة. تهيئ الأم الأطباق، أحبها إلى قلب الزوج والأبناء طبق مملوء لحما. بينما تتكلف البنت بإنزاله على المائدة، لتعود من حيث أتت، فينتظران سويا فضلة الطعام، إذا كان له بقية. عانيا من سوء معاملة الذكور لتصل في أغلب الأحيان إلى الضرب المبرح من أجل أسباب تافهة. "الزمان قهرني وأنا قاهر عيشا مرتي".
ما علم بل وما تعلم الضعيف بأن الله قريب وبأنه مفرج الكروب. وما علم وما تعلم القوي بأن يوم الحساب قريب وبأن الله على كل شيء رقيب، ليتقي الله في الضعيف. جهل مطبق خيم على البيت بل على القرية والمدينة.
استمرت الحياة أزيد من ثلاثين سنة، نفد فيها صبر الأم فقد كانت تراودها باستمرار فكرة الانتحار لتضع حدا للشقاء، لكن رؤية صغيرتها كانت تبعث فيها الأمل.
"الشوافة "، الملاذ الوحيد لها ولمثيلاتها. تارة ترسل البنية خلسة عند غياب الزوج والأبناء، وتارة أخرى تذهب هي بينما تحرس الأخرى المداخل، "ويلا صار باش حصلوهم راهم ياكلو ويفرقوا".
جربت المسكينة جميع "التعويذات" دون جدوى، إلى أن نصحتها إحداهن وأرشدتها إلى دس سم الافعى، لتتخلص من الزوج إلى الأبد. أدبرت في بداية الأمر وترددت، لأن الأمر جلل، "وهي ما تقوى حتى على قتل سراق الزيت"، لكنها في نهاية المطاف تحمست للفكرة وأقبلت. ليس من أجلها هي بل من أجل صغيرتها: "أنا فات في الفوت، بنتي مازال صغيرة بغيتها تشوف دنيتها". لم تدرك أنها حتى لو تخلصت من الأب فكيف تفعل مع الأبناء؟ وكيف تكسر قيود المجتمع؟.
اليدان الصغيرتان ترتعشان، والقلب يخفق، وهي تحمل الحساء المسموم لأبيها، وأمها تنتظر، تكاد أنفاسها تنقطع خوفا من المصير.
تأخرت مليكة، "ماشي عاوايدها .أش جرى؟ "، قبل أن تنزل البنية الطعام صرخ الأب في وجهها حتى كاد يغمى عليها، وأمرها بالجلوس.
كان الوالد على علم مسبق بأمر" الشوافات" لأن أمه كانت ترسله لإحضار "التعويذات" عندما كان طفلا.
لماذا ياترى طلب من مليكة بالجلوس؟ الأمر بسيط فقد أرغمها على احتساء ما أحضرت. لم يكن يعلم بأن به سما. كان يضنه إحدى "التعويذات".
مرضت مليكة مرضا شديدا دام أربع سنوات، عانت خلالها آلاما رهيبة، صحبتها أعراض تساقط الشعر وفقدان الشهية، فازداد جسمها نحالة، وذبلت حتى ماتت بالمصحة. نقلت بعد ﻫﺬا إلى المنزل لتدفن "بالعرصة" مكان تابع للدار به أشجار التين، اعتادت على اللعب فيه مع بنات الجيران في سنواتها الأولى .
أرادت الأم سعادة حبيبتها في الدنيا فأختارها الله للآخرة. كيف لا تنعمين بالجنة يا أخيتي وسجل سيئاتك صفحة بيضاء.
تدمرت العائلة بعد وفاتها: أمها هربت من الدار لتعمل خادمة في المنازل بلقمتها، تتجرع الحسرة والندامة وألم فراقها لشريكتها، إخوتها تفرقوا واضربوا عن الزواج خوفا من نفس المصير، بينما بقي الأب وحيدا يزور قبر بنته صباح مساء يبلله دموعا.
رحمك الله يا رسول الله وصلى الله عليك حتى ترضى، أعتقت الأنثى، ورحمتها، وأكرمتها وعلمتها لتستمر الحياة؛ وأمرت بالإحسان إليها:"استوصوا بالنساء خيرا " 1 . وقد أنبأك الحق سبحانه بما سيقع بعدك، فحذرت من ظلمهن:"اتقوا فتنة النساء" 2 .
وجازى الله خيرا من أعتق رقابنا بعدك، فلولاهم ما وصلتك مقالتي أيها القارئ.
اللهم رحمتك وغفرانك، أنت التواب الرحيم تبت على قاتل المائة، فكيف لا تتوب على قوم اقترفوا سوءا بجهالة.






