دور الأسرة في ظل كورونا

شاء الله تعالى أن ينزل على الإنسانية قدرا من أقداره، ويبتلي الناس في أنفسهم وقلوبهم وأجسامهم، فتفرقوا في ظل ذلك بين مندهش وساخط، وبين راض ومسلم لأمر الله.
والمؤمن الحق من تحققت فيه معاني الرضا بالقضاء والقدر؛ ذلك الرضا الذي يزرع في النفس الخوف من غضب الله والرجاء في رحمته؛ الرضا الذي يحرك بواعث النهوض والتغيير في أحوال القلوب والعقول، لتفهم رسالة الله إلى الإنسان وتتلقى أمره وتعمل بمقتضاه.
ومن مظاهر هذا الابتلاء أن قدر علينا المكوث في بيوتنا، عملا بأسباب النجاة من هذا الوباء الذي حل بالناس، وقد ابتلي الآباء والأبناء على حد سواء، فكيف السبيل إلى جعله سببا لنجاتنا وتعبيرا عمليا على رضانا بقدر الله، رضا العمل والتغيير لا رضا الاستسلام والانهزام؟
يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: "ما قضاه الله عز وجل وقدره واقع لا محالة ولا راد لقضائه، لكن لا يستوي من عمل بأمر الله الشرعي، وبذل الجهد، حتى طواه القدر أو بسط له، ومن عجز عن العمل وتكاسل وتخامل حتى فاجأه القدر. الأول مأجور معزور، عمل بقضاء الله فيسره للحسنى، والثاني آثم مأزور، لم يستعن بالله، ولم يتوكل عليه بخطوات عملية، فيسره للعسرى، وجر عليه عجزه جزاء الجبناء. ولله الأمر في الآخرة والأولى" (1). ولكي نكون من المأجورين وننال الحسنى وجب أن نتخذ من هذه المحنة فرصة للتأمل في ملكوت الله وسننه في الكون، ووسيلة للنظر في أحوال القلب والعقل، فنجتهد لتدارك ما فاتنا ونتسابق في الخيرات، مجددين التوبة مع الله تعالى متخذين قوله سبحانه شعارا لنا: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الحديد، 21).
إن وجود الأطفال في المنزل دون الحق في مغادرته والبقاء بعيدا عن زملائهم وأحبائهم، أمر غير مألوف لديهم، قد يثير الإحباط ويبعث القلق في نفوس الصغار والكبار على السواء، فأيا كانت الشريحة العمرية للأطفال، فإن الحجر الصحي قد يكون له تأثير سلبي على واقعهم اليومي، لذلك فلا عجب أن نجدهم يواجهون مشاعر الخوف والقلق، ويطرحون العديد من الأسئلة حول ما يجري حولهم.
لذلك وبغية تقليل حدة الأثر النفسي لهذا الوضع الاستثنائي، يجب تشجيعهم على التحدث والتعبير عما يخالجهم، وعدم تركهم فريسة تأويلاتهم الشخصية.
فضلا عن ذلك يستحسن ترشيد التعاطي مع المعلومات والمعطيات عبر وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي بشأن تطور الوضعية الوبائية، مع التأكيد على الاستمرار في جميع الاحتياطات المتبعة من قبيل:
- تعقيم وتنظيف اليدين بالماء والصابون عدة مرات.
- تفادي الذهاب لعدد من الفضاءات حيث ينتشر الفيروس (الأسواق، الشبابيك الإلكترونية..).
- لُبس الكمامة أثناء الخروج إن كان ولا بد، وترك مسافة الأمان بينك وبين الآخرين.
وللأسرة (الأب، الأم، الإخوة الكبار...) دور مهم في تثبيت كل ذلك والالتزام به، باعتبارها من الأسباب التي يجب أن تؤخذ بجانب التضرع إلى الله وطلب العفو والعافية منه سبحانه، وهي المعاني الواجب ترسيخها في أذهان النشء، والمعول عليها في تغلبهم على صعاب هذا المستجد.
ولا غنى للأسرة مع تلك الاحتياطات عن اتخاذ مجموعة من الترتيبات المهمة والمفيدة للتعايش مع هذا الوضع، لأهميتها في تربية شخصية الطفل مع ضرورة إعطائهم تفسيرات بسيطة نذكر منها:
- اتخاذ مسجد في المنزل، وهو لا يعوض المسجد الحقيقي، ولكنه استثناء وفرصة لتعلم آداب الصلاة واكتساب روحانيتها، وتمهيد وتدريب وتحبيب لبيت الله، الذي يجب بعد انتهاء الوباء أن يصطحب الأب أطفاله للصلاة فيه؛ إذ إن "تعليم الأطفال، وتدريب الأطفال، وتربية عقول الأطفال يصلحها الحرمة والروحانية" (2).
- اجتماع الأسرة حول كتاب الله قراءة وحفظا وتعلما، وتشجيع الأطفال وتحفيزهم لحمله والتهمم به، تهييئا ليحتل "القرآن في الأجيال القادمة إن شاء الله مكانة الشمس يسطع نوره يضيء الأرجاء، ومكانة الغيت يروي أراضي القلوب المتعطشة، ومكانة المرجع المقدس، حول معانيه، وفي خدمة أهدافه وغايته تتبارى العقول" (3).
- الاستمرار في الدراسة وتشجيعهم على طلب العلم.
إن الأسرة محضن الطفل وبيئته الطبيعية اللازمة لرعايته وتربيته، وهي المدرسة الأولى التي ينشأ فيها على القيم الإنسانية والأخلاقية والروحية، ومن لطائف الله بنا أن جعل في هذه المحنة منحة أعاد للأسرة دورها الطبيعي، بعد أن سيطرت قوى أخرى على عقل الطفل وتشتيت اهتماماته. فـ"من البيت الإسلامي تنطلق القومة، وتمر بالمدرسة، وتستقوي بعد الله بمن سمع ولبى، وسأل وسئل عنه ولبى النداء والتف واجتمع، وأيد وانتظم. وكلها مراحل تربوية، تأخذ الأقرب فالأقرب السائر في الحياة بلا هدف، لتوقظ فيه هم مستقبله الحقيقي الأبدي ولتعقد له مع الله الصلح الكبير" (4).
وما فتئ الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كل كتاباته ولقاءاته، يذكر بمعاني الرحمة والمحبة ولين الجانب، التي هي روح دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين، وهي الروح التي ينبغي أن تسري في بيوت المؤمنين، ويتآلف عليها الأزواج. بيوت مبنية على أسس متينة ينشأ فيها أبناء يتنسمون عبير تلك المعاني ويتشربونها، فتشع بها الأسرة على محيطها لتسري في المجتمع بأسره، لأن "أقوى ما تستقوي به الأمة متانة بناء الأسرة" (5).
الهوامش:
(1) عبد السلام ياسين، الإحسان، دار الطباعة للنشر، ط 1، 1998، بيروت، ج2، ص300.
(2) عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، مطبوعات الأفق، ط 1، ص151.
(3) عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1، 2009، بيروت، ص162.
(4) عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996، ج2، ص 246.
(5) المرجع نفسه، ص 221.






