الأمهات المؤمنات صانعات المستقبل

محتويات المقال
1 يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم:
"إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له"
2 إن أول ما ينبغي فهمه أن صلاح الولد من صلاح الأمة. فإن كان الولد الصالح ذخرا لوالديه في الدنيا و الآخرة، فهو ذخر الأمة في الدنيا و مستقبلها. فبناء الأمة يقتضي إعداد النشىء إعدادا جادا ليكونوا جند التحرير و البناء، جند صناعة المستقبل. و صناعة المستقبل لا تعني إضافة أرقام إلى رصيد الأمة البشري فحسب، بل تنشئة أجيال صالحة.
فما معيار الصلاح في حساب الدنيا والآخرة ؟
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين :
كيف نهيئ النشء المؤمن الواعي بمأساة البشرية الشاردة عن ربها ؟ كيف نقيم في عقله وقلبه صارخا مناديا للإيمان يكون أقوى من ضجيج العالم التعليمي الإعلامي وهوسه ؟ كيف نقطع حبال الموروث التقليدي من عادات وأنانيات ساكنة في الأجيال العتيقة، عالقة بالمخضرمة، دون أن نقطع حبل الفطرة الواصل بين أجيال الإسلام عبر تربية الأب والأم والقريب والجار ومعلم الخير والمسجد ؟ كيف ننفض أيدينا من التلفزيون المفتون الفاتن، ونعطي البديل الجميل الجذاب؟)
إن صناعة المستقبل، صناعة أجيال في قوتها وكفاءتها وإيمانها.
فما مهمة المؤمنات في البناء وصناعة المستقبل ؟ وما مهمتهن في إصلاح العمل - الولد- ؟
من أين نبدأ ؟
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:
أقوى ما تستقوي به الأمة متانة بناء الأسرة. والمتانة أمومة مصونة مستقرة في بيت - مدرسة. أهم ما نعد لهم من قوة، أمومة مصونة مبرورة برة مربية تصنع مستقبل العزة للأمة)
4 صناعة مستقبل وعزتها تقتضي أن يكون للمومنات اليد الطولى في ذلك، والخدمة التي لا يقوم بها غيرهن. وليست هذه الخدمة تفريخ أعداد بشرية، فما جدوى الأمومة إن كان العمل فاسدا، والنسل غثاء كغثاء السيل أساءت تنشئته وأهملته ؟ بل على المؤمنة أن تعمل على تربية أطفالها نفسيا وعمليا وعلميا ليتأهلوا في مهنة الاندماج الاجتماعي ومهنة الإنتاج الاقتصادي والعضوية الفاعلة في المجتمع.
إن الجيل الذي نريد تنشئته، نريده بريئا إن شاء الله من رواسب الجهل التقليدي و العاهات النفسية المتوارثة.
نريده قويا على اقتحام عقبات الحاضر، متطلعا للمستقبل بثقة وطمأنينة.
كيف نربيه إذن ؟ كيف نعلمه ؟ كيف نجعل منه المؤمن الواعي ؟
عوامل التربية
أ – الأسرة :
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:
تتخذ المؤمنة برجا تغزو منه ولا تغزي، فإن غزيت قاومت وصمدت واستعانت بالله العلي القوي. واستنجدت بحبل أخواتها في الله الوثيق من موقعها الاستراتيجي، ترتب الزحف السياسي وتؤسس التغيير التاريخي)
5 الأسرة إذن لبنة الأساس في بناء المجتمع، وخندق لإنجاح المشروع الإسلامي، وصنع مستقبل الحكم الإسلامي. من البيت الإسلامي تنطلق القومة، إن كان البيت يسكنه مؤمنون وكانت قلوب المؤمنين يسكنها حب الله و الخوف من الله والرجاء.
ينشأ الطفل في كنف أسرة مسلمة تسودها المعاشرة بالمعروف والبر والتعاون، وحيث ينسجم الدين والخلق والسلطة الأبوية الأمومية في حضن المحبة.
ب – المدرسة:
تعمل على ذلك بمساعدة مدرسة هي من الأهداف السابقة للدعوة، تحتضنها الأمهات المؤمنات، يسرين إليها العافية بتألف المعلمات والأستاذات وتقريبهن وتهذيبهن)
6 كيف تزج المؤمنات إذن بالمدرسة في تيار الإحياء والتجدد ؟ كيف تصنع المدرسة شعبا واعيا من عموم الأطفال، بدل أن تسلمهم للشارع والعطالة. من المدرسة تنطلق مسيرة اقتحام العلوم. فإن كان تحصيل المعارف الضرورية واجب، فإن محو الأمية في الدين لابد أن يساير جهود محو الأمية الأبجدية والسياسية والتقنية.
إن المعلم واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية, كيف نجعله المربي القدوة ؟ كيف نحيي فيه الباعث القوي على التحلي بالرفق والمسؤولية الأخلاقية ؟ من الحرمة والمسؤولية الأخلاقية الإيمانية إعادة علاقة المعلم بالمتعلم إلى نصابها الإسلامي. فيكون التوقير والحب والتبجيل تحية واجبة على المتعلم للمعلم، ويكون الرفق والنصيحة والرحمة حقا على المعلم إزاء المتعلم.
تتولى المدرسة تحقيق هدفين أساسين، أولهما مؤسس للآخر، هدفه تربوي نفسي، وهو غرس الولاء مبكرا في النفوس وهو ولاء لله و لدين الله، وهدف تعليمي تدريبي: إكساب الناشئة المهارات العقلية – العملية المطلوبة اجتماعيا و اقتصاديا.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين :روح الدعوة تسري في المدرسة من نفحات الأمهات المعلمات المربيات، لتنسحب منها روح السيطرة الإدارية وخيانة المكتبية التي لا تبالي، وقانون المذكرات الوزارية الغائب من يكتبها عن الميدان، وقطيعة العدد العديد الذي يجد فيه النشء نفسه أرقاما مجهولة) 7
ج – المسجد :
ولا بد للدعوة السارية روحها من موعد لقاء وبرنامج لقاء. الموعد المسجد، والبرنامج القرآن. إن لا يأت إلى المسجد تلامذة المدرسة وطلبة الجامعة، يأت إليهم المسجد)
8 إن حق الولد الصالح على الوالدين الصالحين صناعة مستقبله ليكون عنصرا صالحا في محيطه. أول خطى الطفل تكون إلى المسجد. وروح المسجد وحرمته لا بد أن تسود الأسرة والمدرسة لتتأسس شخصية الطفل في ارتباطها بالمسجد والقرآن. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:
قصدي إذن أن يسود التعليم، حرمة المسجد، وروحانيته وفضيلة التطوع والبذل السخي والمسؤولية الأخلاقية. لا أن تضم بناية المسجد ومرافقه المحدودة مالا يحد من حاجيات تعليم الأطفال واليافعين والشباب)
عوائق التربية
ما تستطيع الأم المؤمنة أن تنفرد ببناتها وأبنائها ليقع تأثيرها عليهم لا تشوبه ولا تحرفه تأثيرات غيرها. أمامها وحواليها مؤثرات بشرية تذبل زهرة الأخلاق وتعوج عود الاستقامة، وتمتص رحيق الأغصان)
أ- التكاثر العددي: كثرة عددنا عائق للتربية بالنظر إلى أن الأجيال الشابة تجد أمامها سلفا أثرا جاهلا، فتثور عليه إذ لا تجد أهلية لتتلقى عنه التربية) 11 فإن كان الإمام الغزالي وبعض الفقهاء قد أجازوا للمرأة أن تنظم نسلها استبقاء لجمالها وحفاظا على حياتها. فماذا إن كان الأمر يتعلق بمصير أمة ومستقبل أمة ؟
ب- التلفزيون وغيره من وسائل الإعلام (الانترنيت، السينما، ... ) : هي الفتنة الكبرى، معاول هدم. كيف ندمج منها في حياتنا الإسلامية ونظامها المدرسي ما يدمج ؟ وكيف نروض الباقي لخدمة أهدافنا وغاياتنا ؟ كيف نجعلها أداة للتربية الشمولية والتعليم المستمر المتكامل ؟
ت- الحماة: تنازع الأم المؤمنة في أبنائها أجيال تتعايش من قريب قاطن أو مزور زائر: من ركن إلى مذهب في التربية وغير راكن. منازعون ومنازعات: ابتداء من الحماة) 12 مجالات للصراع، ورياح معاكسة تجري بسفن التربية إلى غير وجهتها. فالحماة تنازع الأم في تربية أبنائها، تحمل من مخزون التقاليد وموروث التدين ما ينبغي على المؤمنة أن تقبله ثم تستصلحه حتى لا تقطع ما أمر الله به أن يوصل, يقول الأستاذ عبد السلام ياسين :تنفق المؤمنة من كنوز المحبة، واحتياطي المداراة، وملطفات الأجواء بالخدمة واللياقة واللباقة ومنجدات التحمل والصبر)ث- طباع الزوج: ليست أقل من معاناة الحماة، بل تحتاج من الكياسة والحكمة ما تطلبه الدعوة.
ج- الخدم : ترك الأطفال للخادمة ضياع الأجيال، ويتم جزئي على المؤمنات مواجهته بإنشاء محاضن تعمل فيها أمهات متطوعات صالحات، وجمعيات من الطبيبات المحسنات والأطباء الفضلاء لرعاية الأطفال وتوجيه الشباب في طور المراهقة.
خصائص التربية
أما التربية الإسلامية، تربية الغد الإسلامي فلن تكون مستحقة لاسمها إلا إن تناولت الطفل، فأودعت قلبه إيمانا وعقله حكمة وجسمه صلابة.
• تربية مستقبلية : غايتها التقرب إلى الله عز وجل وتهيئ المستقبل إليه والسعي للقائه.
• تربية علومية : تنجمع فيها العلوم الكونية حول نواة العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله.
• تربية قرآنية: برنامجها القرآن ولغتها القرآن. من القرآن يتعلم الأطفال القراءة والكتابة ومنه يتضلعون في اللغة العربية) 13
- برنامج التربية: القرآن: فهو محور العملية التربوية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:ينبغي النظر في برامج التعليم للسنوات التسع الأولى من حياة الأطفال لتندرج في كنف القرآن وتستشهد به وتستند إليه) 14 ويتعلم الطفل التاريخ من قصص القرآن، والحساب من عدد الركعات والسجدات وأنصاب الزكاة، ويتعلم الجغرافيا من اختلاف الليل والنهار ومطالع الشمس والقمر ... بدل تعليم مادي يطمس الفطرة ، تعليم قرآني يحييها.
- لغة التربية: اللغة العربية : في السنوات التسع الأولى من حياة الناشئ، وهي الفترة التي تأسست فيها قواعد الشخصية ويتأصل فيها الفكر والشعور والولاء والباعث، نجنب أطفالنا التوغل في المياه الأجنبية، إلا أن تكون دراسة باللغة الأجنبية مضمونها إسلامي تؤكد الباعث القرآني ولا تصادمه. ولن يفوت الناشئ شيء من قدراته على تعلم اللغة الأجنبية التي تبقى المفتاح الضروري لولوج الدوائر العليا من العلوم) 15 تربية خلق جديد : يستبدل الله بهم أعداد غثائية، ويخرج من أصلابهم من يوحد الله.
• تربية حكيمة: تصل وتقطع. وتصل بين أفراد الأسرة وبين المعلمات والتلميذات، صلة تآمر بالمعروف وتناه عن المنكر وتواص بالصبر. وتقطع كل ما يمكن أن يحرف الفطرة.
* تربية واقية: تحفظ مع جسم الطفل نفسه وروحه من كل حاقد يشوش فطرة الله أو يشوهها.
إن المسألة التربوية تقتضي تظافرا للجهود بين عوامل التربية كلها (أسرة، مدرسة، مسجد ...) لكن تحقيق الأهداف المتوخاة يظل صعبا في غياب شرطين أساسيين : بدون تربية سلوك نظامها القدوة الصالحة والصحبة الطيبة، قدوة يجدها الطفل في أبويه في الأسرة، ومعلمه في المدرسة، وصحبة تغدي تلك النبتة بمجالس الإيمان ومع القرآن، يجمعهم حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* كتاب تنوير المومنات للأستاذ عبد السلام ياسين 2/ 218 .مطبوعات الأفق الطبعة الأولى 1996.
المراجع
- 1.قراءة في الفصل التاسع من كتاب تنوير المؤمنات ↩
- 2.رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ↩
- 3.حوار مع الفضلاء الديمقراطيين مطبوعات الأفق 1994 ، ص 123. ↩
- 4.كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 220. ↩
- 5.كتاب تنوير المومنات ص 239 ج 2. ↩
- 6.كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 240. ↩
- 7.كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 254. ↩
- 8.كتاب تنوير المومنات ص 259 ج 2. ↩
- 9.كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 151. ↩
- 10.كتاب تنوير المومنات ↩
- 11.الإسلام غدا ص 599. ↩
- 12.كتاب تنوير المومنات ج 2 ص 233. ↩
- 13.كتاب التنوير ج 2 ص 260. ر ↩
- 14.حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 155. ↩
- 15.حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص163. ↩






