الأمومة الناجحة

يقول الله عز و جل وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا الإسراء 23-24
عن طلحة بن معاوية السلمي رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله. قال: أمك حية؟ قلت: نعم. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: الزم رجلها فثم الجنة"
ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: إن كمال المرأة الوظيفي وكمال الرجل أبوين مسؤولين مربيين هو غاية ما يرا د منهما تحقيقه حفظا لفطرة الله ونشرا لرسالة الله وخدمة لأمة رسول الله)[1]
هكذا نجد أن ديننا الحنيف أعلى من مقام الأمومة والأبوة حتى جعله تاليا لمقام الربوبية في الآية الكريمة وأعلى مكانة الأم عن مكانة الأب بأمومتها في الحديث الشريف حتى جعل الجنة عند قدميها. وجعلها بأمومتها حافظة الفطرة لدى الإنسان وصانعة الأجيال لتعمر بها الحياة ويحفظ النسل، ولا بدمن استحضار أن أطفالنا هم أحد اختبارات الله الكبرى لنا ومن ثم فنحن في حاجة دائما الى أن نطلب منه سبحانه العون و المساعدة والهداية لنا و لأطفالنا. يقول الله سبحانه و تعالى لنبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: واذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون[2]
و تعريف الأم في اللغة هي أصل الشيء و هي الوالدة و هي الشيء يتبعه فروع له.
وفي الآية الكريمة ما هن أمهاتهم ان أمهاتهم الا الائى ولدنهم سورة المجادلة الآية . 2
وسمي الأب والدا متابعة للأم"الوالدة"ولو أنه لم يلد.
والأمومة اصطلاحا هي علاقة بيولوجية ونفسية بين امرأة ومن تنجبهم وترعاهم من الأبناء والبنات.
وهنا نطرح السؤال: هل الأمومة فطرة؟
الأمومة هي غريزة من أقوى الغرائز لدى المرأة وهي تظهر لديها في الطفولة المبكرة حين تحتضن عروستها
وتعتني بها، وتكبر معها هذه الغريزة وتكون أقوى من غريزة الجنس وكثير من الفتيات يتزوجن من أجل أن يصبحن أمهات ودائما لديهن حلم أن يكون لهن طفل أو طفلة يعتنين به. ولولا هذه الغريزة لعزفت كثير من النساء عن الزواج.
والمرأة حين تخير بين أمومتها وبين أي شيء آخر فإنها تختار الأمومة بلا تردد.
والأمومة فطرة يرشدها العلم ويرسخها العمل، والواقع يشهد بأنه ليس كل امرأة تصلح أن تكون أما كما أنه ليس كل رجل يصلح أن يكون أبا. ومسؤولية كل واحد منهما أن يختار لأولاده من يحتضنهم ويربيهم.
كما أن واجب الرعاية وحضانة الطفل من مسؤوليات الأم بدءا بالحمل والرضاعة والرعاية الصحية والنفسية، والأم الناجحة هي التي تدرك جيدا أن التربية لا تقتصر على توفير أحسن الطعام للأبناء وأحسن المدارس لتعليمهم بل هي الشخص الأهم في حياة الطفل لذا لابد أن تحقق النموذج المثالي الذي يحتدي به الطفل في كافة تصرفاته وأفعاله ويؤثر في شخصيته.
وأن المرأة التي لا تفتخر بعملها كأم من الأرجح ألا تكون أما، وأن هذه الأم قبل أن تقوم بصناعة أولادها
عليها أن تقوم بصناعة نفسها أولا، وذلك ليس سهلا ولا بسيطا.
الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق
1. الأمومة الكاملة: بيولوجية ونفسية "هي الأم التي حملت وولدت وأرضعت ورعت الطفل حتى يكبر وهي أقوى أنواع الأمومة. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: المعاناة والمعايشة للحمل والجنين تسعة أشهر كاملة.)يتغير فيها كيان المرأة البدني كله تغيرا يقلب نظام حياتها رأسا على عقب، ويحرمها لذة الطعام والشراب والراحة والهدوء.انه الوحم والغثيان والوهن طول مدة الحمل، وهو التوتر والقلق والوجع والطلق عند الولادة).
وهو الضعف والتعب بعد الولادة. ان هذه الصحبة الطويلة، المؤلمة المحببة، للجنين بالجسم والنفس والأعصاب والمشاعر هي التي تولد الأمومة وتفجر نبعها السخي الفياض بالحنو والعطف والحب. هذا هو جوهر الأمومة: بذل وعطاء وصبر واحتمال ومكابدة ومعاناة.
2. الأمومة البيولوجية: هي الأم التي حملت وولدت ثم تركت ابنها لسبب من الأسباب وهي أمومة قوية وعميقة لدى الأم فقط ولكنها ليست كذلك لدى الابن أو البنت.
3. الأمومة النفسية: هي الأم التي لم تحمل ولم تلد ولكنها رعت وربت هذا الطفل وأحاطته بالحب والحنان. وهذه الأمومة يعيها الطفل ويعيشها لأنها أمومة نفسية مليئة بالحب والعطاء المتواصل.
مقومات الأمومة الناجحة
1- التدين: الدين هو الدستور الذي ستضطر الأم الى العودة اليه لمعرفة الارشادات التي تسير عليها قبل أن تجتهد. فالتدين ليس اختيارا هامشيا ولكنه أولى الأولويات في حياة الأم وفي معرفة كيفية التعامل مع تربية أبنائها واحتساب ذلك لله عز وجل.
2- المرونة: الطفل الذي يترعرع في كنف الممارسة التربوية المرنة عادة ما يتميز بسمات الشخصية السوية المتمثلة أساسا في الثقة بالنفس والتقدير العالي للذات وتحمل المسؤولية والشعور بالأمن والكفاءة في التحصيل الدراسي والتواصل الجيد.
3- قوة الشخصية: يجب أن تكون الأم ذات شخصية قوية لأن الأم الضعيفة المستسلمة غالبا ما يكون أبناؤها ضعفاء وإمعة وتابعين، وتستطيع أن تلمس سلوكيات الطفل بالنظر إلى أمه فالأم لا بد أن تتحمل المسؤولية في صناعة أجيال قادرة على التغيير. فوظيفة الأم دائمة، لا يمكن الاستقالة منها حتى ولو أصبح الأبناء رجالا ونساء.
4- الفقه التربوي: هو التوازن في المعاملة وهو نوع من الحكمة المكتسبة بالتجربة، وهو المزج بين الشدة واللين ووضعهما في المكان الصحيح في التوقيت الصحيح.
5- التفكير الإيجابي: على الأم الناجحة تغيير الأساليب السلبية والتفكير السلبي وتعويضه بالتفكير الايجابي في تعاملها مع أطفالها. قل لي كيف تفكر أخبرك بنوع السلوك الذي سيصدر عنك). والأساليب السلبية التي نتعامل بها مع أبنائنا ماهي إلا واقع ينطلق من أفكارنا المسبقة. والإسلام دين تفاؤل. وأمر رسولنا صلى الله عليه وسلم: "أحسنوا الظن بالله" تجعل المسلم ذو تفكير ايجابي.
6- البعد عن الغضب: الأم الناجحة لا تربي أبناءها وهي في حالة غضب لأنه يؤثر في الممارسة التربوية بشكل سلبي إن لم تتحكم فيه. فليس المطلوب عدم الغضب نهائيا –وذلك لا سبيل له- ولكن المطلوب امتلاك استراتيجية ايجابية لتوجيه الغضب نحو البناءوالتربية بدل الهدم وهذا يفرض على الأم عمل أكثر لاكتساب هذه المهارات.
[1] التنوير 2/ 220
[2] سورة البقرة، الآية 186



