الشهادة حضور في الميدان

الشهادة حضور في الميدان وفي الزمن الراهن، لهذا فالحي شاهد، وشهيد ومن أسماء الله عز وجل (الشهيد) قال أبو إسحاق: "الشهيد من أسماء الله الأمين في شهادته، والشهيد الحاضر فإذا اعتبر العلم مطلقا، فهو العليم، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد وقد يعتبر مع هذا أن يشهد على الخلق يوم القيامة... الشاهد العالم الذي يبين ما علمه ".
والشهادة خبر قاطع تقول منه شهد الرجل على كذا، وربما قالوا كما جاء في لسان العرب: شهد الرجل بسكون الهاء للتخفيف... وقال أبو بكر الأنباري في قول المؤذن: أشهد أنه لا إله إلا الله: أعلم أن لا إله إلا الله وأبين أن لا إله إلا الله... وشهد فلان على فلان بحق، فهو شاهد وشهيد واستشهد فلان، فهو شهيد والمشاهدة المعاينة وشهده شهودا أي حضره، فهو شاهد، وقوم شهود أي حضور... والمشهد محضر الناس... ومن هنا قوله تعالى: "وشاهد ومشهود" الشاهد النبي صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة... والشهيد المقتول في سبيل الله... الشهيد الذي يستشهد: الحي أي هو عند ربه حي... والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة".
و"الشاهد الآمين في شهادة والذي لا يغيب عن علمه شيء والقتيل في سبيل الله لأن ملائكة الرحمة تشهده، أو لأن الله تعالى وملائكته شهد له بالجنة، أو لأنه ممن يستشهد يوم القيامة على الأمم الخالية... أو لأنه حي عند ربه حاضر".
و"الشهادات" جمع شهادة، يقال: شهد يشهد شهادة، وهي في اللغة لمعان عديدة كالعلم، والحضور، والرؤية، والإعلام، والإخبار، والمعاينة. واقتصر جماعة من اللغويين على الحضور، قالوا: ومنه قوله تعالى في سورة البقرة الاية 185: "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"
وقال ابن فارس: "الشين والهاء والدال، أصل يدل على حضور وعلم وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك: الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور والعلم والإعلام"
وعقب هذا يمكن القول: إن الأصل الجامع لكل هذه التعريفات مضمنا في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 143: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا".
إن الشهادة إذا ما عدنا إلى دلالتها اللغوية وإلى سياقها في الآية مرتبطة ارتباطا عليا مع الوسطية تبين أنها تمثل منهجا متكاملا في التعامل الحضاري للمسلمين مع الآخرين من الناس. فالشهادة في ظاهرها في الإخبار عن أمر وقع العلم به لإقامة حق يتوقف عليه ذلك الإخبار، وهو ما يقوم على أربعة عناصر أساسية: العلم الذي هو أساس الشهادة، والبيان والإظهار لذلك العلم، ثم تبليغ ذلك العلم بحيث يصير واصلا إلى الآخرين على الوجه المقنع، ثم العدل في كل ذلك حتى تكون الشهادة مفضية إلى نفع المشهود عليهم، وفي المجال الإنساني العام "إن الشهادة مسؤولية كبرى ومسؤولية فردية ومسؤولية اجتماعية ومسؤولية عبادية لأنها أولا وأخيرا يجب أن تكون لله: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). النساء الاية 135
إذا للشهادة مقومات ومن مقوماتها الأساسية: العلم والحضور اليقظ والواعي والمعاينة المباشرة، أي:الإلمام الدقيق بما يشهد عليه.. العدل بما يعنيه من قدرة فعلية على تجاوز الذات وأهوائها وإقامة الحق بتجرد تام... والتقوى الخالصة التي هي تمثل دائم وقوي للحضور الإلهي في دنيا الإنسان، والشعور الأقصى بالمسؤولية أمامه...
من خلال التحديدات الواردة في مفهوم الشهادة نستشف أنها حضور في الميدان قبل أن تكون موتا في الميدان فقط، لأنه أصبح في الدارج عندنا مفهوم الشهادة مرتبط بالموت فقط، أليس الشهيد لم يسمى شهيدا إلا لأنه عاين الواقع واستخبر مكامن فساده فاقتضى الأمر منه حضورا في ميدان التغيير، حضورا لتسجيل موقف لإحياء وبعث نفوس وحريات وحقوق كانت ميتة فأحياها "ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا" حضر في الميدان وسجل موقفا في واقعنا الراهن من أجل تحقيق إحياء وبعث ونهضة وتغيير وتجديد وشهادة الأمة على الناس بعد طول غياب فأصبح حال الإنسانية لما هو عليه الآن.






