المغرب بين الآمال والوقائع والمخاوف

إن حدث استرجاع المغرب استقلاله عام 1956 استقبل بارتياح كبير عبر أرجاء الوطن. وهكذا، فعندما أعلن السلطان محمد الخامس في خطاب له أمام الجموع المحتشدة أمام القصر الملكي بالرباط نهاية فترة الوصاية والحماية، أصيب العديد ممن كانوا حاضرين بعين المكان بالإغماء فيما " كان يسمع دوي التصفيقات وصيحات الفرح وزغاريد النساء في سائر أنحاء المدينة".
آمال عريضة:
فيما يخص البرنامج السياسي، أشار محمد الخامس أنه ينوي إنشاء حكومة مستقلة تهدف إلى " إقامة المؤسسات الديموقراطية النابعة عن انتخابات حرة قائمة على مبدإ فصل السلط تحميها ملكية دستورية". وتلى ذلك تصريحات عديدة في الفترة نفسها وبخاصة في الأشهر الأولى عقب الاستقلال. (...) وهكذا مكنت الوعود الكبيرة التي صاحبت حدث الاستقلال، من تحديد مستوى عال من المعايير المتعلقة بثقة الشعب في مضامين الخطاب الملكي والتنمية المنتظرة. وبُعَيْدَ ذلك، اعتقد الناس أن قضايا الفقر المدقع والأمية والصحة العمومية وكذا المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ستتم معالجتها. (...) وبالتالي لم يكن هناك أدنى شك وأدنى اختلاف في نمط الحكومة التي سيتم إنشاؤها بالمغرب، نعني بذلك ملكية دستورية أشبه ما تكون بالنظام البريطاني حيث الملك يسود دون أن يحكم. وهذا كان أدنى ما يمكن توقعه. والملكية نفسها لم يَـبْدُ أنها كانت تعارض هذا الرأي أو لربما كانت تحتاط من إبداء تعليق بخصوص ذلك في تلك الفترة. إلا أنها لم تتردد في رفض فكرة أولئك الذين كانوا ينوون القضاء نهائيا على الملكية. ومرت خمس سنوات والمغرب بدون دستور ولا برلمان منتخب ولا آليات متفق عليها من شأنها مراقبة سلطة الحكومة في حين استشرى الفساد والظلم والمحسوبية وأمراض أخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولم يكن بعدُ في المتناول وضع البلاد فوق سكة التطور. وهكذا، فقد تزعزعت ثقة الشعب إلا أنها لم تَنهَر. (...)
وعندما تربع الملك الجديد الحسن الثاني العرش، كان واعيا تماما بتطلعات الشعب وبتبعات فقدان ثقته في فترة وصفت بالحرجة. لهذا السبب لم يتردد في الإدلاء بتصريحات تناسب الفترة وترفع من معنويات الشعب. وهكذا وعد بالاستمرار على سياسة أبيه بهدف إتمام بناء مغرب حديث وقوي. ثم إنه أكد في عدة خطابات التزامه تجاه تطلعات شعبه. (...)
والآن وقد مرت خمسة عقود على الاستقلال، لابد من عرض حصيلة. وهو أمر مطلوب- كما يقال- بعد مرور فترة كهذه.
وقائع مُرّة:
ماذا حققنا بعد خمسين سنة من عمر هذا البلد ؟ (...) من اللازم الاعتماد على المعطيات الإحصائية والملاحظات التالية التي للتذكير نابع جلها عن مصادر رسمية أو أعدتها مؤسسات ليست مناوئة للنظام المغربي:
زهاء 20 % من ساكنة تقدر ب29 مليون تعيش تحت عتبة الفقر. والدخل الفردي لما يقارب 67% من الساكنة المغربية أقل من المتوسط. والبطالة تفوق 20% (حسب إحصائيات 1999) وتقدر ب 30% في صفوف حملة الشواهد الجامعية الجدد. والأمية تطال زهاء نصف الساكنة البالغة ( ,348 %) من بينهم 83% من النساء القرويات. والديون الخارجية التي لم تسدد بعد ( ,619 مليارا من الدولارات في 1998) تمثل زهاء 56% من الناتج الوطني الخام مما يتطلب حوالي 25% من عائدات الصادرات لسدها. أما النمو الاقتصادي، فلم يتجاوز في المتوسط ,52% خلال السنوات العشر الأخيرة، في حين ترتفع نسبة اليد العاملة بالمدن إلى أزيد من 5% كل سنة. ويوميا، تموت خمس نساء لأسباب مرتبطة بالحمل. كما يوجد تفاوت صارخ بين المناطق الحضرية والقروية المغربية بخصوص توفير الماء الشروب والنظام الصحي والسكن والتربية وبخصوص فرص التنمية الاقتصادية والمرافق الاجتماعية.
من جهة أخرى، فإن البحث عن آفاق اقتصادية أفضل تدفع بساكنة البوادي إلى الالتجاء إلى مدن الصفيح. (...) ثم إن جودة التعليم دون المتوسط والتكوين المهني لا ينصب على الأولويات التي تقتضيها ظروف التشغيل. وكل سنة، يعرض الآلاف حياتهم للخطر محاولين الهجرة عبر مضيق جبل طارق إلى أوربا حيث الراتب المتوسط يفوق نظيره بالمغرب 20 مرة. والنظام سمح بزرع ما يقارب 134.000 هكتار من نبتتي الحشيش والكيف مما جعل المغرب أكبر مُصدِّر لهما. ومالية الدولة تبدو منهكة. كما أن تدهور الموارد الطبيعية والتلوث الصناعي بالمدن والتلوث الزراعي أمور تهدد القاعدة الإنتاجية للاقتصاد والمنظومات البيئية وصحة المواطنين والإنتاجية. أضف إلى ذلك أن السجون المغربية وعددها 44 - تعرف اكتظاظا وظروفا صحية متدهورة تعود بنا إلى غابر الأزمان. كما يعرف المغرب تزايدا مطردا في مظاهر الفساد والعنف والأمراض وأنواع التحرشات الجنسية التي تطال الأطفال. والعراقيل الإدارية والفساد المستشري ما زالت تقف حائلا دون الاستثمارات والعمليات التجارية. وهكذا، فحظوظ المغرب في ركوب عجلة التنمية المستديمة تبدو أكثر فأكثر بعيدة المنال. وإن عدم قدرة الحكومة على إنشاء وتفعيل استراتيجية اقتصادية واضحة قد حرمت المغرب من سد عجزه الاقتصادي والاجتماعي، ذلك لأن الدستور الحالي يضع معظم السلط السياسية الحقيقية بيد الملك. ونقرأ في إحدى مقالات جريدة "لوموند"، أن الملك لم يفعل شيئا يذكر في سبيل تغيير نظام استبدادي يتخذ فيه السماسرة غير المنتخبين كل القرارات.
وقد صرح الأمير مولاي هشام أن على الملكية الإسراع في تحديث مؤسساتها إن أراد المغاربة القضاء على نظام حكومي مستبد.
أهي نظرة سوداوية؟
هل الوضعية بهذه القتامة أم أنها مسألة أفق؟ هل المغرب يعاني من أزمة خطيرة أم أنه يواجه المشاكل المألوفة التي تعاني منها معظم البلدان؟
إن الوضعية حسب عدد من الملاحظين المغاربة والأجانب قد تكون أكثر قتامة مما توحي به الإحصائيات الاجتماعية. غير أن ما يقلق حقا هو التدهور الذي ما فتئ يزداد خصوصا من جراء الظواهر التي استفحلت مؤخرا، من بينها استمرارُ نظام المحسوبية داخل ما يعرف عند الجميع بـ"العهد الجديد"، كما نجد من بينها هيمنةَ القصر الملكي على عالم الأعمال الذي " يخشى مزاحمة ملكية تحظى بسلطات تكاد تكون مطلقة"، ثم تزويرَ الانتخابات لضمان نتائج أريدت مسبقا مما يؤدي إلى تفاقم وضعية ساحة سياسية مجزأة سلفا. ومثل هذه التطورات إنما تؤكد حجج من يعتقدون أن الوضعية العامة كارثية وأن المغرب يسير حتما إلى الانهيار. إلا أن أشخاصا آخرين لا يتفقون مع تحليل من هذا القبيل، ومن بينهم بطبيعة الحال الرؤوس القديمة التي ما زالت تسود المؤسسة السياسية. فهذه الفئة تزعم أن هذه الصورة البائسة رسمها أعداء المغرب وأنها بعيدة عن الحقيقة. وهي تصر على أن المغرب حقق تطورا مهما على جميع الأصعدة وما علينا إلا مقارنة وضعية البلاد إبان الاستقلال بالوضعية الحالية حتى يتبين لنا كيف أن الأشياء تطورت وعلى أنه من المهم أيضا الإشارة إلى المظاهر التي ميزت بقوة " العهد الجديد" مثل الإصلاح الأخير لمدونة الأحوال الشخصية في 2003 وتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة بهدف رفع التجاوزات في مجال حقوق الإنسان سابقا ومساعدة الضحايا. وقد تضيف السلطات المغربية في هذا الخصوص أن وسائل الإعلام تحظى بحرية أكبر مقارنة مع جميع الدول العربية.(...)
تخوفات مشروعة:
(...) وعليه، فمن الصعب تجاهل الأزمة الحالية التي يشعر الكل بآثارها وفي شتى الأنحاء ما عدا أولئك الذين لهم حقوق مكتسبة. وثمة عدد كبير من الملاحظين المحايدين الذين لا يمكن وصفهم بالتحيز تجاه قضايا المغرب أو بالتحدث في صالح أنفسهم، قد أكدوا على خطورة الوضع الحالي وحللوا مختلف هذه المظاهر المقلقة. والنظام نفسه قد أقر في لحظات نادرة اتسم فيها بالنزاهة، بأن الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي أصابت المغرب هي من الخطورة بحيث إن الملك الراحل الحسن الثاني كان قد أعلن بأن المغرب مقبل على سكتة قلبية. وكما هو الشأن دائما، هل يعقل أن تُتَجاهلَ الوقائع المأساوية ويُستَمرَّ في عرض صورة مثالية لوضعية تبدو ميئوسا منها ؟ للأسف، ما زال البعض يعتقدون أن الوضعية جيدة وهم مستعدون للتمسك برأيهم في عناد، هدفهم في ذلك المحافظة على امتيازاتهم ومنع الإصلاحات اللازمة. وفي حال وجود هذه الأخيرة، سيكون من الضروري التفكير في السبل الكفيلة بالخروج من الشلل الحالي. ولا يمكن، في نظر العديد من المحللين، حل مشاكل المغرب في ظل الظروف الحالية كما أن هذه المشاكل لا يمكن أن تنتظر مدة أطول. إن إحداث فرجة يبدو ضرورة ملحة وقصوى. كيف ومتى سيتم ذلك ؟ هل سيكون علينا انتظار عشرية أخرى حتى نحصل على إشارة معبرة، وإلا جوابا حاسما؟





