انحناءة تختصر الكثير

إن معاناة المرأة المغربية ضمن منظومة الفساد معاناة متكررة، ونزيف جراحات لا يتوقف، فحينما تتحدث الأرقام والإحصاءات عن الفقر فهي دون شك تكشف الحجب عن مظالم تنوء بحملها الطبقات الهشة والفئات المهمشة، وتتكلم بلغة المؤشرات عن الأبعاد المتعددة لشبح المعاناة المخيف من داخل المنظومة التي أنتجت ضنك العيش وضيقه، في مفارقة بين الفقر المدقع الذي يكتوي بلهيبه عدد كبير من المغاربة وخاصة النساء، والغنى الفاحش الذي يكشف عن تضخم الأرصدة التي يمتلكها أباطرة المال والأعمال من محتكري الثروات، وفي غياب تام للعدالة الاجتماعية التي تقتضي تقسيما عادلا للثروة بما يحفظ كرامة الإنسان ويوفر للجميع أمان السرب وعافية الجسد وقوت اليوم.
من رحم هذه الصورة القاتمة تلوح مأساة العاملة الزراعية كجزء من أحجية الهشاشة والتهميش، حيث تجدها لا تتحمل هموم الكسب وحسب، بل ما يدفعها إليه هم الكسب من اضطرار إلى الدخول في سراديب مظلمة فيها من الأخطار ما تعدد وتلون، فالعاملة الزراعية تجسيد حي لكل ما يقع على المرأة من شتى أنواع العنف، حيث إنها ضحية للعنف الاقتصادي الذي أبدع في صناعة الفقر وحرمها من حقها في خيرات البلد المرتهنة بيد المتنفذين من جهة، ومن جهة ثانية هي عرضة للاستغلال من خلال تواطئ سلسلة طويلة من حلقات الفساد التي تجعل المواطن تحت أقدام أصحاب المال، تشتغل ساعات عمل لا تتناسب مع الأجور الزهيدة في كبريات الضيعات، أما من تشتغل في الحقول الصغيرة فهي وصاحب الحقل سواء، لا يخير أحدهما عن الآخر، وقد تشتبك دروب معاناتهما، فهو الآخر متروك لمصير الناحت في الصخر في خضم رحلته للبحث عن العيش الكريم، وتلك قصة أخرى... أما من تكد في رقعة حقلها الصغير لتحقق الاكتفاء الغذائي لأسرة ليس لها بعد الله إلا ما يجود به خبأ السماء ونبات الأرض، فإن توقف القطر، عانت في صمت العاجز.
وهي ضحية أيضا للعنف الاجتماعي الذي أجبرها على ولوج عالم التنقيب عن القوت لإعالة نفسها أو أسرتها حين تنكر الزوج وأخل بمسؤولياته أو حين عجز مدخوله عن سد الحاجيات الأساسية للعيش، وحين تنصل المعيل ودفعها قسرا لاقتحام عمل تتعرض فيه للعنف اللفظي والنفسي والتحرش الجنسي الذي يصل حد الاغتصاب في حالات كثيرة، وإلى الظلم الصارخ الذي يعبر عنه الفرق في الأجور بينها وبين زميلها الرجل مع أنها تشتغل نفس ساعات العمل، وكلها مظاهر للتمييز مبنية على أساس فروقات الجنس، في أبشع صور العنف الذي يمارسه المجتمع.
كما لا تخفى على المتابع جناية التوجهات السياسية التي أفرزت مخرج الفقر ذاته فكانت هي من ضحاياه، كصورة مبسطة للعنف السياسي الذي يرمي بظلاله على مجتمع بأكمله لكنه يكون أكثر ظلما وظلاما على الأضعف. عاملات المزارع صورة حية للبؤس، فكأني بهن يغادرن السكن في ساعات الصباح الأولى، حتى لا يتأخرن عن صف (الموقف) الذي لا يرحم من انتظرت طلائع الضوء لتأمن على نفسها من غدر الطريق وخطر معدومي الضمير، وبعد اقتحام أولى العقبات لتصل مكان الانتظار تحمد الله من وقع عليها الاختيار للعمل في إحدى الضيعات، وتكتئب الأخرى التي تعود مهمومة من حيث أتت فقد أخطأتها عين من يختار، ثم تواجه من اعتبرت نفسها محظوظة عقبتها الثالثة متمثلة في وسيلة نقل غير آمنة وتفوض الله في أمرها، تقل كما تقل الأنعام، مزدحمة جنبا إلى جنب مع الرجال، وبينهم ناقص العقل وناقص الدين ومعدوم الضمير، ممن صنعته قنوات التفاهة وإعلام الرذيلة المقسوم عدلا بين المستضعفين، حتى إذا وصلت إلى الحقل أو الضيعة، لم يكن عليها فقط التجلد للعمل الشاق صيفا وشتاء، بل الاستعداد لما يرافقه من إهانات، وتحرش أحيانا من صاحب العمل، وأحيانا من زميل البؤس والشقاء. هي عقبات متكررة تواجهها كل يوم وطيلة عمر السعي وراء كسرة الخبز المضمخة بالعرق والدم، في غياب تام لحماية قانونية، أو تغطية صحية، أو ظروف اشتغال مريحة...
الحديث عن عاملات المزارع حديث ذو شجون، يستوجب وقفة من كل الضمائر الحية للدعوة إلى التفاتة تعيد الأمل إلى فئة، على ضعفها واستضعافها، تعاني الكثير وتتحمل فوق ما يتحمله إنسان.





