الإمام وتكريمه السّامي للمرأة.. حبيبة حمداوي تتحدث

أجرى موقع مومنات.نت حوارا مع الأستاذة حبيبة حمداوي؛ أمينة العمل النسائي بجماعة العدل والإحسان، بمناسبة الذكرى السابعة لرحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين، استطلعها فيه عن أخلاق الإمام التي عايشتها عن قرب سواء خلال لقاءاتها التنظيمية به أو زياراتها لبيته رحمه الله وما شاهدته من معاملة لزوجه الكريمة رحمها الله ولِبَناته. فيما يلي نص الحوار الشائق الماتع:
أستاذة حبيبة، مرحبا بك في موقع مومنات.نت، في سؤال أول نود أن نعرف حدود علاقتك بالإمام؛ متى بدأت؟ وفي أي إطار كانت لقاءاتك به رحمه الله؟
بداية أشكر موقع مومنات.نت على إتاحة هذه الفرصة للحديث عن صاحب الوفاء الإمام المجدد رحمه الله في ذكرى الوفاء. وبالمناسبة نجدد عليه الترحم، وندعو الله عز وجل أن يرفع مقامه عاليا عنده.
أتيحت لي، بفضل من الله تعالى ومنته، فرص كثيرة لزيارة الإمام رحمه الله، يمكن أن أجملها في محطات ثلاث:
الأولى: كانت زيارات عائلية، في سنة 1992 لما اعتقل زوجي وحكم عليه بثلاث سنوات سجن نافذة، كانت ترتب لي الأستاذة ندية جزاها الله خيرا وأحسن إليها الزيارات، وكنت أعتقد أنه رمزا وزعيما سياسيا، له مواقف ضد نظام مستبد، ولم أكن مستوعبة بعد للخط التربوي للجماعة، ولا لمشروعها التغييري إجمالا.
خلال تلك الزيارات كان يتعامل معي وابني بأبوة رحيمة، وحنو ورقة. لم يتركني أسيرة مظلومية طالتني من نظام متجبر متسلط على البلاد والعباد، بل نقلني إلى التشمير عن الساعد والانخراط مع الساعين إلى تغيير الوضع الذي نعيشه. واستوعبت من خلال توجيهاته أن التغيير ثمنه باهظ، ولكن الجزاء من الله تعالى أثمن بكثير.
المحطة الثانية؛ هي المرحلة التي تقلدت فيها مهام عدة خولت لي زيارة الإمام رحمه الله، مع ثلة من المومنات، حيث كان يخصص لنا مجالس علم وحلم وتوجيه، وأبرزها مع مؤسسة الزائرات التي كانت مشرفة على عمل المومنات آنذاك.
المحطة الثالثة؛ المتعلقة بمجالس التنوير سنة 2001، التي كانت تجمع صفوة من عضوات الجماعة بالإمام المرشد لمدارسة بعض القضايا التي تناولها كتابه "تنوير المومنات"، تلك المجالس التي كانت تعد منبرا حرا تطرح فيه المرأة قضاياها وإشكالياتها مع فكر يتسم بالتسطيح والتجزيء في قراءته للسنة النبوية الشريفة والنص القرآني.
مجالس تتلقى فيها علم الخطوة، بعين ناقدة للعقلية الذكورية التي تشيء المرأة وتعتبرها إنسانا من الدرجة الثانية، وترقى بها إلى امرأة تحرر نفسها من قيد الدونية التي تكرست في وعيها لقرون خلت، إلى حاملة مشعل التغيير في إطار الولاية العامة مع أخيها الرجل.
مجالس نقلتها من قضية نزاع حقوقي بين الرجل والمرأة، إلى هم المصير الأخروي بين الطرفين.
فكيف وجدت أخلاقه رحمه الله تعالى معكن عضوات العدل والإحسان؟
الكلمات سيدتي الفاضلة لا تسعفني في عدّ خصاله الحميدة، وأخلاقه الكريمة، وشمائله العظيمة؛ كان رحمه الله شديد التأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام، "هينا لينا قريبا من الناس"، ما رأيناه يتحدث عن خلق رفيع دون أن يكون له حظ عظيم منه.
شديد التقدير للأخوات، والتعظيم لهن، والتذكير بدورهن المحوري في كل تغيير منشود، مستلهما من تاريخ أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات نماذج للاقتداء، طامحا أن يحيي فيهن المعاني التي رفعت المرأة إلى حيث رفعتها النبوة.
وأستحضر بالمناسبة، وصفا عميقا من شهادة الدكتور أبو العماد تميم الحلواني "... إن شيخنا الغالي الأعز منذ عرفناه أول لحظة شمس هداية طلعت من المغرب ثم استقرت وسط سماء الأمة الإسلامية كلها، تبعث الضياء وتمنح الرشاد لكل من أحبه الله سبحانه وأراد به خيرا..
شيخنا الغالي كان نهار قلوبنا شمسا تجري لمستقر لها حسبما قدره العزيز العليم، كما كان في ليلها بدرا كاملا منزلته لا تتنزل إلى منازل. "
هو إمام مُربٍّ، وقائد محنك، ومفكر مقتدر، وسياسي مناضل، هو مدرسة متجددة عبر الأجيال.
هل لك أن تذكري بعض المواقف التي علقت بذهنك في هذا الصدد؟
في كل زيارة موقف، وفي كل مجلس مواقف، كلما تذكرت مجلسا إلا واستحضرت معه ذررا لا يلغيها بعد الزمان ولا تغير المكان.
ومن المواقف التي ترسخت في ذهني وتركت أثرا عميقا في النفس هو مستوى التعظيم الذي يوليه للناس وعظم التخلق معهم. كان اليوم مطرا جدا، يوم جمعة في شهر دجنبر من سنة 1995 بعد رفع الحصار الظالم عنه والذي لم يدم سوى فترة صلاة الجمعة.
كان الموقف جلل، وقوفه على باب الله تعالى ولجوؤه إليه؛ موقف اعتذاره لرواد المسجد، واعتذاره للإمام خطيب الجمعة، في كلمة تاريخية ندد فيها بالظلم الذي يطول دعوة الله في البلد قائلا: "... الناس عندما يكونون في ضيق والعدو يحاصرهم لابد لهم من ملجأ، ونحن لجأنا إلى بيت الله وحللنا ضيوفا على عمار بيت الله". فما أعظمه من موقف وما أكرمه من خلق.
بناء على زياراتك المتكررة لبيت الإمام، هل تستطيعين إعطاء بعض ملامح علاقته مع زوجه خديجة رحمها الله تعالى وبناته؟
تعرفت على أم الوفاء السيدة خديجة المالكي رحمها الله بداية التسعينات، القدوة التي عبدت طريق التغيير بثبات على الحق ونصرة للمستضعف وخدمة للدعوة بذلا وعطاء وصبرا ومصابرة، فقد كانت السند والمدد للإمام رحمه الله.
عظمت بتواضعها وهدوئها. كان الإمام رحمه الله يقدرها ويجلها ويعظم خدمتها للدعوة، ويستشيرها، ففي بعض المجالس التي كنا نحضر معه ببيته كان يفرد لها مكانا خاصا ويشركها فيما له علاقة بنا كنساء الدعوة، ويضرب بها المثل الأعلى كامرأة جعلت من أسرتها منطلقا لدعوة العدل والإحسان، وتألقت فيها بإحسان.
والحبيبة الأريبة، الأستاذة ندية، تعرفت عليها كفنانة مقتدرة، وهبها الله تعالى مواهب عدة، منها الرسم على الحرير، عرفتها امرأة مولعة بالبحث والتكوين العصامي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وملهمة بالبحث في قضايا المرأة.
لها واسع الفضل والكرم على عمل المرأة داخل الجماعة، حضرت معها مجالس عدة مع الإمام رحمه الله تبسط بين يديه قراءة منهاجية لمجموعة من المفاهيم والقضايا التي تهم المرأة بشكل عام، رافضة التحجر الفكري والفقهي، نابذة للعقلية الذكورية التي حالت دون تمتع المرأة المسلمة بحقوقها المكفولة لها بالكتاب والسنة.
كان رحمه الله شديد المحبة لها، وكان يلقبها بفصيحة اللسان والجنان.
ولا تقل الحبيبتان آسية ومريم عما سلف ذكره، غير أنه لم تتح لنا نفس الفرص لمعايشة الرابطة عن قرب.
كيف كان رحمه الله تعالى ينظر للمرأة عموما؟
لا شك أنه آمن بمشروعه التجديدي الذي أراد منه إيقاظ نوازع الفطرة السليمة في الإنسان، وربطه بهم المصير الأخروي، في عمل دؤوب وطويل النفس، يسعى من خلاله إلى تحرير الإرادات لطلب ما عند الله عز وجل، وجعل من الواقع محك هذا المشروع. واهتم بالمرأة وقضيتها التي وضعها في إطار شمولي يربطها بالتردي العام لأحوال الأمة، وأفرد لها مؤلفا في غاية الأهمية؛ كتاب "تنوير المومنات" الذي أراد به إخراج المرأة من قعيدة البيت، الأمية، غير المسؤولة، إلى صانعة المستقبل، وجعل سعادته ".. أن يوقظ الواسن ويحرك الساكن لتمسك المؤمنة القارئة والمؤمن الباحث بتلابيب نفسه وهواه".
والحمد لله رب العالمين.







