ذكرى الإمام

بَديعُ زمانِه في الأقوامِ والنِّحَلِ *** يَتيمُ شمائِلهِ في القَولِ والعمَلِ
تَيَتّمَ كُلُّ جميلٍ بَعدَ مَوْتَتِهِ *** وَإِنْ بَقِيَتْ نَفَحاتٌ مِنْهُ لَمْ تَزَلِ
وأفئدةٌ غَرَفَتْ من فَيْضِ حِكْمَتِهِ *** ومَنْ سَبَقَتْ لَه ُمِن حُسنى مِنَ الأَزَلِ
كَأَنّه فُرصةُ دَهرٍ لا تَعُودُ لهُ *** وسانِحُ مَكْرُمَةٍ فاتتْ لِذي عَذَلِ
وعارِضُ مَرْحَمةٍ لاحَت لِأُمّتِهِ *** وقد حُرِمَتْ حُقُباً مِن مُزْنَةِ الأَمَلِ
يَفِرُّ منَ المَدْحِ فَرّاً وهْوَ يَلْحَقُهُ *** كمَنْ يَلِجُ البَحْرَ هَل يَنجو مِنَ البَلَل؟
فَمَعْذِرَةً سَلَفاً إِنْ كُنتُ باخِسَهُ *** أو اخْتَصَرْتُ كتابَ الفضْلِ في جُمَلِ
إِذا حَمَلَ القلمَ فالحقُّ ما كَتَب *** لِنَشْرِ هُدىً أَو تصحيحا لِذي خَلَلِ
وَذي كَلِماتُه تُحْيي القلبَ إِن غَفَل *** وتُنْقِذُ عَقلَ شَريدٍ غاصَ في الوَحَلِ
فإنْ قُرِئَتْ فغِذاءُ الروحِ تَطْعَمُهُ *** وإن سُمِعَتْ فَشَرابٌ أحْلى مِنْ عَسَل
يسوقُ نفائسَ أولي الهَدْيِ والحِكَم *** فيَبْرَأُ سامِعُه مما فيه من عِلَل
يَلينُ بِمُعترضٍ حتّى يُوافِقَه *** كمُحتضِنٍ ولدا يغْذوهُ بالحِيَل
دُعاؤه فاتحةٌ بَشِّرْ مُؤَمِّنَه *** بفَتحِ مَغالِقِهِ وإنْ سُدّتْ بالقُفُل
يُجيب على طَلَبات السّائلينَ له *** ويُقْبِلُ مُبتَسِماً والقلبُ في وَجَل
يَحُضُّ على عَملٍ حتى يُقَرِّرَه *** يَرومُ بِتَذْكِرَةٍ إيقاظَ ذي كَسَل
يُهيبُ بحِفْظِ كتابِ اللهِ ما فَتِئَ *** يُعيدُه تَذْكِرَةً أُخرى بلا مَلَل
تَراه يُعارِضُه المرّاتِ يَخْتِمُه *** وخَتْمةُ لَيْلِه ميعادٌ لِمُهْتَبِلِ
وقد حَفِظَ الأحْرُفَ وادَّبَّرَالكَلِمَ *** وقامَ بِأَمْرِه إِقْداماً بِلا رَهَلِ
يَهُزُّ يداً مع أَيْدٍ كُلُّها أَمَلٌ *** بِهِمَّةِ مَن وصلوا يَعْدو ذَوُو شَلَل
لقد صَحِبَ كابِراً من خِيرَةِ النُّجُب *** وقد كان نجيباً حَصيفَ الرّأْيِ مِن قُبُلِ
وسارَ على أَثَرِ الأَخْيارِ يَنْقُحُه *** يُجَدِّدُ ما انْدَرَس لَم يَبْغِ مِن حِوَلِ
وكان طَليعةَ جَيْلٍ بنى مَغرِبَنا *** وأَسَّ مناهجَ تعليمٍ على المُثُل
يَطيرُ إلى الخُبَراءِ يبتغي حِكَماً *** فيوصِلُ للوَطَن منها ما لم يَصِلِ
يَبُزُّ أَكابِرَ القَومِ في مَكانَتِهِم *** ولا يَجِدونَه إِلّا قِمّةَ الجَبَل
أَناقَةُ مَلبَسِه ولُطفُ صَرامَتِه *** وصادقُ لَهْجَتِه مِيزاتُ مُكْتَمِل
دعا مَلِكاً حَذِراً في عِزِّ سَطْوَتِه *** وقد رَضَخَتْ له أجْنادٌ منَ الوَهَل
دعا لِهُدىً أَمَلاً في نَيْلِ تَوْبَتِه *** فكانَ جزاؤُه تَوّاً تُهْمَةَ الهَبَل
فنال بِذاكَ عُلىً زَكّى مَسيرَتَه *** وحاز بِذا شَبَهاً من أكرمِ الرُّسُل
فواجَهَ جائِرَ حُكْمٍ لا أساسَ له *** وزار عَرينَ أُسودٍ زَوْرَةَ البَطَل
وعادَ بُعَيْدَ بَلاءٍ يُمْضي دَعْوَتَه *** على مَرَضٍ ومُضِيُّ العُمْرِ لم يَحُلِ
يَحُضُّ على طَلَبِ وجهِ الإِلاهِ مع *** لُزومِ مَجالِسِ ذكرٍ غيرَ مُعتزَلِ
وطِلْبَةِ عَدْلٍ حَوَتْ أَوْصالَها الكُتُبُ *** وقد غَمَرَتْها بالحَياةِ قَوْمَةُ الرَّجُل
أَتَيْتُهُ يَوماُ وقد ضاقَتْ بِيَ السُّبُلُ *** على خَطَواتِ طَريدٍ جاء في عَجَل
تَرَكْتُ بِمَدْرسَةٍ ما كُنتُ آمُلُهُ *** شَهادةَ هَندسَةٍ تاجاً عَلى كَلَل
فَرُحْتُ أُسِرُّهُ هل مِن وًصْفَةٍ يَجِدُ *** لِمُحْتَضِرٍ قابَ قَوْسَيْنِ مِنَ الأَجَل
فَرَبَّتَ بِاليَدِ إشْفاقاً على شَعَري *** فأَطْفَأَ بَرْدُها نِيراناً بِمُشْتَعِل
وَرَدّدَ سِرّاً دُعاءً قد نَشِطْتُ له *** كأَنّه فكَّ أسيراً شُدَّ بِالعُقُل
فَعُدْتُ مُعافىً كَأنّي ما شَكَوْتُ أَذىً *** وما مَلَأَتْ بَدَني أَنّاتُ مُحْتَمِل
رَجَعْتُ أُوَفّي نَهاري العِلْمَ مُمْتَثِلاً *** لِنُصْحِهِ واللّيْلُ عِندي مَعْقِدُ الأَمَل
وَخُضْتُ سبيلَ إِلاهي ما تَيَسَّرَ لي *** وهَل لكَ غيرِ سبيلِ اللهِ مِن سُبُل
فَأَدِّ إلاهي عنّا شُكْرَ مُرْشِدِنا *** فلو جَمَعَتْ كَلِماتي الشُّكْرَ لم تَصِلِ
وأَعْلِ مَكانَتَه في الصَّفْوَةِ النُّجُبِ *** وزُفَّ جَماعَتَه في أَفْضَلِ النُّزُلِ





