ذكرى بدر الكبرى.. تلك الملحمة الخالدة

تهل علينا ذكرى بدر في السابع عشر من رمضان الأبرك، شهر الفضل والبركات والنوال الإلهي الذي ينبغي أن نحسن التعرض لنفحاته وأنواره، فتذكرنا بمحطة بارزة ومنعرج محوري في تاريخ الدعوة والدولة.
ما أن هاجر نبي الله تعالى صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه إلى المدينة المنورة، مستقر الدولة الفتية ومنطلق دعوتها المبشرة برسالة الإسلام، رسالة العدل والرحمة والانعتاق من ربقة العبودية لغير الله تعالى والخضوع لغير جلاله، حتى أذِن الله تعالى بالجهاد في السنة الثانية للهجرة معللا، سبحانه، حكم مشروعيته في التنزيل الحكيم من سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دِفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41).
إذن بعد منع وقد بلغ أذى المشركين مداه، بل وتجاوز حدود التشويش والعرقلة المستفزة إلى الحصار والتضييق والإخراج من الوطن، والمنع من الحق في اختيار الدين وممارسة الشعائر. روى النسائي، والترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: "أخرَجوا نبيهم ليهلكن"، فأنزل الله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" فقال أبو بكر: "لقد علمت أنه سيكون قتال"".
خروج نبوي شريف للقتال استحضر فيه المشورة والأخذ بالرأي وإن كان نبيا معضدا بالوحي والرسالة، وكانت الغلبة فيه لقيم الصدق والحق رغم شنآن وكثرة عدد وعدة الفئة الغاشمة الظالمة.
تعلمنا منه دروسا حري بنا كأفراد ومؤسسات أن نضعها نصب أعيننا في سيرنا اليومي في دنيا الخلائق، منها:
- أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وإن تجبر الباطل وطغى، وإن تقوى وقسا، فإن له نهاية مخزية سيؤول إليها.
- أن الله ينصر الفئة الصادقة على الفئة الباغية، وأن العاقبة للمتقين.
- أن الدعاء يفتح باب النصر والمدد والعطاء، وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويتبتل لربه خشية هلاك طائفة المؤمنين فتنقطع عبادة الله تعالى في الأرض، حتى رق لحاله الصديق رضي الله عنه فقال له مبشرا: (يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك)، بعدها جاءت الاستجابة من رب السماء المتفضل وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع" [1].
- أن مع الصبر النصر، وهذا ما حفز عليه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين كما وصف القرآن الكريم في سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ 65.
- أن الباطل لا بد أن يواجه حتى لا يضيق على الحق فيعتاد الناس عليه فيغمرهم الذل والانبطاح، ومنع تطاول الباطل شريعة من الشرائع ودين من الدين، والتدافع بين الحق والباطل سنة الله القائمة.
- أن إعداد القوة أساس المهابة، والقوة المطلوبة ليست قوة العنف والانتهاك الصارخ للحقوق، بل قوة العلم والتفوق والإبداع والإنجاز وإحقاق الحق.
ما أحوج أمتنا إلى تمثل هذه القيم والدروس والعظات حتى لا نتحول إلى لقمة سائغة في فم الأعداء، يخططون على أهوائهم للقضاء علينا كما يخططون لمن يتولوننا من أجل أن يقضوا على مقومات وجودنا، ويستنزفون طاقاتنا ويحولون الإخوة إلى أعداء يحاصر بعضهم بعضا، ويتربص بعضهم ببعض الدوائر بخلفية اتهامات رخيصة برعاية الإرهاب أو ما شابهها من ترسانة التهم التي يواجه بها كل صوت حر في زمن الصموت.
هؤلاء خاطبهم الله تعالى في مجده وقوته وعلاه، بما خاطب به قوم عاد، التي لم يمنع تفوقها في كل الميادين - العلمية والعسكرية والعمرانية...- عنها عذاب الله القوي كما في سورة الفجر: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14).
[1] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا.








