رمضان مصحة ربانية
من كرم المولى عز وجل أن خص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بشهر عظيم يتضاعف فيه الأجر والحسنات، ويسهل فيه تزكية النفس وتطهير الأرواح؛ بل جعله سبحانه وتعالى أيضا مصحة إلهية تتعافى خلاله الأجساد من الأسقام وتتطهر. ﺇلا أن المسلمين اليوم أصبحوا يعانون من أمراض كثيرة على الرغم من دخولهم هذه المصحة كل سنة فأين الخلل؟
جاءكم المطهر
أسمى المصطفى صلى الله عليه وسلم رمضان بالمطهر لأنه وكما يطهر الإنسان من الذنوب والمعاصي، والقلوب من الأدران الناتجة عن الأخلاق السيئة؛ فإنه يطهر الأجساد من مخلفات التغذية التي تناولها الإنسان طيلة السنة. فالصوم راحة فسيولوجية للجهاز الهضمي وملحقاته، ومن ثم فهو يساعد على التئام قرحة المعدة، ويعالج جميع الأمراض الناتجة عن السمنة كمرض تصلب الشرايين، وضغط الدم، وبعض أمراض القلب...وذلك لأنه وكما يرى الأطباء يقوي جهاز المناعة حيث يتحسن المؤشر الوظيفي للخلايا الليمفاوية عشرة أضعاف. وبذلك يتخلص الجسم من أخطار السموم المتراكمة في خلاياه وبين أنسجته من جراء تناول الأطعمة. فرمضان إذن مصحة إلهية نلجها كل سنة ونحن نئن من العلل، ونخرج منها وقد أعاد لنا المولى قوتنا وحيويتنا، كما أنه مدرسة ربانية تفتح أبوابها كل سنة فنتعلم فيها مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، ونحصل منها على شحنة إيمانية عالية تضخ دماء جديدة في روحانيتنا، مما يجعلنا نتغلب على جميع الأمراض النفسية. فقد أثبت الأطباء أن الصوم يحمي الإنسان من الاكتئاب والوسواس القهري. ومما لاشك فيه أن كل من سيدخل هذه المصحة كل سنة ويتبع تعاليم رب العالمين في التغذية، فإن صحته ستكون جيدة لا محالة؛ لكن المتأمل في أحوال المسلمين سيلاحظ انتشار الأمراض المختلفة فلم ذلك؟.
صوموا تصحوا
ما نطق عن الهوى إن هو ﺇلا وحي أوحاه العليم الخبير لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فالصوم يعدل الصحة والعافية، لكن الفهم السيئ له ولرمضان، وانعدام ثقافة غذائية لدى المسلمين هو سر معاناتهم من الأمراض وخاصة بعد رمضان مباشرة. فكل من يعتقد أن ميزانية شهر رمضان تعدل ميزانية سنة كاملة، وأن التهيؤ لرمضان إنما يكون بتهييء مختلف أنواع الأطعمة الدسمة، والمحتوية على نسبة عالية من الذهنيات والسكريات؛ فإنه سيمرض بعد رمضان لا محالة، لأنه لا يعقل أن يظل الإنسان صائما، والجسم ممتنع عن الطعام طيلة اليوم، وبمجرد أن تؤذن المغرب، يقبل على الأطعمة الثقيلة والدسمة، ويدسها في جسمه دسا، ثم يتمدد متخما أمام التلفاز، ويظل على هذا الحال شهرا كاملا ثم ينتظر من الصيام أن يحقق نتائجه الفعالة. لا وألف لا ما هكذا ترعى الإبل يا سعد، فلابد من تصحيح أخطائنا وتقويم عاداتنا.
إن المائدة المغربية في رمضان وخاصة أثناء وجبة الإفطار، رغم تنوع وجباتها فإنها تفتقر وللأسف الشديد للمواد الأساسية التي يحتاجها الجسم، كالفواكه والخضراوات مثلا. يقول الدكتور جميل قدسي الدويك«إن قلة الإقبال على الخضراوات والفاكهة من أكثر الأخطاء الشائعة في سلوكيات التغذية» وينصح الأطباء وخبراء التغذية من مختلف بقاع العالم دائما بالابتعاد عن الدهون والمقليات بهدف الحفاظ على الصحة. مما جعل منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة ترفع شعار«5 في اليوم» الذي يعني تناول الخضراوات والفواكه خمس مرات في اليوم، لأن تناول الكثير من الفواكه والخضراوات يحمي الإنسان من الأورام السرطانية التي تصيب القناة الهضمية والرئة، وكذا الأمراض المزمنة والمستعصية.
ولو عدنا إلى النموذج الغذائي الذي كان يعتمده آباؤنا وأجدادنا، لوجدنا أنهم كانوا نباتيين، فإنهم كانوا يعتمدون على الفواكه والخضر الطبيعية والغير مصنعة، وعلى النباتات والأعشاب. الشيء الذي بدأنا نفتقده نحن الآن بدافع الحضارة والتمدن، فإننا أصبحنا نعتقد أن الأطباق المهمة هي التي تحتوي على كمية كبيرة من اللحوم، في حين أثبتت الدراسات أن اللحوم الحمراء ومنتجاتها المختلفة تزيد من مخاطر التعرض للأمراض السرطانية. وقد وصف الدكتور علاء الدين معراوي استشاري ورئيس وحدة الأورام في مستشفى المفرض مرض السرطان بمرض الحضارة فالمجتمعات الأكثر رقيا وتحضرا هي الأعلى من حيث نسب الإصابة بالمرض، وأشار إلى أن تغير العادات الغذائية يعد أحد أبرز أسباب انتشار مرض السرطان. ودعا إلى أن يكون الغذاء أٌقرب ما يكون إلى ما كان يتناوله الآباء والأجداد.
فلنجعل رمضان المعظم فرصتنا الذهبية، فنقلع عن العادات الفاسدة التي تؤذي صحة جسمنا، كما نقلع عن الذنوب والمعاصي التي تؤذي صحة ديننا، حتى نودع رمضان وكلنا قوة وعزم لعمارة الأرض ونشر الصلاح والخير فيها آمين آمين والحمد لله رب العالمين.









