عيد الانعتاق

..بعض الخيوط التي تشد القلب رفيعة جدا لا تُرى..تحس بجذبها دون أن يكون لها على النفس ثقل..وبعضها دفعات أشبه بمخاض..وكيف لمن هو في طريق طويل أن يختار بعد توالي خيباته في سوء اختياره..لا يملك إلا الاستسلام..ثم إن رحمة الله أقرب للمنكسرة قلوبهم..إلى من رفعوا راية مسكنتهم عند مولاهم..أعزهم بين الخلق..وغمرهم باللطف..فلا تكاد تسمع عنهم إلا قليلا..أتقياء أنقياء أخفياء..تراهم كالناس وسط الناس..وهم عند الله في مكان عال ومقام سني..انطوت خواطرهم على مراقبة المولى عز وجل في كل أوقاتهم..وانسابت أدمعهم في الخلوات تحكي قصة احتماء كلي وفناء تام ..
..هذا الفكر سيدي إن لم يوصل إليك فما مزيته وهذا الجسد إن لم يدل عليك فما جماله وهذا اللسان إن لم يلهج بذكرك فما أقواله إلا شطحات وترهات وأماني كاذبة..وهذا العمل إن لم يكن بك منك إليك فما أكثر ما استحوذت عليه شهوات خفية ونزغات نفس ومطالب من الخلق ترجو التفاتهم..
..عيد ..الجمعة ..عيد روح تريد الانعتاق وصفو الود بعد طول المشقة..سير وسط غربة موحشة..وبلاء ممحص..
..قفار وفيافي هي في عين السائر إلى مولاه..حبيبا محبوبا..ذاكرا مذكورا..تكون جنة في عين قلبه وبصيرته..كل ما يقرب إلى الحبيب مستساغ..وهين..وكأن القلب ينادي..
فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
..ترك الانتصار لنفسه من أيقن بالله ربا وحكما..بل لا تؤذيه ذرة أذية من مخلوق فهو متأسف مشفق رحيم على حال ذلك الظالم إذ لم يفطن لجرمه فيتمثل نفسه قبل بزوغ فجر الإيمان وإشراق حب الله في قلبه ويخاطبها..ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا...ويزيد كذلك كنتم فمن الله عليكم.. ويرى نفسه أخس من رفع عقيرة أو عجب ومحمدة..يدعو الله ألا يكون كصاحب الجنتين..ويتضرع إليه سبحانه أن يحشره مع زمرة المساكين..دعاء سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم...
يشتد حنين القلب لمغذيه بالنعم..وما أحلاها وأتمها من نعمة هي محبة الله عز وجل والسير على درب الأنبياء والمرسلين رضوان الله عليهم..وكم أحب تلك الصورة التي ترتبط في عقلي بوقع أقدام الصالحين ومماثلة ذلك لمن يأتون بعدهم..
قدم صدق..وقلب سليم..ورب كريم
..اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة..







