قصة قصيرة: فتية النصر

في قوة المنهج
حين اشتد الطوق عليهم ورفضوا نسق النظام ككل وأدركوا ألا ملجأ حقيقة من بطش زبانية عرفت الزنازن والمعتقلات والكهوف أساليب سلخهم وفصل رؤوس الأبرياء عن أجسادهم أو الإبقاء عليهم جثثا أحياء في بيوت البؤس المظلمة التي لن تتسرب لها أشعة الشمس الوضيئة...
حين استحضر هؤلاء الفتية المغامرون الزنزانة العاشرة التي نجا من بطشها وقساوتها ضابط شاب اتهم بمحاولة انقلاب، فردم عليه القبر العاشر ومرت على عينه عشرات الجثث الغارقة في التعذيب والتجويع والصقيع شتاء والقيظ الساخن الداخن صيفا...
مر على أعينهم شريط شباب في البيضاء صرخوا بسبب الجوع ولقمة خبز عز امتلاكها فأضربوا ليوم واحد فقط، ظانين مشابهتهم لأناس مثلهم في العالم المتحضر، فسمعوا صوت وزير أعرابي آمرا قواته المخزنية لإرداء هؤلاء الصارخين الرافضين منطق التجويع المخزني قتلى برصاص مصبوب على أجسادهم، لترمى جثثهم الألف في مقابر جماعية...
لم ينسوا الرصاص المرمي على أهل الريف من فوق، واستغربوا حقيقة حماقة مخزن لم يعرف قدر هؤلاء الخطابيين الذين مازالت أرجاء أنوال تذكر بطولاتهم وبسالتهم واستماتتهم في وجه العدو، وكيف أنهم أجلوا استعمارا غاشما بقوة إيمان وقيادة حكيمة...
نعم عرفوا بطش نظام لا يعرف من يقول لا، أو يرفض تعليماته، أو يقترح مشروعا نهضويا للبلد، لأنهم استوعبوا درس واحد من الفضلاء فتح فاه وانتقد التوجه الأحادي العام، فأُرسلت له الزبانية ليذوبوا جسده ظانين أن لا تبقى له باقية، لكن المهدي قد نقش عند الثوار في الذاكرة ولم تستطع الأزمان أن تمحو بركة نضاله من الوجود...
رجعوا إلى أنفسهم ليهمسوا مع ذواتهم همسا خافتا... كيف تجرؤوا على قول لا في بلد التقديس الذي يجب على الكل الانحناء والخضوع والركوع والتسبيح بحمد الحاكم وكأنه إله بسط عرشه على فئات الشعب كلها على الرغم من انتظامه في سلك البشر المخطئين...
أنى لهم أن يحدثوا شرخا في نظام متماسك تماسكا قويا بذئابه البوليسية وحياته الاستخباراتية وصقوره المعذبة في السراديب المظلمة فضلا عن الثعالب الكاذبة التي تتقن فن التقلب والروغان في مجلس ادعى أحباره أنه الممثل الوحيد للشعب...
كيف يحق لرعاع غمر أن يتجاسروا على مخزن عريق في شراء الذمم وجر الأتباع إلى حظيرته بل جذب كل واحد ظن نفسه متميزا بتفرده ونصيرا لحريته ونضاله حين كان يافعا فخضع أخيرا لمنطق الواقعية الانتهازية ليسجل أخيرا في ديوان الرعايا الأوفياء الذين يساهمون ناصرين صادقين في إكمال صرح المخزن العالي...
رجع الفتية إلى أنفسهم ثانية وساورتهم شكوك فيما أقدموا عليه من سيء الفعال وقبيح النضال الذي أشعلوه صادقين... فتأججت المخاوف على ذواتهم وأهلهم وتمنى بعضهم ألو استنكفوا عن المضي في هذا الطريق الشائك الذي حفت جنباته بالمشانق والمقاصل والمقابر الجماعية والمكوث في سجون النسيان عقودا، ألا يحق لكل واحد أن يتحرك لدرء الظلم والقهر عنه؟؟؟ ألم تر مهمة النضال والكفاح سوانا ؟؟ ومن نحن حتى نكون طليعة شعب لم يرد أن يتزعزع من حيز الخنوع لجلاديه؟؟؟
لكنهم لم يذعنوا لتلك الوساوس والهواجس المخيفة لأنه لم تكن سلواهم من كل ذلك سوى سلوك طريق لاحب جلي واضح بين أيديهم، وهو ضرورة الصراخ وطرق الجدران والتأوه الفصيح لاقتناص الحرية والكرامة وتوزيع خيرات الشعب على الشعب، وخضوع كل من أراد أن يحكم بالضرورة لمبدأ الاختيار والمراقبة والمحاسبة فضلا عن امتداده الجماهيري ووضوح برنامجه الانتخابي...
هذا ما رآه الصبية حقا ومطلبا مشروعا، ومن ثم أعلنوا بيانهم على الملأ وأذاعوا سرهم على الجماهير الشعبية لتكون على بينة مما أقدموا عليه...
نعم… حين أيقنوا بكل ذلك وهم قلة قرروا الهروب بأجسادهم من حياة الخنوع متأكدين أنهم قاموا بما يجب القيام به من واجب النصح وتبصير الأعين الكالة عن مشاهدة الظلم وألاعيب المستبدين...
في التجسيد الواقعي
لذلك قرروا مواصلة الطريق في ذاك المسار الشائك وساروا في صحراء ملتهبة، ونفذ زادهم وظنوا بأنهم ضلوا الطريق، لكنهم رقبوا بيتا عالي الجدران أمامهم، فأيقنوا جازمين بأنهم في ملجئ آمن من عيون ذاك النظام الشرس ومبتعدين عن اختلاس الخيالات المظلمة التي تخفي أشباحا تتربص بهم في كل حركة وحين...
دلفوا نحو الباب وطرقوه، فوجدوا الرجل البدين مرحبا بهم، فاستبشروا خيرا بذاك الترحاب، وحكوا له قصة كفاحهم ونضالهم بعد إطعامهم وإراحتهم داخل بيته المرفه...
لكنه بعد برهة فوجئوا بأفواج عديدة من رجالات الشرطة والاستخبارات تقلهم داخل سيارات حديدية معصبي الأعين ومقيدي اليدين والأرجل بأصفاد تثقل وتلصق كل معذب بالأرض لئلا ترنو عيناه إلى السماء الفسيحة فيتذكر حرية سليبة...
آه... لقد تذكروا كيف طلقوا النوم ثلاثة أيام متواصلة ولم يذوقوا شيئا من الطعام سوى رشفة من ماء يسقون بها حين يغمى عليهم أو حين كانوا يتحدثون هلوسة وهذيانا وجنونا...
لقد تفنن القوم في تعذيبهم وإسالة دمائهم وتمزيق جلودهم وإسماع آذانهم قاموسا لا يكون إلا داخل زنازنهم... ورأى بعضهم واحدا منهم يسمى بارشي معلقا عاريا يجلد بسياط أناء من الليل وأطرافا من النهار... وحين انتهى سدنة المخزن من تعذيبهم، قرر مستشارو القصر تخليص البلد من رجس هؤلاء المغامرين وأفكارهم العنيدة المهددة لكيان الوطن ورموزه المتحكمين...
وذات يوم من أيام مكوثهم داخل القبو المظلم، وحين طالت لحاهم وشحبت وجوههم ونحلت أجسامهم وأنهكوا وأيقنوا أن الموت قادم سريعا إليهم... سمعوا صوتا لم يعرفوا فحواه بداية، ثم أخذ بالاتضاح شيئا فشيئا، بل إنهم سمعوا خطوات كثيرة بدأ يتشكل صداها في الأفق البعيد... أناخوا سمعهم لتلك الأصوات التي لم يعتدوا عليها طيلة شهور اعتقالهم، فوجدوها متناغمة ومتصاعدة... بل غدت هديرا قويا زلزل جدران التعذيب وأحسوا بمطارق تكسر حجرات الموت القاتل... ومما زاد من غرابة الحدث صدح القادمين نحوهم بشعارات متساوقة مع قناعاتهم وما كانوا قد أعلنوا عنه قبل اقتيادهم إلى المعتقل... ماذا جرى يا رب... غالبا ما هو حادث الليلة إن هو إلا حلم عابر أو إحساس سيدخلهم حتما إلى غياهب الجنون وفقدان الذاكرة...
لكنه مع استمرار الأصوات الهادرة وتكسير الجدران ليلا واستمرار حفيف الأرجل وخطاها... أيقن شباب الكهف أن قَدرا نازلا الليلة معلنا عن انفراج قريب لولا ما شاب أصواتَ القادمين عندهم أصواتُ أناس يتحدثون بلغة عسكرية واضحة... فساورهم الشك ثانية واستسلموا لهواجس الجنون...
لكن الباب فتح من قبل هؤلاء العساكر الذين توجسوا منهم خيفة، فدخل الضباط بقوة، وفكوا القيود وأعطوهم إشارة النصر، فهلل القادمون بهم ورفعوهم على الأكتاف... فأغمي على شباب الثورة ولم يعرفوا ما وقع خارجا... وبعد استفاقتهم حدثوهم أن كلامهم وما نشروه فضلا عن سيل الثورة العربية هز شعبا أبيا ظنه الطغاة سهل التطويع والإخضاع والنهب وميسر الامتصاص لخيراته وطاقاته ومقدراته... لكنه ثار على جلاديه بكل فئاته وأحدث في برهة وجيزة طردا نهائيا للاستبداد والفساد وزمر المنتفعين والمتكبرين والأعوان المخزنيين، وهو الآن بصدد بناء دولة القوة والمؤسسات سياسة واقتصادا وتربية...
لكن ما لم يفهمه الفتية ولم تستوعبه حويصلتهم الصغيرة البريئة هو ترادف قوى الشعب مع جحافل هؤلاء العساكر الشرفاء ليكتبوا صفحة الحرية والكرامة وتهاوي مخزن متجذر ثقيل على صدور الناس قرونا عديدة...





