كورونا ابتلاء من الله لنرقى أو نشقى

مقدمة
قامت الدنيا ولم تقعد لقدر من أقدار الله وخلق من خلق الله جاءنا دون سابق إنذار، ولفت إليه الأنظار، يدعى فيروس كورونا، وباء أصاب العالم بأسره، ينتشر بسرعة البرق خصوصا إذا لم تتخذ الاحتياطات اللازمة ولم نأخذ بالأسباب الظاهرة، والنتيجة أن الأغلبية أصبحت تعيش في جو من الخوف والهلع والفتنة، جل الناس يترقب ويراقب عن بعد عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي آخر الأخبار والإجراءات المتخذة، لكن غاب عن بعضنا أن الفاعل هو الله، وأن ما حصل هو بإذن من الله ولحكمة أرادها سبحانه.
فما هي الحكمة من هذا البلاء؟
و ما هو المخرج منه؟
و ما هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه من هذه الجائحة التي ألمت بنا؟
لماذا البلاء؟
قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة: 155)، قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكّره أتباعَ رَسوله صلى الله عليه وسلم، أنه مبتليهم وممتحنهم بشدائد من الأمور، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وكما امتحن أصفياءَه قَبلهم. ووَعدهم ذلك في آية أخرى فقال لهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة: 214]، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وغيرُه يقول (1).
انطلاقا من هاتين الآيتين العظيمتين يتضح لنا أن البلاء هو اختبار إلهي ورسالة ربانية؛ الحكمة منه الصبر والرجوع إلى الله والتعلق به والرضى بقضائه وقدره، وعند الامتحان تظهر معادن الناس؛ فمنهم من عرف الغاية والمقصد فأخذ بالأسباب وهو مطمئن القلب، ومنهم من شغله الفعل عن الفاعل، فتاه وضجر وسخط، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه و سلم: "إنَّ عِظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتَلاهم، فمَن رَضي فله الرِّضَى، ومَن سخِط فله السَّخطُ" (2).
وبذلك يكون القصد من الابتلاء الرضى والثواب والفوز، لا السخط والجزع والخسران.
ما هو المخرج من هذا الكرب؟
لا مخرج لنا من هذا البلاء إلا:
- بالتوكل عليه سبحانه؛ نأخذ بالأسباب ولا نستهين بها، ولا نتعلق إلا بالله عز وجل.
- بمراجعة أنفسنا؛ نبكي على ما فرطنا في جنب الله، فلا بد لنا من أوبة وتوبة، ومحاسبة للنفس، وعزم على إصلاحها، والاشتغال على تغيير ما بقلوبنا وأنفسنا؛ تخلية من الشوائب التي علقت بها وتحلية بالصفاء والأخلاق الحسنة وتجويد إسلامنا إلى إيمان فإحسان.
- بسؤال الله العافية في الدين والدنيا؛ ندعوه رغبا ورهبا، قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: 60]، روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة (3).
- بالعمل الصالح؛ نتقرب إليه سبحانه بالفرض والنفل، من صلاة وصيام وزكاة وصدقة وصدق وصفاء قلب وإتقان عمل..
- بالتعاون؛ ومد يد المساعدة للأهل والجيران والمعارف، ودعمهم معنويا وماديا، وإحياء معاني الخدمة والإيثار والبذل.
ومع كل هذا نصطحب الصبر واليقين والرضى والحمد لله تعالى.
عبر وعظات
- أول وأهم درس نستفيده هو أن الإنسان مهما ظن أنه تقدم وتحضر، ومهما طغى واستغنى وتجبر، فإن الله أقوى وأكبر، له الأمر سبحانه كله، قال تعالى: إنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (يس: 82)، فسبحان من قهر عباده بفيروس ضعيف لا يرى بالعين المجردة.
- أنه لا راحة للإنسان إلا بالرجوع إلى خالقه، وذكره وتطبيق شريعته.
- أن الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، فلا يجب أن نتعلق بها، فهي إلى زوال، ولا تدري نفس متى وأين تموت.
- أن الأخذ بالأسباب واتخاذ الاحتياطات سنة من سنن الكون، وفي فعله تأدب مع الله تعالى.
- أن نحيي ونتمسك بسنة رسولنا الكريم، تربية ومعاملة بالأخلاق الحسنة؛ من تكافل وتعاون ووعي ونظام ونظافة واستمطار لرحمة الله تعالى.
- أن على المسلمين الاستفاقة من غفوتهم التي طالت، فاستقالوا من الأخذ بالعلوم الدينية والدنيوية التي كانت لهم الريادة فيها، وبدل الاكتفاء باستهلاك ما ينتج غيرهم عليهم أن ينبروا لتشجيع العلم والعلماء، فالرفعة تكون للمنتج ويبوء المستهلك بالذلة عند الوقوع في أول ضائقة، لذلك على الدولة بمؤسساتها أن تتعظ مما وقع، وتفتح الباب وتشجع البحث العلمي والاختراع، وتوجه كامل عنايتها للتعليم، فهو المنجي من آفات الدنيا والآخرة إن خلصت النيات، وديننا يدعونا، منذ لحظة نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، للعلم والتعلم وإتقان الأعمال.
خاتمة
الدنيا دار التواء لا دار استواء، فيها نبتلى ونختبر، والفائز المفلح هو الذي يستصغرها ويعظم الغاية التي خلقنا لأجلها؛ عبادة الله تعالى والاستخلاف في الأرض، والمؤمن يستقبل قدر الله بالرضى والصبر والثبات، وباليقين بأن فرج الله قادم لا محالة، وأن مع العسر اليسر، وأن بعد الظلام الفجر والنور.
جاء في كتاب الإحسان: "ثم الابتلاء على نوعين: إكرام وإهانة. فكل بلاء يقربك من المولى فهو في الاسم بلوى وفي الحقيقة زلفى. وكل بلاء يبعدك عن المولى فهو في الحقيقة بلوى. ألا ترى أن الله تعالى ابتلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكان عاقبة ابتلائه الخلة والقربة، وابتلى إبليس وكان عاقبة ابتلائه اللعنة و الفضيحة" (4).
فالله سبحانه وتعالى نسأل ألا يجعل مصيبتنا في ديننا، وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وأن يرفع برحمته وكرمه البلاء والوباء عنا وعن سائر الأمم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
1- تفسير الطبري.
2- صحيح الترمذي (حديث حسن).
3- تفسير القرطبي.
4- عبد السلام ياسين، كتاب "الإحسان". ط:1، ج:2، ص:294.









