ما العمل حين يتصدر التافهون ويُحارب الأمناء الصادقون العاملون؟

Cover Image for ما العمل حين يتصدر التافهون ويُحارب الأمناء الصادقون العاملون؟
نشر بتاريخ

قال رسول الله ﷺ، في الحديث الصحيح الذي رواه سيدنا أنس بن مالك وغيره رضي الله عنهم جميعا: “سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ” 1.

هذا الحديث من الأحاديث النبوية العظيمة التي ترسم ملامح مرحلة من مراحل الانحراف الإنساني والحضاري والأخلاقي، وليس مجرد وصف لأحداث متفرقة. فهو يكشف انقلاب المعايير، وفساد ميزان الحكم على الناس والأشياء.

والرويبضة: هو تصغير لكلمة “رابضة” وتعني في هذا السياق الشخص غير المؤهل، العاجز عن بلوغ معالي الأمور والنهوض بها، قليل أو عديم العلم والمعرفة، والذي، تبعا لذلك، يحتال على الناس ويركب كل سبل الكذب والمكر ليتصدر التوجيه، وممكن، حتى الفتوى، أو قيادة الرأي العام، أو الخوض في الشؤون الكبرى للأمة، ومن أهم ما يستنبط من هذا الحديث الشريف:

1- أخطر الفتن ليست فتنة السلاح، بل فتنة المعايير:

فحين يصبح الكذب صدقا في نظر الناس، والخيانة أمانة، لا يعود الخطر في فساد الأفراد فقط، بل في فساد المقياس الذي تقاس به الأمور. فإذا فسد الميزان ضاع العدل، واختلط الحق بالباطل.

2- الإعلام قد يصبح أداة لتشويه الحقيقة لا لنقلها:

فقوله ﷺ: «يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق» يشير إلى أن وسائل التأثير قد تصنع رأيا عاما يرفع الكاذب ويطعن في الصادق، وهو ما نراه اليوم مع الدعاية، والتضليل الإعلامي، وحملات التشويه المنظمة، حتى صار كثير من الناس يحكمون بما يروّج لا بما هو حق ثابت.

3- فساد السياسة يبدأ حين تُقدَّم الولاءات على الكفاءات:

فإيتاء الأمانة للخائن، وتخوين الأمين، علامة على انهيار معايير المسؤولية، إذ يصبح القرب من مراكز النفوذ أهم من النزاهة والكفاءة، فتضيع مصالح الأمة.

4- ليس كل من امتلك منبرا يستحق أن يتبع:

فانتشار المنصات الرقمية جعل عددا من الناس قادرين على مخاطبة الملايين، لكن الحديث النبوي يحذر من أن كثرة المتابعين لا تعني العلم ولا الحكمة، فكم من تافه أصبح مؤثرا، وكم من عالم أو مصلح غُيّب صوته.

5- التزكية تبدأ بعدم الانسياق مع الرأي العام:

فالمؤمن لا يجعل معياره الأكثرية ولا الضجيج الإعلامي، وإنما يجعل ميزانه الوحي والحق والعدل، ولو خالفه الناس جميعا.

6- من علامات آخر الزمان تراجع أهل الاختصاص وتقدم أهل الادعاء:

فالرويبضة ليس مجرد جاهل، بل هو التافه الذي يتصدر القضايا الكبرى بلا علم ولا أهلية، فيفسد أكثر مما يصلح، ويصبح رأيه مقدما على رأي العلماء والخبراء وأهل التجربة.

7- الثبات على الصدق سيصبح مكلفا، لكنه طريق النجاة:

فمن يعيش في زمن يكذب فيه الصادق يحتاج إلى صبر عظيم، وألا يطلب رضا الناس على حساب الحق، فإن قيمة المؤمن ليست في التصفيق له، وإنما في ثباته على المبادئ.

8- واجب الأمة أن تعيد الاعتبار لأهل العلم والأمانة:

لذا فإن علاج هذا الانقلاب لا يكون بالشكوى فقط، بل بتربية الأجيال على الشجاعة البانية، وعلى احترام العلم، وتقديم الأمناء، وعدم الانخداع بالمظاهر أو الشهرة أو المال أو النفوذ.

9- كل إنسان معرض لأن يكون رويبضة إذا تكلم فيما لا يحسن:

فالحديث ليس لإدانة الآخرين فقط، بل هو دعوة إلى محاسبة النفس، وألا يخوض المرء في الدين أو السياسة أو الاقتصاد أو شؤون الأمة بغير علم وبصيرة، امتثالا لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.

10- هذا الحديث ليس دعوة إلى اليأس، بل إلى صناعة النموذج الصادق:

فكلما كثرت سنوات الخداع ازدادت حاجة الأمة إلى الصادقين الأمناء، الذين يربطون الناس بالحق، ويقاومون التضليل بالحكمة، ويثبتون على الأخلاق مهما انقلبت الموازين. فصلاح الأمم يبدأ دائما بأفراد رفضوا أن يبيعوا الحق بثمن الشهرة أو المصلحة.

وليس المقصود من الحديث أن نستسلم لفساد الزمان، وإنما أن نعرف طبيعته حتى لا نخدع به. فإذا انقلبت الموازين، كان الواجب على المؤمن أن يحافظ على ميزان الله، وأن يبقى صادقا إذا كذب الناس، أمينا إذا خانوا، ثابتا إذا اضطربوا، متواضعا، فلا يتكلم إلا بعلم، وبذلك يكون من الأمناء العاملين الذين يصلحون إذا فسد الناس.

إن وصف النبي ﷺ لهذا الواقع ليس دعوة للاستسلام، بل دليل على أن المؤمن سيواجهه وهو مستعد له. فما دام الله قد أخبرنا بالداء، فقد دلنا أيضا على الدواء: الثبات، والصبر، والعمل المستمر والنافع والمؤثر.

وقد كان المصلحون عبر التاريخ أقلية، لكن الله بارك في أثرهم، فغيروا، ونصر الله بهم الحق فانتصروا.

11- مقاومة الظلم ليست غضبا عابرا، بل بناء للإنسان:

لأن أقوى ما يخشاه الظالم هو الإنسان الحر الصادق الواعي، الصالح المصلح، الفاعل في الميدان؛ لذلك فإن تربية النفس على قوة اليقين والإيمان، وعلى الصبر، والعلم، والأخلاق، والوعي، والتضامن، والثبات على المبادئ، هي أعظم صور مقاومة الظلم. فالاستبداد يعيش على الخوف والفرقة والجهل، ويسقط حين تنتشر الثقة، والوحدة، والوعي.

12- نشر العلم النافع الجامع المطابق للحاجيات الآنية والمستقبلية للأمة، عبادة وجهاد وبناء للمستقبل. لأنه، في زمن يكثر فيه التضليل، تصبح التربية على الحق، وعلى نشر الحقيقة من أعظم القربات:

إن هذا الحديث لا يدعونا إلى البكاء على فساد الزمان، وإنما إلى صناعة رجال ونساء لا يفسدهم الزمان. فإذا انتشر الكذب فلنكن من الصادقين، وإذا عمّت الخيانة فلنكن من الأمناء، وإذا علا صوت الرويبضة فلنرفع صوت الحق والتربية والعلم والحكمة والقدوة الحسنة، وإذا اشتد الظلم فلنزدَد إيمانا وعملا وصبرا؛ فالله لا يطلب منا أن نغير العالم وحدنا، وإنما أن نكون من الذين يحملون النور حتى يبدد الله بهم الظلمات.

وإذا كان أهل الباطل قد نجحوا في تصدير الرُّويْبِضَة، فإن مسؤولية أهل الحق أن يصنعوا الأحرار الربانيين؛ فالأمم ينقذها صدق الصادقين، وأمانة الأمناء، وعلم العلماء، وثبات المصلحين.

والحمد لله رب العالمين

 


[1] أخرجه ابن ماجه في سننه (4036)، وأحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر والألباني.