أهمية الأسرة الممتدة من خلال السيرة النبوية

Cover Image for أهمية الأسرة الممتدة من خلال السيرة النبوية
نشر بتاريخ

قدمت لنا السيرة النبوية أكبر نموذج يبين أهمية الأسرة ودورها في مساندة الفرد وتقديم الدعم المعنوي والنفسي والوجداني له. فالنبي صلى الله عليه وسلم ولد يتيم الأب، فقد توفي أبوه عبد الله بن عبد المطلب وهو لم يولد بعد وبقي تحت رعاية أمه آمنة بنت وهب حتى توفيت رحمها الله وهو في سن السادسة، فكفله جده عبد المطلب ورعاه، وكان شديد الاهتمام به، وكان يقربه منه ويقدمه على سائر بنيه، ولم يسمح لأحد بأذيته. وكان عبد المطلب ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش تسميه الفضل لسماحته وفضله، قال ابن إسحاق:  “فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر 1، حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع” 2.

فنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل رعاية أسرية من جده الذي كفله حتى بلغ الثامنة من عمره، ثم توفي جده عبد المطلب فكفله عمه أبو طالب فقدم له العطف والحنان والرعاية ووفر له الحياة الأسرية بمساعدة زوجه فاطمة بنت أسد بن هاشم رضي الله عنها وأرضاها التي كانت له بمثابة الأم، تقوم برعايته وتهتم بشؤونه كلها، وقد هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من القبائل الأخرى وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم فأخرجه أعمامه معهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كنت أنبل على أعمامي، أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها) 3.

 ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام وتقدير، فمكث في رعايته قرابة عقدين من حياته، فبقي ملازما ومناصرا له حتى في دعوته صلى الله عليه وسلم أمام قريش، وربط مصيره بمصير النبي صلى الله عليه وسلم. وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه ويبسط عليه حمايته ويصادق ويخاصم من أجله 4.

ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجهر الدعوة إلى الله دعا عشيرته بني هاشم بعد نزول قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214]، فجاءوا ومعهم نفر من بني عبد المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلا، فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقا لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا 5.

فجمع أبو طالب بني هاشم وبني عبد المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتعاقدوا وتعاهدوا عند الكعبة إلا ما كان من أخيه أبي لهب فإنه فارقهم وكان مع قريش 6.

وقد كان لهذا الدعم المعنوي للنبي صلى الله عليه وسلم من طرف أبي طالب الأثر الكبير في نفسه صلى الله عليه وسلم، فاستطاع أن يثبت ويواجه أهل مكة. وقد جمع في نشأته صلى الله عليه وسلم خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازا رفيعا من الفكر الصائب والنظر السديد، ونال حظا وافرا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف 7.

ونموذج العلاقة الأسرية التي نمت وتقوت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبيت عمه أبي طالب نموذج تظهر فيه جوانب إيجابية لأهمية الأسرة الممتدة ومدى دعمها لأفرادها،حتى وإن لم تكتمل هذه العلاقة بإسلام عم النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من المحاولات العديدة التي قام بها معه غير أنه لم يستجب له في حين استجاب للدعوة معظم أبناء عمه أبي طالب إضافة إلى زوجه.

وقد سعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى تطبيق معنى الأسرة الممتدة الذي اكتسبه من خلال نشأته في بيت عمه وذلك من خلال أبناء عمومته وأقربائه. قال ابن اسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب ومما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم: (يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ أنا من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكلهما عنه) 8. قال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما 9. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا، فاتبعه علي رضي الله عنه وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه 10.

هذه الرواية التي أدلى بها ابن إسحاق تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ضم عليا وهو حديث السن، فقد تربى علي رضي الله عنه على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كنفه، وتلقى الرعاية منه في بيت النبوة، وقبول أبي طالب لطلب النبي صلى الله عليه وسلم بكفالة علي يوضح جانبا من واجبات صلة الرحم بين أفراد الأسرة الممتدة في التحمل عن بعضهم بعضا والوقوف إلى جانب بعضهم في أوقات الشدة، وهذا ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد أسهمت تربية النبي لعلي في حسن تربيته وتوجيهه حيث عصمته من عبادة الأوثان، وجعلته يترك عادات الجاهلية التي كانت عند العرب، فتربى على الفضيلة وأخلاق القرآن الكريم ومعرفة الإسلام في مرحلة مبكرة من حياته، وذلك قبل أن تتخطى الدعوة حدود البيت وتنطلق إلى البحث عن أنصار يشدون أزرها، فقد كان إسلامه وهو صبي حديث السن 11.

فاستفاد علي من صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماديا وروحيا ونفسيا، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعلي: (أنت مني وأنا منك)، وقال عمر: “توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض” 12.

وقد أوتي علي بن أبي طالب قدرا كبيرا من العلم وhgمعرفة بكتاب الله عز وجل لأنه عاش في بيت النبوة وشهد الوحي. قال علي: “والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، وإن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا” 13.

ولم يكن علي رضي الله عنه الوحيد الذي تربى ونشأ في بيت النبوة، فقد نشأ غيره كذلك؛ كزيد بن حارثة، وعبد الله بن العباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي سمي بحبر الأمة وفقيه العصر وإمام التفسير، فقد حرص على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم في كل حال في سبيل تلقي العلم عنه، وكانت السيدة ميمونة بنت الحارث خالته مما ساعده في ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر، خاصة حينما يكون النبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة رضي الله عنها، ودل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: “بت عند خالتي ميمونة ليلة فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، فلما كان في بعض الليل قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا… وقام يصلي فتوضأت نحوا مما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فحولني فجعلني عن يمينه ثم صلى ما شاء الله” 14.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أيضا أن النبي دخل الخلاء فوضعت له وضوءا فقال: (من وضع هذا؟) فأخبر فقال: (اللهم فقهه في الدين) 15. وفي رواية عن ابن عباس أيضا أنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي -وقال على منكبي- ثم قال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) 16.

إن المتأمل لنصوص السيرة النبوية المتعلقة بعلي ابن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما يظهر له جليا أثر رعاية الأسرة الممتدة لأبنائها على الرغم من اختلاف صورة العلاقة داخل الأسرة، فعلي بن أبي طالب نشأ في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين أن ابن عباس لم يكن مقيما في بيته وإنما كان ملازما له في أوقات كثيرة، ومع ذلك استطاع النبي أن يوظف صلة الرحم التي تجمعه بهما لما يعود عليهما بالخير الوفير، وهذان النموذجان يؤكدان ضرورة الحرص على ذوي القربى بالرعاية والعناية 17.


[1] جفر: ممتلئ وقوي.
[2] السيرة النبوية لابن هشام. الجزء الأول، ص: 168.
[3] نفس المرجع، جزء 1، ص: 186.
[4] الرحيق المختوم، صفي الدين المباركفوري، الطبعة الشرعية، دار الوفاء، الصفحة: 64.
[5] الرحيق المختوم، ص: 83 و84.
[6] سيرة ابن هشام، جزء 1، ص: 269. والرحيق المختوم، ص: 111.
[7] الرحيق المختوم، ص: 68.
[8] نكلهما: نكفهما.
[9] قال ابن هشام: ويقال عقيلا وطالبا.
[10] سيرة ابن هشام، جزء 1، ص: 246.
[11] سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، علي محمد الصلابي، المكتبة الإسلامية، طبعة 1، 2010م، ص: 43.
[12] صحيح البخاري، كتاب الصلح، حديث رقم: 2699.
[13] سير أعلام النبلاء للذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، بيروت، مؤسسة الرسالة، طبعة 9 1913م، الجزء الأول صفحة: 238.
[14] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء، حديث رقم: 138.
[15] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، حديث رقم: 143.
[16] مسند ابن حنبل، حديث رقم: 2397، حديث إسناده قوي.
[17] الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المعاصرة، رائد جميل عكاشة ومنذر عرفات زيتون، دار الفتح للدراسات والنشر، الجزء الأول، صفحة: 280.