إبداع المغاربة في الاحتجاجات الداعمة لغزة.. المسيرة الشعبية الأخيرة بطنجة نموذجا

محتويات المقال
اقترنت الاحتجاجات الشعبية في المدن المغربية بالإبداع في صياغة الرسائل، واختيار الأوقات كما القوالب المناسبة لإرسالها إلى المهتمين، ويكون هذا الإبداع أكثر وضوحا كلما تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية؛ القضية المركزية أو الوطنية أو المصيرية كما تسميها مكونات الشعب.
الإبداع في وسائل الاحتجاج.. المسيرة الأخيرة في طنجة مثال حي
ذلك أن طبيعة القضية تحفز المبدعين للتعبير عن مدى اعتناقها ومناصرتها والدفاع عنها والترافع عنها بكل الأشكال والوسائل المتاحة، وتسعفهم في ذلك عدالتها الناصعة الظاهرة، المتناسبة مع كل قوالب الإبداع صوتا وصورة وكتابة ورسما وفنا، وما إليها من الأنماط المتعارف عليها للتعبير، مما يجعل الرسائل أكثر تأثيراً ووضوحاً.
هذا الإبداع في وسائل الاحتجاج، والاجتهاد به في إبراز معاناة الشعب الفلسطيني، لا شك أنه يلفت انتباه أي ناظر إلى الأشكال الاحتجاجية التي عرفتها شوارع المدن المغربية، إن في الوقفات المحلية أو المركزية، أو في المسيرات الوطنية الكبرى والمحلية، أو في المهرجانات التي نظمت تفاعلا مع طوفان الأقصى منذ انطلاقته في السابع من أكتوبر 2023، أما الجهات المنظمة والداعية أو المشاركة، فتلك بفسيفسائها رواية أخرى تستحق التأمل.
المسيرة الوطنية الشعبية الأخيرة بمدينة طنجة، الأحد الماضي 07 يوليوز 2024 نموذج حي نطق من خلاله الإبداع بالتمثيل، وبالكلمات، وبالصوت والريشة، وبالسينما التجميلية والمؤثرات. تتبعت الكاميرات هذه المسيرة، بإخراج يوضح المقاصد من تلك التعبيرات الإبداعية التي توضح بجمالها التصويري في شوارع طنجة، بشاعةَ الواقع المصَوَّر في شوارع قطاع غزة.
المهارة في التمثيل لترسيخ ثقافة "المقاطعة"
المتتبع للمسيرة ولفقراتها، يرى الإبداع ملحوظا في عدة جوانب؛ أولها المهارة في استخدام الفن التصويري كوسيلة للتعبير عن الغضب والأمل والدعم والنصرة، حيث عمد المنظمون إلى تمثيل مشهد تراجيدي عن "المقاطعة"، انطلق بتزيين محل تجاري مثلما يكون أي تزيين "خارجي" لجلب الزبائن من أجل بيع منتجاتٍ ترفع شعارها المعهود "اكتشف متعة الصيف مع منتجاتنا".
يتتبع المخرج مبيعات هذا المحل التجاري من خلال العدد الكبير لمرتاديه المنتشين بالمتعة التي يقدمها لهم، قبل أن تنكشف حقيقة تلك المتعة، ومعها حقيقة تلك المنتجات.
اقتفى المخرج أثر طفلة تبحث عنها أمها التي نادتها باحثةً "شفاء" "شفاء"، وقد دخلت إلى الفضاء "الداخلي" للمحل الذي كان في ظاهره تجاريا، ليجدوا أرباحه عبارة عن أسلحة وصواريخ يحولها إلى الجنود الصهاينة، الذين بدوا محاطين بجثث الأطفال والأشلاء؟
الأمن والسلم الدولي.. ميت يشيعه الأطفال إلى مثواه الأخير
صرخت أم "شفاء" بملء فيها، ثم نادت بأعلى صوت "حسبنا الله ونعم الوكيل". لقد اكتشفت الأم وطفلتها حقيقة هذا المحل الذي كان ممتلئا بالمنتوجات من قبيل: "ماكدونالد" و"كينغ" و"كوكاكولا" و"هواي" و"فانطا" و"برينغلز" و"دانون" و"بيتزاهوت" و"نيستلي" و"أرييل" و"فيري" و"بيبسي"...
وفضلا عن الصور الكاريكاتيرية عن قضايا متنوعة لها علاقة بواقع الأطفال والنساء والمقدسات وحقوق الإنسان والأرض الفلسطينية؛ لفت مشهد النعش الذي حمله الأطفال إلى مثواه الأخير مكتوبا عليه اسم "الأمن والسلم الدوليين" انتباه المتتبع والمشاهد والحاضرين، الذين يرون صورا تعبيرية تشرح الواقع وتشي بمعلومات أصبحت حقائق ناصعة البيان عن وضعية المنتظم الدولي ومؤسساته التي "تسير" العالم المتحضر في القرن 21.
شعارات وأهازيج متجددة ملخصة لمضمون الاحتجاج
أما الإبداع والبراعة في الأهازيج والشعارات التي ترددت خلال المسيرة، فلا يمكن الإغفال عنها، إذ فيها ما رفع لأول مرة، وبدا جليا كما أنها قد أعدت لهذا اليوم، وردد الجمهور بشكل مطردٍ مطْربٍ حماسي "يا أبو عبيدة طل تشوف.. هادي طنجة على المكشوف" وهي رسالة دعم للمقاومة ولرموزها، كما أنها رسالة احتجاج على رسو السفينة الصهيونية بميناء طنجة المتوسطي. وتزداد براعة هذا الشعار مثل باقي الشعارات الكثيرة المرفوعة، حين تزامنت في نفس الساعة مع آخر إطلالة لـ"الملثم" في خطاب مصور.
هذه جوانب منتقاة من المسيرة تتعزز بالتنظيم الفعّال وبمشاركة الزخم الجماهيري بآلاف الأشخاص من كل المناطق المجاورة لأي شكل احتجاجي، كما تتعزز بالرونق التنظيمي برفع الأعلام واللافتات واليافطات، مع ارتداء الكوفيات الفلسطينية التي تحلو على رؤوس الأمهات وأكتاف الفتيات وأعناق الرجال كما الشباب، وهي كلها مظاهر تقوي الرسالة وتوحد الجهود نحو الهدف المشترك.
وكل هذا الإبداع في التنظيم والأداء الاحتجاجي مع توظيف الإعلام تخطيطا وحضورا وإنتاجا وترويجا، يصب في جذب انتباه أحرار العالم، ويسهم في تعزيز الوعي المحلي العربي والعالمي، ويجلب تزايد اهتمام شرائح مجتمعية أخرى مغربية ودولية بالقضية بشكل ملحوظ.
وهذه الجوانب التي أشرنا إليها تبرز كيف يتمتع الشعب المغربي شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، بإبداع متعدد الأوجه في التعبير عن الإسناد غير المشروط للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني، بهدف إبراز أهمية الاحتجاج وفكرته دعما وتضامنا تارة، وتنديدا تارة أخرى بهضم حقوق الفلسطينيين.









