في فجر البطولة، حيث يكتب الرجال ملاحمهم بمداد الدماء، ارتقى فارسٌ من فرسان الكلمة والبندقية، ناطقًا بالحق، مقاتلًا في سبيله، لم يعرف التردد طريقًا إلى قلبه، ولم يكن لغير الله ولاءً أو انتماء. كان شابًا في ريعان العشرينيات، وجهه الوضاء يشع بنور الإيمان، وعيناه تنبضان بالعزم الذي لا يعرف الخنوع.
لقد حمل صوته كما يحمل المجاهد سلاحه، يدافع عن أرضه، عن وطنه، وعن عقيدته التي تشربها من آيات الله، فكانت كلماته طلقة تخترق قلوب الأعداء قبل أن تلامس آذان السامعين. لم يكن مجرد ناطقٍ باسم سرايا القدس، بل كان صوت المظلومين، ولسان الصادقين، ورمزًا للشباب الذين وهبوا أعمارهم لله، فوهبهم الله الخلود في صفحات المجد.
لم يكن استشهاده إلا صفحة من صفحات التاريخ الذي يكرر نفسه، وكأن مصعب بن عمير عاد في جسد هذا الفارس الشهيد. ذاك الصحابي الجليل الذي ترك نعيم الدنيا، وسار في درب النور رغم كل ما عاناه من أهل مكة، فحمل راية الإسلام، كما حمل شهيدنا راية الجهاد والإعلام المقاوم، كلاهما عاشا فتوةً إيمانيةً قرآنية، لم يعرفا للهوى دربًا، ولم يكن للدنيا في قلبيهما متسع.
مصعب بن عمير الذي كان أنعم شباب مكة، وأحبّهم للترف، ترك كل ذلك حين لامست كلمات الوحي قلبه، فصار رجلًا من رجال الله، يحمل دعوته على كتفيه، غير آبهٍ بما سيفقده في سبيلها. كذلك شهيدنا، كان جميل الطلعة، أنيق الروح، لكنه لم يغترّ بشبابه، بل وهب زهرة عمره لله، مقبلًا غير مدبر، صادقًا في بيعته، حتى لقي الله شهيدًا، كما لقيه مصعب في معركة أحد، جسده ممزق، لكن رايته لم تسقط، حملها بعده رجالٌ آخرون، كما ستبقى راية شهيدنا خفاقةً بين جنبات الأرض التي عشقها.
حين ارتقى الشهيد، لم تبكِه السماء وحدها، بل بكت فلسطين، وبكى كل من عرف أن الرجولة ليست مجرد كلمات، بل هي مواقف تُسطَّر بالدماء. ودّع الدنيا على صهوة العزة، وترك وراءه إرثًا لن يُمحى، فكما بقي اسم مصعب بن عمير خالدًا في صفحات السيرة، سيبقى اسمه في ذاكرة الوطن، في ذاكرة الجهاد، وفي قلوب الأحرار الذين يقتفون أثره، حتى يتحقق النصر أو يلحقوا به شهداء في درب الله.
رحمك الله أيها الفارس، وجعل روحك في عليين، حيث يلتقي الشهداء والصديقون، وحيث لا ألم ولا فراق، بل نعيمٌ أعدّه الله لمن صدقوا العهد، وما بدلوا تبديلا.