الصحبة الصالحة.. أهميتها وأثرها في تربية الأبناء

Cover Image for الصحبة الصالحة.. أهميتها وأثرها في تربية الأبناء
نشر بتاريخ

الأبناء نعمة من نعم الله العظيمة؛ فهم مصابيح البيوت، وقرة العيون، وفلذات الأكباد، وبهجة الأعياد، وعماد الأمة وعزها المجيد. وهم أحباب الرحمن، وزهرة اليوم، وثمرة الغد، وأمل المستقبل.

وببركة تربيتهم يستجلب الرزق وتنزل الرحمة ويضاعف الأجر، فقد أخبرنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف “إذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ” (1).

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عباده الذين يرغبون إليه في دعائهم أن يهب لهم ذرية طيبة تسعدهم، يقول الله عز وجل: وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (2).

وهم من الأمانات التي يسأل عنها يوم القيامة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته” (3).

ومن واقع الحرص الذي جعله الله تعالى في قلوب الوالدين نحو أبنائهما، ومن واقع الفطرة التي فطر عليها الوالدان، نربي أبناءنا ونحرضهم على صحبة الأبرار والأتقياء، كما أمرنا بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي” (4).

نربي أبناءنا على اختيار جلسائهم، لأن الإنسان بفطرته يميل إلى مصاحبة الآخرين، ولهذا أرشدنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أي جلسائنا خير؟ قال: “مَنْ ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَكُمْ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ” (5).

نربي أبناءنا ونعلمهم أن صاحبهم في الدنيا هو صاحبهم في الآخرة، فإن كان من أهل الجنة كانوا معه، وإن كان من أهل النار لا قدر الله فهم معه. قال تعالى الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ (6).

روى البيهقي عن علي رضي الله عنه في قوله عز وجل (الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ)، قال: “خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فبشر بالجنة، فذكر خليله فقال: اللهم إن خليلي فلان كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك صلى الله عليه وسلم، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، ثم يموت للآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثني كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، وينبئني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه كما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت علي، ثم يموت الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثني كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بأس الأخ وبأس الصاحب” (7). 

وفي هذا يبين لنا الله عز وجل مصير الأخلاء الأشرار، والصحبة السوء، قال تعالى: ويوم يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي (8).

نربي أبناءنا على أن قرين السوء لا يعينهم على دين ولا دنيا، وقد بيّن لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حال وآثار الصاحب الصالح والصاحب السوء في الدنيا، روى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه قال: “إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً” (9).

نربي أبناءنا على أن المرء على دين خليله كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عنه قال: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” (10).

فكل قرين بالمقارن يقتدي، قال علقمة بن لبيد في وصية لابنه: “يا بني، إن نزعتك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب من إذا صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة أعانك، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلمة سدها”.

يا لها من وصية نافعة ماتعة مانعة، باختيار الأبناء الصحبة الصالحة والرفقة الطيبة والجماعة الصادقة، وكذا توفير المناخ الأسري الدافئ الذي يسعهم هم وأصدقاؤهم، ليظلوا تحت مظلة الأسرة ورقابتها، حتى يشتد عودهم وتقوى إرادتهم ويملكوا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ والصالح والطالح.


الهوامش:

(1) أخرجه مسلم.

(2) سورة الفرقان، الآية 74.

(3) رواه النسائي (9129) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/365).

(4) رواه الترمذي في الزهد في جامعه، ورواه أبو داوود في الأدب في سننه.

(5) مسند أبي يعلى الموصلي، ج 4، ص 326.

(6) سورة الزخرف، الآية 66.

(7) الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي، ج16، ص 109/110.

(8) سورة الفرقان، الآية 26.

(9) صحيح مسلم، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة رفقاء السوء، ج 4، ص 2026.

(10) سنن الترمذي، ج4، ص 167.