المرأة وبناء الأمة

Cover Image for المرأة وبناء الأمة
نشر بتاريخ

يحتفي العالم كل عام في الثامن من مارس بالمرأة، يشنف أسماعنا بشعارات منصفة لها، ثم يخفت الصوت تدريجيا، في حين عزيزتي المرأة المسلمة كل أيام السنة وأنت الخير والبركة والجمال، مكافحة صابرة ثابتة، شمعة تنير حياة أسرتها، أولادها، زوجها، والديها، كل يوم وأنت شامة وأنت نجمة علياء في السماء، إذا كان العالم يكرم المرأة في الثامن من مارس، فنحن المسلمات ولله الحمد كرمنا الإسلام منذ 14 القرن، كرمنا ونحن بنات، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “لَا تَكْرَهُوا الْبَنَاتِ، فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ”. في طفولتنا نحن قرة العين وثمرة فؤاد والدها وسبب دخوله الجنة، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يكون لأحد ثلاثُ بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أُختانِ، فيتقي الله فيهنَّ، ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة”. ونحن زوجات أمر الحبيب صلى الله عليه وسلم بإكرامنا والإحسان إلينا وكف الأذى عنا.  عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” (رواه الترمذي وابن ماجه). ونحن أمهات لنا مكانة عظمى في الإسلام، أولى لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم بالمرتبة الأولى في حسن الصحبة، “جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ” (رواه البخاري). ونحن جدات تزيد قيمتنا لدى أولادنا وأحفادنا وجميع أقاربنا بخفض جناح الذل من الرحمة والخدمة والإحسان، والخالة والعمة بمنزلة الأم في البر والصلة، والأخت أمر الإسلام بصلتها وإكرامها والغيرة عليها… في كل أحوالنا أمر الحبيب عليه صلوات ربي وأزكى التسليم بحسن التعامل والرفق معنا، وتبقى وصيته الخالدة صلى الله عليه وسلم: “رفقا بالقوارير” تاجا نزين به رؤوسنا فخرا وتشريفا.

وأمام تصاعد مظاهر تشجيع المرأة المسلمة على العولمة والحداثة والمساواة، والإنسلاخ على فطرتها وأخلاقها ودورها الريادي في بناء الأمة، تحملني الغيرة على ما وصلن إليه  بعض بنات جنسنا من تقهقر وضياع بفعل عوامل متداخلة في بينها، في هذه السطور لست بصدد تشخيص الداء ولا بسط الأسباب، ولكن حملتني كلماتي التي جمّعتها واقتبستها إلى صياغة تذكرة لنفسي أولا ثم لجميع النساء المتهممات للوعي بدورهن المركزي في البناء وصناعة المستقبل،  خاصة مع ما يعرفه الواقع المغربي من نقاش مجتمعي واسع حول الأسرة ومصيرها وماهيتها ونوع العلاقة التي يجب أن تربط بين أفرادها. ومن جانب آخر ما يعرفه العالم من أحداث عظيمة تصنع التاريخ والمستقبل “طوفان الأقصى وصراع الحق والباطل، وتغيير مجرى التاريخ، تعبئة الأمة نحو التغيير “. لابد أُخيتي أن نفهم دورنا في البناء ونسلط الضوء عليه، وعلى أي أساس سنصنع المستقبل ونساهم في هذا البناء؟ ومن أين نستمد الإلهام والهمة ونحن في طريق البناء والتعبئة؟

سأحاول إن شاء الله بسط دور المرأة في البناء من خلال مدخلين أساسيين الأسرة والتربية، خاصة مع ما عرفته الأسرة من تحديات جسام خلال العقود الأخيرة، وأخطار خارجية عديدة تهددنا في هذا الحصن الذي نستمد منه قوة الإستقرار والقرار، ومنبع الأمن والأمان، ومشتل الأجيال الصالحة ومصنع الرجال القادة ومنبت الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية. غير أن أعداء هذا الدين يشتغلون ليل نهار في التخطيط وإعداد السبل لضربنا في هذا البرج ” الأسرة” الذي يعد مشتلا لتربية رجال المستقبل، ولبنة أساس لصنع مستقبل أمة الإسلام في العالم، مستقبل الخلافة على منهاج النبوة، مستقبل الحكم الإسلامي، ينتشل الإنسان ويهديه سبيل الملك الديان، تصنعه المرأة المؤمنة بحنكتها وكياستها وحسن تصرفها

فواجب المرأة المسلمة سواء أما وبنتا وأختا أن تعي مكانتها العظمى، فصلاحها في نفسها وتأثيرها في الوسط الاجتماعي ابتداء من بيتها هو صلاح الأمة، ” المرأة الصالحة هي عماد الأمة، ليس في هذا أية مبالغة لأنها حافظة الغيب، حافظة الفطرة والأسرة التي يتآمر عليها إبليس وحزبه جميعا، فهي وحدها كفاء لهم وهي متعهدة الأنفس” 1. في هذا الصدد أفرد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الفصل التاسع من الجزء الثاني في كتاب تنوير المومنات لدور المرأة في تربية الأجيال  تحت عنوان “الأمهات المؤمنات صانعات المستقبل “. من هنا نستلهم بعض الاقتباسات من هذا الكتاب، التي تستنهض فينا الهمة إن نحن تقاعسنا أمام الظروف والضغوطات، وتنفض علينا غبار النسيان إن نحن نسينا… 

“بيتها برج دفاع وذخيرة وتخطيط للمستقبل وتدريب جند على كياستها وحسن تصرفها يتوقف تحييد القاطنين والزائرين المَزورين، ثم استمالتهم، ثم تعبئة من فيه استعداد وغَناء، لكيلا يبطلوا خطط الدفاع وأخلاق الجند” 2.

“من برجها الإستراتجي الجهادي، تنبعث المؤمنة بعوثا في طليعتها البنات والأبناء، حفاظا عليهن وعليهم على الأقل… ويكون برج المؤمنة مشتلا لتربية الشجر الطيب، ومنطلق للبعوث الغازية، لا مجرد ملاذ في الأحضان، ومرفإ للمراكب المكنسرة، ومطعم ومضج… تستقر المؤمنة في قواعدها… تُسعد أهل بيتها وتسعد بهم. تشركهم كبارا وصغارا في مشروعها، تصل ولا تفصل “ 3. فمسؤولية الأم/المرأة “صنع تاريخ الإسلام، مسألة أجيال، مسألة قوة أجيال، مسألة كفاءة أجيال، مسألة إيمان أجيال، مسألة تربية أجيال، مسألة تأصيل أجيال، مسألة توصيل أجيال لتستقي من ينابيع الوحي وتستنير بأنواره” 4.

هنا نطرح سؤال أي تربية تفيد تخريج أبناء صالحين، رجال المستقبل، جند الله الحاملين لمشعل الخلافة على منهاج النبوة؟

التربية الجسدية والواقية: ابتداء من الحفاظ عليه نطفة في بطنها بأن لا تتسبب في إجهاضه وتتابع الفحوصات الخاصة بالحمل ولا تهمل العلاج وبعد وضعه تعطيه حقه من الرضاعة الطبيعية، ولقد كان من الصحابيات من يحذر النساء أن لا يخذلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساحة الوغى، وذلك بالحث على إرضاع الصبي جيدا والعناية بصحته حتى يكون قويا، وتعالجه إذا مرض وتتبع قوامه السليم في الأكل والشرب والنوم. تعوده على ممارسة الرياضة وخاصة ما وصى بها رسول الله من سباحة ورماية وركوب الخيل. تعله النظافة، فالنظافة المبكرة تنتظر الأم أن يحملها عنها طفلها حملا متدرجا، فإذا بلغ السابعة فالطهارة والوضوء والصلاة ترغيبا وتحبيبا، وقاية الجسم مع وقاية الروح تجتمع. واستنادا إلى التربية الوقائية للإمام الغزالي، يجب على المؤمنة حماية أبناءها من فساد الأخلاق والفطرة، بالعناية ببدايات نشأتهم بتدريبهم على بناء الجسم والاعتناء به بالرياضة كما نعتني بالعقل والأخلاق، فالعقل السليم في الجسم السليم، وخير رياضة ما أوصى بها معلمنا صلى الله عليه وسلم. الحرص كل الحرص على حسن تغذية الطفل ولا يلج في فمه إلا لقمة الحلال، بداية من إرضاعه لا ترضعه إلا  إمرأة صالحة متدينة تأكل الحلال، ليترعرع بالرزق الحلال الطيب وأكل صحي يقوي عوده، فنحن في حاجة إلى الرجل المؤمن القوي حالا ومقالا، شجاعا مغوارا، مقتحما للعقبات لا يهاب نوائب الدهر ولا أعداء هذا الدين. التربية الوقائية تدعوك أيتها الأم المربية إلى حفظ الأولاد والبنات من مشوهات الفطرة ومنغصات العقل، تيار الإباحية الذي استشرى في مجتمعنا الإسلامي وعمل الأنترنيت والتطور التكنولوجي بتسريع وثيرة تفشيه، احذري أيتها الأم من هذا العالم وهذه الوسائل فهي  سيف ذو حدين، كوني على علم بما يجري في هذا العالم الموار وحصني أبناءك من سلبياتها ومآلاتها، أصبح من الواجب عليك أن يكون لك وعي بالتربية الجنسية وتلقني أطفالك هذه التوعية وتُحصنيهم من وباء الإنحراف والفحش والميوعة والإنحلال، لا تتركيهم وحدهم في مواجهة الذئاب مُفسدي الفطرة، لا يتناهون عن خطة ينهجونها لإسقاط فلذات أكبادنا في المستنقعات، يشجعون على إنسلاخهم من كل خلق حميد، ويمهدون لهم الطريق بالمغريات، غايتهم قتل الحياء وكل فضيلة. هنا عليك أيتها الأم أن تتسلحي بالجندية والإقدام لتٌحصني قلعتك وسكانها، صاحبي أطفالك في كل صغيرة وكبيرة، اغرسي فيهم كل ما يقربهم من الله ويبعدهم عن غضب الله. الصلاة ، الصلاة الله الله في الصلاة تنهى عن الفحشاء وتنهى عن المنكر، القرآن نبراس ونور ودستور، الصدق والحياء. ” الحياء  أبو الفضائل، الحياء من أهم شعب الإيمان. الحياء وقاية، حياء من الله وإنكماش عن كل فعل يكرهه الله، وحياء توقير واحترام وأدب ولياقة، فتلك الفضائل “ 5.

● التربية الإيمانية-القرآنية: تعد نبع الفضائل، والركيزة الأساسية لدخول الأبناء حديقة الإيمان، وقنطرة النجاة من أنياب الدنيا وملذاتها وفتنها. قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]. هنا تحذير وتكليف وتخويف من الله تعالى بأن نحفظ فطرة أبناءنا وتربيتها على الإستقامة حتى لا ترتكب فعل قد يبعدها عن الله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟” ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله [الروم: 30].  

والأسرة هي مصنع الأخلاق السليمة، فصلاح الناشئة وتحليه بالإيمان مرتبط بصلاح الأسرة وأخلاقها، وإن كانت الأسرة تتكون من قطبين أساسيين مشتركين في التربية والبناء هما الأب والأم، غير أنه تبقى الأم المتعهدة الأولى لأنفس صغارها، وراعية الفطرة من الإعوجاج والتشوه، حريصة على ايقاظ الفطرة في نفس الطفل بتعريفه بربه وخالقه، عن عبد الله ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “افتحوا ‌على ‌صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله، ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله، فإنه من كان أول كلامه لا إله إلا الله وآخر كلامه لا إله إلا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد”. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله” تصاحب الأم نمو مولودها وتراقب حركاته وهو يحبو وجسمه ينمو، وعقله يتكون، ولسانه ينطلق، لقنيه لا إله إلا الله لتكون أول ما يلفظ عسى بركاتها تجري عليه مدى العمر” 6. على الأم أن تعيد محورية القرآن في تربيتها، بالوقوف عند أول كلمات تلقن للطفل وترسيخ لحظات الطفولة بربط العلاقة وثيقة مع القرآن والمسجد واغناءها وتجميلها في ذاكرة الطفل وتحبيبها له. عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه”. وهنا نستحضر رضي الله عن الإمام أحمد وأمّه التي كان لها دورا مركزيا في تحفيظه للقرآن.

‏يقولُ الإمام أحمد بن حنبل عن أمه :حفظتني أمي القرآن وأنا ابن عشر سنين وكانت توقظني قبل صلاة الفجر وتُحمي لي ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة وتُلبسني ملابسي ثم تتخمر وتتغطى بحجابهاو تذهب معي إلى المسجد لبعد بيتنا عن المسجد ولظلمة الطريق.

● التربية المستقبلية: لابد للأم من نظرة مستقبلية في علاقتها مع الله، وإعدادها للآخرة مربية لأجيال تنظر إلى المستقبل بنظرة التغيير وصناعة التاريخ بقوة العلم والإيمان مع الإستعداد للقاء الله تعالى. وهنا تستوقفني همة أم محمد الفاتح ‘ فاتح القسطنطينية”، ربته هذه الأم العظيمة على مكارم الأخلاق، وأعدته للمهمة الصعبة التي كانت تراود أحلام المسلمين من أمراء وقادة. بدأت البناء والتأسيس في طفولته المبكرة، تأخذه لصلاة الفجر لتريه أسوار القسطنطينية وتقول له في ثقة “يا محمد، أنت القائد الذي ستفتح هذه الأسوار، اسمك محمد وهو ما ينطبق على قول رسول الله، فأنت نعم الأمير”. وكان الطفل الصغير ينظر في عيني أمه ويرد مستغربا: ”كيف يا أمي افتح هذه المدينة الكبيرة”، فترد عليه الأم: “بالقرآن والقوة والسلاح، وحب الناس”، وتمسك يديه وترفعها إلى السماء داعية: “يا رب يا عظيم، يا مجيب الدعوات يا قادر على كل شيء، اجعل ابني هذا الأمير الذي يفتح القسطنطينية، اجعل البركة في هاتين اليدين اجعل نصر المسلمين يأتي من خلالها”. بالدعاء والإيمان والنظرة المستقبلية الثاقبة اعتنت هذه الأم بغرسها وصنعت التاريخ، وبعد وفاة والده السلطان مراد الثاني العثماني، أخذ مقاليد الحكم وانطلق لتحقيق ما غرسته أمه في نفسه وقضى على الإمبراطورية البزنطية وفتح القسطنطينية، وكان نعم الأمير ونعم الجيش كما بشر رسولنا الكريم.

● التربية العقلية العلومية: الحرص على صيانة عقل الأبناء وصقل مواهبهم منذ لحظة إدراكها، حفظ عقل الطفل بتعليمه العلم النافع والتفقه والتبحر في علوم الدين، والاستزادة من المعارف والعلوم الدينية والدنيوية الشريفة الكونية حتى يستطيع اللحاق بالركب في زمن العولمة. تربية الناشئة وفق منهجية متدرجة متكاملة، تميز رجل المستقبل لينهض بالأمة الإسلامية ويحمل هم تقدمها وتنميتها. هنا وكأني بفاطمة بنت عبد الله الأزدية أم الشافعي رحمه الله وهي تناجي الحبيب المصطفى وتنشد “يا حبيبي يا محمد… هاك ما تباهي به الأمم… اهديتك فلذة كبدي… وقهرت به الزمن… يا حبيبي يا محمد يا من هديتني السبيل. هل تقبل هديتي؟ تشفع لي في يوم لا ينفع فيه إلا من أتى الله بقلب سليم. بتربيتها وحنكتها وصدقها صدقت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم “عالم قريشي يملأ الأرض علما”. كانت هذه الأم حافظة للقرآن والحديث بصيرة بأحكام الشريعة، وهو ابن أربع سنوات تحدثه وتقول: “يا بني مات أبوك وإننا فقراء وليس لنا مال، وإني لن أتزوج من أجلك وقد نذرتك للعلم، لعل الله يجمع بك شمل هذه الأمة. فهمت جيدا وصية الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن التكاثر يكمن في الكيف وليس الكم ليباهي بنا الأمم، فقهت جيدا أن المؤمنة واجب ألا تضع غثاء، ولا تتسبب في التكثير الأرنبي، وغيرها يربي صقورا ونسورا. نعم ربت الفقيهة الهاشمية صقرا اسمه الإمام الشافعي. يُحكى عن طفولة الشافعي رحمه الله ومسيرته العلمية “أن أمه حلمته  ابن سنتين إلى مكة مهاجرة من غزة بعد وفاة زوجها، فدفعته إلى الكتاب ولفقرها وقلة يدها لم يكن عندها ما تعطي المعلم، فجاءها الصبي يبكي لما تلقاه من سوء معاملة وتمييز من معلمه، هذه العقبة اقتحمتها الأم العظيمة بإتقان أوصت طفلها بالذل للعلم والأدب مع المعلم حتى يتميز بين أقرانه من أبناء الجاه، وأن يجلس بقرب أحد الصبية الأغنياء ويلتقط منه ما يعلمه إياه المعلم، وحصل ما كانت تصبو إليه، فكان رحمه الله وهو ابن أربع سنوات يخلف المعلم إذا غاب في تعليم الصبية، وأخذ مكانه في الغياب مقابل أن يزيد في تعليمه ويحفظه القرآن دون مال. جمع القرآن وهو ابن سبع سنوات، دخل المسجد وجالس العلماء وحفظ الحديث، ولم يكن عند الأم مالا لتشتري به القراطيس لإبنها طالب العلم، استهانت الأم بهذه العقبة كذلك فكانت تذهب إلي حيث تُذبح البهائم، فتجمع عظام أكتاف الإبل تغسلها وتجففها وتحملها لتكون أناجيل لعلم ابنها، فكان يأخذ العظم فيكتب فيه فإذا امتلأ طرحه في الجرة حتى اجتمع عنده جرتان، ومرة أخرى كانت تذهب إلى ديوان الكتبة فتجمع ما رماه المدون من بقايا الأوراق فتصلحها وتجمعها ليدون عليها الإمام العلم. وحفظ كل كتب السنة التي كانت متواجدة حينها وهو ابن ثلاثة عشر سنة. توقدت همة الشاب الصغير وكبرت طموحه، التقط كلاما من الفقيه المصري الليث ابن سعد كان في زيارة لمكة مفادها أن سبب اختلاف الأمة هو ضعف علم الناس باللغة، فعزم على أن يكون سببا في توحيد الأمة، ورجع لأمه فطرح المسألة عليها، فكانت نعم الموجه والسند كالعادة وجهته إلى قبيلة هذيل في قلب الصحراء أفصح قبيلة عربية، فآثرت نفسها ووحدتها لترمي بإبنها أربع سنوات بعيدا عنها وهو ابن ثالث عشر سنة، ليتعلم اللغة العربية. رجع ومعه عشرة آلاف بيت شعري. فأصبح من أفصح الفقهاء في اللغة العربية. وهو ابن ثماني عشر سنة جاءه منصب يحلم به كل طالب علم حينها أن يصبح من مفتيي الحرم، فكانت الأم حازمة ورفضت المنصب سألته هل أخذت علم الإمام مالك؟ هل أخذت علم الإمام أبي حنيفة؟ على من تُفتي وأنت لم تُكمل طلب العلم. فرهنت البيت الذي كانت تملكه واشترت موطأ الإمام مالك، فحفظه الشاب المطيع لوالدته في خمسة عشر يوما وسافر إلى المدينة ليأخذ علم الإمام مالك، فمكث تسع سنوات معه حتى أخذ كل علمه وفقهه، بعدها قرر السفر إلى أخذ علم ابي حنيفة بالعراق. سيرته رحمه الله مع والدته العظيمة تستحق وقفة متأنية فاحصة لاستنباط الدروس والعظات في تربية الأبناء على هدف واضح واقتحام العقبات وتدليلها لتحقيق هذا الهدف. قضى حياته ليؤلف بين الأمة ويوحدها بعلمه تحقيقا لنبوءة رسول الله “عالم قريشي يملأ الأرض علما” قال فيه الإمام أحمد ابن حنبل: “كان كالشمس في الدنيا وكالعافية للناس”.

التربية الحكيمة: يقع على عاتق الأم اللبيبة الهينة اللينة أن تتحمل مسؤولية تربية أبناءنا وسط قساوة الوضع بالمجتمعات، أن تعي هذه الأم بأن التربية حكمة ووضع لها معاني الرحمة والحنان والمحبة والرفق، لتخرج لنا جيلا يكون شعلة وسط أقرانه، وسط المدارس والمعاهد والكليات، يناقش وينتقد ويحاور بإحترام وعلم وقوة. تربية تصل وتقطع، تكون صلة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتواصي بالصبر والكينونة مع الصابرين الآمرين بالمعروف المصطفين في صف الحق والخير، وتقطع مقاطعة جذرية لمحرفي الفطرة وكل ما يمكن أن يجرف الفطرة ويشوهها.

ولنا إسوة حسنة في رسولنا الكريم، في حكمته وحنانه ولينه وهو القائد العظيم، كان صلى الله عليه وسلم لا يدع ابنته فاطمة إلا قبلها في جبينها. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب الحسن والحسين وسائر أحفاده وأسباطه، وكان يعلن ذلك أمام الملأ، وكان يعبر عن ذلك بالقبلة والعناق والاحتضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “من لا يَرحم لا يُرحم”. و كان الرسول صلى الله عليه يحب أبناءه ويخاطبهم بالرحمة واللين، فعن أنس بن مالك قال: “ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم”. فمحورية بناء شخصية الطفل القوية ونفسيته المتوازنة تنطلق من تربية رحيمة حكيمة، توازن بين الرفق والحنان والضبط والعزم والإقدام.

 الأم الواثقة بموعود الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيقا للغاية الاستخلافية، عليها أن تعي وظيفتها وتفهم مركزيتها بأنها صانعة لمستقبل الإسلام وصانعة للتاريخ من برجها عبر أبناءنا أمانتها، تزرع فيهم صفة المروءة وتربي فيهم خصال الإيمان، وتدربهم على حمل الأمانة واقتحام العقبة وخدمة الدعوة. تُعدهم وتُجهزهم لتكون هي وهم ممن ساهموا في إعادة العزة والمجد للأمة. فنصيب المؤمنة في الجهاد وبناء الأمة تحقيقا للنصر الموعود أن تنجب مجاهدين ومجاهدات قويين وقويات لا يهابون ولا يخافون في الله لومة لائم، فخدمة الأمة في هذا الجانب ليس تفريخ أعدادا بشرية وإنما يتم بتخريج الولد الصالح “العدة القوية المحصنة”  الذي يكون ذخرا باقيا في الدنيا والآخرة عملا يرضاه الله، مساهما في إصلاح أمته متهمما بهمها وبإحياءها وصناعة مستقبلها.


[1] عبد السلام ياسين، سنة الله، ص: 275.
[2] نفسه، ص:211، ج2.
[3] نفسه، ص 213، ج2.
[4] نفسه، ص:216، ج2.
[5] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ص: 249، ج2.
[6] نفسه، ص: 251، ج2.