في إطار حملة نساء العدل والإحسان التي انطلقت في التاسع من شهر رمضان الفضيل لسنة 1446 ه الموافق لمارس 2025 تحت وسم #أجي_نقولك_كليمة #باش_اللمة_تبقى_ديمة، ولكي تدوم اللمة وتتحقق الغاية من الزواج وتكوين أسرة؛ لابد من التذكير أن أعظم النعم التي يمن بها الله عز وجل على عباده نعمة الذرية، ويزداد الشكر لهذه النعمة إن كانت الذرية صالحة نافعة، فالولد الصالح من عمل الأبوين الصالحين، ومشتل ذات ثمار طيبة لهما في الدنيا والآخرة. جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” [رواه مسلم]. والولد الصالح ثمرة بيت تعمه السكينة والمودة والرحمة، تفيض أفئدة ساكنيه رأفة وحنانا، عامرة بحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قلوب تتشوف إلى مقامات الإحسان، وتسعى إلى التسلق في مدارجه.
تعد مسؤولية الرعاية والتربية في ظل الأسرة المسلمة عملية مشتركة بين الأبوين، بوجود قطبين متكاملين الأب والأم، الواحد يكمل الآخر، فالرسول صلى الله عليه وسلم خص الأب والأم بحق الابن عليهما. عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «كلكم رَاعٍ، وكلكم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ: والأمير رَاعٍ، والرجل رَاعٍ على أهل بيته، والمرأة رَاعِيَةٌ على بيت زوجها وولده، فكلكم راَعٍ، وكلكم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ”. وفي لفظ: “كلكم رَاعٍ، وكلكم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ: الإمام رَاعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ، والرجل رَاعٍ في أهله ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ، والمرأة رَاعِيَةٌ في بيت زوجها ومسؤولة عن رَعِيَّتِهَا، والخادم رَاعٍ في مال سيده ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ، فكلكم رَاعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ” [متفق عليه].
ولا تتحقق الذرية الصالحة إلا بالنموذج الصالح للأب والأم في البيت وخارجه. فإن كان النموذجان صالحين شاعت أنوار صلاحهما على الذرية الصالحة بإذن ربها. وصلاح نموذج الأبوين ينفع الأولاد حتى عند غيابهما. وهذا ما أشار إليه سبحانه وتعالى في سورة الكهف [82] من خلال قصة موسى عليه السلام مع الخضر وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا. وذكر ابن كثير أن الآية دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته.
والتربية حضور فعلي في الأسرة من خلال أب صالح مسؤول؛ فللأب مسؤولية جسيمة لسير الأسرة نحو بر الأمان وإبعادها عن الأهوال والأخطار، وما أكثرها في واقعنا المتردي على كافة المستويات، اجتماعيا وتربويا وتعليميا… فالأب الصالح يأخذ بيد أطفاله نحو بر الأمان بحسن الصحبة والتوجيه والمراقبة اللينة دون غلظة ولا عنف ولا جفاء. وفي غياب دور الأب الأساسي؛ ينتج جيل معطوب متشتت منغلق على نفسه، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله “تتشكل غيتوهات حول الأسرة الغائب أبوها” 1. وكلمة “غيتوهات” تفيد في علم الاجتماع انعزال فئة أو فرد عن المجتمع المحيط به وعدم الاندماج معه. وهذا ما يسببه غياب الأب من حياة أبنائه. لا تقتصر مسؤولية الأب على الجوانب المادية بالإنفاق وتحمل معاش الأسرة فقط، ولكن رأفته وعطفه ومحبته تعد من الأساسيات التربوية لتخريج جيل متوازن نفسيا. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “من لا يَرحم لا يُرحم”. وكان الرسول صلى الله عليه يحب أبناءه ويخاطبهم بالرحمة واللين، فعن أنس بن مالك قال: “ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم”. فمركزية بناء الشخصية القوية لرجل المستقبل الصالح ونفسيته المتوازنة تنطلق من تربية رحيمة حكيمة، يمارسها الأب والأم معا.
والأم مدرسة، غيابها أمر جلل وخطب عظيم في حياة الأبناء، دورها مركزي ومهم في تربية وتعليم واحتضان أفراد أسرتها، فإذا كانت الأمهات مشغولات عن الاهتمام بالبيت والأسرة “فلا يبقى لهن ما يكفي من الوقت لتحمل مسؤولياتهن في البيت، وليعتنين بشؤونه الداخلية، ولينشئن أطفالهن، وليشعن جوا طيبا” 2. وإن انشغلت الأم عن دورها المركزي في الأسرة، فلنقرأ السلام على هذه الأسرة التي نبتغي من وراءها تحقيق الاستقرار والأمان؛ استقرار وأمان المجتمع ككل. لا تقف الأمومة الصالحة على الحمل والرضاعة، والطبخ والنظافة، بل مفهومها أوسع وأشمل من ذلك، فالرعاية بالناشئة روحا وقلبا من أوكد واجبات الأمومة، تعهد فؤاد الصبي ونفسيته بغرس بذور الخير وقيم الإسلام منذ نعومة أظفاره، واجب الأم اتجاه فلذات كبدها، لتحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة، تكون ذرية صالحة تدعو للأم والأب معا، تكون لهما ذخرا في الدنيا والآخرة، وذخرا للأمة. فشتان بين من حملت وربت وصبرت وعلمت وتعهدت، وبين من أنجبت وتأففت وضجرت وألقت بقرة عينها إلى الشوارع، وتركتها لوسائل الإعلام بلا رقيب ولا حسيب، ورمت بها في أحضان الخادمة، ورفقة السوء تشوه فطرتها. فمن سرها أن يبرها ولدها فلتبره في صغره بحسن رعايته وتربيته، فطوبى لمن برت ولدها فبرها ودعا لها ولأبيه. قال علي كرم الله وجهه “بروا أولادكم يبروكم”.
إن مهمة الحفاظ على الفطرة، مهمة مشتركة بين الأبوين، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء”، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30].
نستشف أن مهمة الحفاظ على الفطرة منوطة بعمل مشترك ومسؤول يتوقف على وجود أبوين مسؤولين من باب رعاية المسؤولية والأمانة التي بين يديهما. نعم الأطفال أمانة وجب حفظ حقهما في حسن التربية وحفظ الفطرة. أخبرنا عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: “وإن لولدك عليك حقا”. ويتوقف على الأبوين الراغبين في حفظ فطرة أطفالهم، حفظ رباطهما القوي أولا، والتعاون على تماسكه وثباته.
قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21]، إنها الرحمة والمودة مفتاح البيوت. والرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر، الرحمة عاطفة إنسانية راقية تجمع بين الحب والتضحية وإنكار الذات والتسامح والعطف والعفو والكرم. والمودة أساس أسرة متماسكة وثابتة تحافظ على فطرة الأبناء وصلاحهم، قال مصعب بن الزبير أدركنا مشايخنا بالمدينة يقولون “المودة بين الآباء قرابة بين الأبناء”. ولن يتحقق ذلك إلا إذا اجتهد الزوجان في تجديد حياتهما الزوجية، وإلا فكيف لمن ضيع نفسه أن يحفظ غيره. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرجل إذا نظر إلى امرأته، ونظرَتْ إليه، نظر الله تعالى إليهما نظرةَ رحمة، فإذا أخذ بكفِّها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما”.
وصية غالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوصيته الغالية للمودَّة والحبِّ والرومانسية؛ تعني أن ينتهج الزوجان كلَّ أنواع الوسائل لتجديد زواجهما واستمرار لمتهما من رسائل المودَّة والحب بالنظرة، ذلك الحب الذي لا يكلف شيئًا ولا يبذل فيه جهد، ولا ينفق من أجله مال؛ يكون سببا لتتنزل رحمة الله عليهما وبهما، لتكون الرحمة معهما وبهما، لتكون الحاضر والمستقبل لأسرتهما. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله “بالمودة والرحمة الحميمين يتميز الزواج المطابق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة، وبهما لا بمجرد العقد القانوني يحصل الاستقرار في البيت، والاستقرار في البيت يشيع الاستقرار في المجتمع” 3. القصد والغاية الفضلى من وراء الزواج إنتاج ذرية طيبة متوازنة أساس بناء أمة قوية ومتينة. ويقول رحمه الله أيضا: “إذا كانت العشرة الزوجية معتلة فالأمومة معوقة والذرية ترضع الآلام” 4. وباتخاذنا أسباب صلاح ونجاح الزواج منذ البداية نتجاوز العلة ونحقق العبودية لله عز وجل من خلال هذا الميثاق الغليظ والمقصد من الاستخلاف في الأرض؛ بتخريج إلى الأمة الولد الصالح الذي إذا مات الإنسان لا ينقطع عمله به ويظل يدعو لوالديه، ويكون عُدة للأمة في وجه الطغيان والظلم، وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: 60] صدق الله العظيم.