بعض أسرار رمضان والغاية من الصيام

Cover Image for بعض أسرار رمضان والغاية من الصيام
نشر بتاريخ

يقول الله تعالى في محكم تنزيله شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ (سورة إبراهيم الآية 7).

لقد خص الله رمضان وميزه عن باقي الشهور بنزول القرآن، في ليلة مباركة هي عند الله خير من ألف شهر، فاستمد رمضان بركته، ونوره، وعظمته، من بركة القرآن ونور القرآن وعظمة القرآن، حيث تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران، تصفد الشياطين ومردة الجان، تمتلئ المساجد بالمصلين، ويقبل الناس على قراءة القرآن، الأجر والثواب فيه مضاعف، حيث الفريضة في رمضان تعادل سبعين فريضة في ما سواه،  عن سلمان الفارسي أنه عليه الصلاة والسلام قال في رمضان: “من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه” 1.

فرض الله صيامه على المسلمين تعظيما للشهر الكريم، وشكرا لله على نعمة القرآن، وتربية وتهذيبا لهذه النفس لعلها تقبل على الله بالطاعات، وتتجنب ما نهى الله عنه من الفواحش والمنكرات، فالصيام جنة ووقاية وتضييق لمجاري الشيطان، وتقوية وتنمية لمعاني الإيمان والإحسان في الإنسان.

إن رمضان فرصة سنوية للوقوف مع هذه النفس التي تميل إلى حب الشهوات، فرصة ليتدرب الإنسان المسلم ويتعلم كيف يتحكم في هذه الغرائز والشهوات، يتدرب على الصبر على شهوتي البطن والفرج، والذي استطاع الصبر على الشهوات في نهار رمضان طاعة لله ورغبة في الأجر والثواب، قادر وبإمكانه أن يصبر عليها طيلة السنة، حيث يوجهها ويتحكم فيها، فيبتعد عما حرم الله، ويجتهد في طلب الحلال في مختلف مجالات الحياة.

إن صيام رمضان تربية وتعليم وتأديب رباني لهذا الإنسان، لعله يدرك أن طريق طاعة الله واتباع رسله، والتمسك بالقرآن والتخلق بأخلاقه، لا بد فيه من صبر ومصابرة، فالطريق طويل والعقبة كؤود، وقطاع الطرق كثر، ولعل أول ما يعترض طريق الاستقامة إلى الله، هو عقبة الشهوة والغريزة، شهوة البطن وشهوة الفرج، والتي قد تنحرف بالإنسان وتجره إلى منحدر الغفلة والبعد عن الله، منحدر حب الدنيا والتشبث بها، وكراهية الموت وكل ما يذكر بالآخرة.

يأتي رمضان حتى يذكر هذا الإنسان أنه ما خُلق إلا لكي يقوم بوظيفة العبودية لله، وأن شهوة البطن والفرج وسائل قيمتها من مدى مساعدتها لهذا الإنسان حتى يعبد الله ويتقرب إليه، إن شهوة البطن والفرج لا سلطة لها على الإنسان، بل وبإمكانه التحكم فيها وتوجيهها حتى تخضع لشرع الله، وما الصوم إلا تربية وتدريب رباني للإنسان حتى يتعلم كيف يتحكم في الشهوات والغرائز، ويصبر عليها، ويقلل من شأنها، فهي مجرد وسائل وأدوات لا يجب أن تتحول إلى غايات توجه حياة الإنسان، بل وتحوله إلى مجرد أداة في يدها.

إن رمضان رسالة ربانية سنوية لهذا الإنسان، تذكره بأنه عبد لله وحده وليس عبدا للشهوة والغريزة، وأنه لا بد له من صبر ومصابرة للتحكم في هذه الشهوات وتوجيهها، والصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان، والصبر قريب من التقوى كما قال صلى الله عليه وسلم، والتقوى هي الزاد الذي لا بد منه للسير في طريق الاستقامة، طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، طريق القرآن، طريق الهدى والفرقان.

رمضان فرصة للوقوف مع ما نتلفظ به من كلمات وعبارات، لا نلقي لها بالا قد تهوي بنا في النار، ونتعلم كيف نختار الكلمات والعبارات التي لا تغضب الله، ولا تسيئ لخلق الله، ومن تحكم في لسانه في نهار رمضان حرصا على صيامه، قادر وبإمكانه أن يتحكم في لسانه طيلة السنة حرصا على نيل رضى ربه، واستحضارا لمراقبته، قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: “الصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخَب، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم”. 2

رمضان تجلٍّ لرحمة الله الواسعة بهذا الإنسان، حيث نزل القرآن رسالة الله لهذا الإنسان، تحدد له ما ينبغي عليه فعله حتى يكون من عباد الله المخلصين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يكون من الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

إن رمضان فرصة سنوية للاحتفال بالقرآن الكريم كلام الله، قراءة وتدبرا وحفظا، فرصة حتى نرجع لكتاب الله، نعرض أعمالنا وأخلاقنا بل وحياتنا عليه، فرصة حتى نجدد صلتنا بالقرآن ونقوي ارتباطنا به حتى لا يكون خصمنا غدا يوم القيامة، فيقول يا رب إن عبدك فلان اتخذني مهجورا.

إن رمضان زمن مبارك فيه قراءة القرآن سهلة ميسرة، وأجر القارئ مضاعف أضعافا كثيرة، فلنغتنم الفرصة ونكثر من قراءة القرآن بنية التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده.

رمضان شهر القرآن، وحتى نعيش معاني رمضان لا بد لنا من الاعتكاف على كتاب الله قراءة وتدبرا وحفظا وتخلقا، أفرادا وجماعات بل مجتمعات ودولا.

القرآن الكريم هو المفتاح الذي به نفهم ما يعرفه العالم من تغيرات وتحولات وظواهر وأحداث، إذا نحن عدنا إليه نعظمه ونقدسه ونعمل بمقتضاه، لا بد من اتخاذ كتاب الله تعالى إماما حتى يجمع ويوحد فهمنا وسلوكنا وسيرنا كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رمضان مطهر للقلوب حتى تصلح لتلقي القرآن الكريم بنية التنفيذ، وبهمة وإرادة جهادية عالية تسعى للتخلق بأخلاق القرآن، والحكم بما جاء في القرآن، رمضان عتق من النار وفرصة سنوية للتوبة والإنابة والرجوع إلى الطريق المستقيم، طريق القرآن، طريق الهدى والنور، طريق الإقبال على الله، والإكثار من ذكره، وحسن التوكل عليه، واليقين في نصره وتمكينه.

جعل الله تعالى رمضان فرصة سنوية للعباد حتى يجددوا توبتهم لله ويستغفروه على ما اقترفوه من أعمال، إنه فرصة سنوية لشكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، إن الصوم وترك شهوة البطن والفرج تقربا لله وشكرا له من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله، والتي تورث محبته ورضاه.

إن رمضان فرصة سنوية لأمة الإسلام حتى تجدد العهد مع الله وتشكره على نعمة الإسلام، نعمة القرآن، حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، الذي انتشل الإنسان من ظلمات الكفر والجهل والظلم إلى نور الإيمان والعلم والعدل.

جعل الله لنا رمضان فرصة سنوية، ودورة تدريبية متكاملة، حتى نتذكر ونتوب ونرجع ونحاسب أنفسنا ونزن أعمالنا، ونعرض أخلاقنا على القرآن، لنقوم الاعوجاج ونضع اللبنات الأساسية لبناء الشخصية الإيمانية المتوازنة التي تصحبنا طيلة السنة، ونكون كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان خلقه القرآن.

 

 

 

               


[1] والحديث أخرجه ابن خزيمة.
[2] رواه البخاري ومسلم.