تعظيم وتوقير المصطفى ﷺ صمام أمان للأمة وسبيل لهداية الإنسانية الحائرة

محتويات المقال
- 01المقدمة
- 021. بشارات تعظيم تشهد له الكتب والآثار قبل تحققه
- 032. موجبات التعظيم الإلهي لمقام النبوة
- 043. التعظيم: حقيقةٌ تتجاوز الوجدان الباطن
- 054. المحبة النبوية: اقتداء وسُلوكٌ لا شعورٌ وقعود
- 065. المحبةُ بوابَةُ المعيّة
- 076. إجلال العلماء: توقير للإرثِ النبوي
- 087. المسلك الرشيد في مناسبة المولد النبوي
- 09الخاتمة
المقدمة
ما الذي يجعل تعظيمَ المصطفى صلى الله عليه وسلم منزلةً تتجاوز حدود المحبة الوجدانية والتعلّق العاطفي؟ وكيف لا يكون توقيرُه وإجلالُه من صميم الإيمان، وقد جاء التنزيل ليقرن الإيمان بالله ورسوله بتعزيره وتوقيره؟
ثم لِمَ ذُكر خبرُه في الكتب والأخبار السابقة، ولِمَ بشّر به الأنبياءُ أقوامهم؟ أليس في ذلك ما يدل على عظيم قدره، ورفيع منزلته، وخصوصية بعثته، وشرف الأمة التي تحمل رسالته؟
وإذا كانت بشارات الأنبياء به قد سبقت ظهوره، أفلا يجدر بنا أن نتأمل حاجة الإنسانية اليوم إلى النور الذي جاء به، بل وحاجتها إلى حنانه وسعة صدره؛ وهي تعاني أزماتٍ متلاحقة في القيم والمعنى والعدل والرحمة، وتبحث عن سبيل يعيد للإنسان إنسانيته، وللحياة غايتها، وللمجتمع ميزانَه الأخلاقي والقيمي؟
إن استحضار هديه صلى الله عليه وسلم في هذا السياق ليس استدعاءً للماضي فحسب، بل استحضارٌ لنموذجٍ رساليٍّ كامل، تتطلع الإنسانية اليوم إلى هدايته في بناء الإنسان وإقامة العدل وصيانة الكرامة؛ والبشائر في ذلك لا تنقطع.
1. بشارات تعظيم تشهد له الكتب والآثار قبل تحققه
إنّ تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يمتد إلى ما قبل بعثته؛ فقد هيّأت البشارات والإرهاصات الواردة في الكتب السابقة والرسالات الأرواحَ والقلوبَ لاستقباله خاتمًا للأنبياء وموعودًا غير طارئ في التاريخ، ولقد تجلت بعض معالم هذه المعرفة السابقة في موقف الصديق أبي بكر رضي الله عنه عند إيمانه به، وعند تلقيه خبر الإسراء والمعراج بالتصديق المطلق دون تردد، وفي ذلك يتضح أن الاستحضار الواعي لهذه البشارات يورث المؤمن تصديقًا راسخًا، وتوقيرًا صادقًا، وحبًا يُعظّم قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومكانة رسالته الإنسانية.
نطق القرآن الكريم بأن أهل الكتاب كانوا يجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة عندهم قبل مبعثه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157].
وقد أخذ الله على النبيين أنفسهم عهدًا بالإيمان به إذا جاء مصدقًا لما معهم، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]،
وبذلك، فمقامه صلى الله عليه وسلم لم يكن غريبًا عن مسار الرسالات، بل كان الغاية التي تواطأت عليها البشارات، والعهد الذي أُخذ على الأنبياء أنفسهم قبل أممهم.
ومن أبين هذه البشارات ما أخبر به القرآن على لسان عيسى عليه السلام نفسه، إذ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6].
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم صلة بعثته بدعوة إبراهيم وبشارة عيسى، فقال: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى"[i]، فربَط بذلك بشارة عيسى عليه السلام بدعوة إبراهيم عليه السلام من قبله، ليكون مبعثه صلى الله عليه وسلم تحقيقًا لسلسلة من البشارات لا حدثًا منقطع الصلة بما قبله.
ومما يُذكر في هذا الباب ما ثبت في صحيح البخاري من قصة هرقل عظيم الروم حين سأل أبا سفيان عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم أبو سفيان، فلما تحققت له الصفات موافقةً لما عنده من علم أهل الكتاب، قال: "إن يكُ ما تقول فيه حقًا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم"[ii].
إن استحضار هذه البشارات لا يراد به مجرد سرد تاريخي، بل هو تعميق لمعنى التعظيم ذاته؛ فإذا كان الله سبحانه قد أخذ العهد على الأنبياء بالإيمان بهذا النبي قبل مجيئه، وبشّر به عيسى عليه السلام باسمه، وتحققت صفاته عند من كان يقرأ الكتب السابقة، فإن ذلك يزيد المؤمن يقينًا أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ليس تعظيمًا لشخصٍ عارض في التاريخ، بل هو تعظيمٌ لمن اصطفاه الله واصطفى ذكره قبل أن يُخلَق، وهذا بعينه هو الأصل الذي يقوم عليه تعظيمُه صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي تفصيله: أنّ هذا التعظيم متجذرٌ في اختيار الله له واصطفائه، لا في محض تقدير بشري لاحق.
2. موجبات التعظيم الإلهي لمقام النبوة
قال سبحانه: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9]؛ أورد ابن كثير في تفسيره: "وتعزروه: قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه، وتوقروه: من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام"[iii]، فالآية تجعل النصرة والإجلال مستلزما إيمانيًا، لا مجرد شحنة وجدانية يُستفرغ فيها الشوق والتعبير اللفظي والادعاء، وللإشارة: التعزير والتوقير في الآية متعلقان بالنبي ﷺ، أما التسبيح فمتعلق بالله تعالى، وهو ما تقرره كتب التفسير بوضوح..
إنّما أوجب جلّ جلاله إجلالَ نبيّه صلى الله عليه وسلم لكونه رسول الله، يتلقى الوحي ويبلغه كما أُوحي إليه، والمصطفى لحمل رسالته الإلهية إلى العالمين؛ إذ يقول جلّ شأنه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
فمقامه المنيف صلى الله عليه وسلم مفارقٌ لسائر مقامات البشر؛ إذ غدت طاعته امتدادًا لطاعة الباري، وغدا اتباعه عمدة الإيمان وجوهره: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. ومن ثمَّ، فلا ينفكّ تعظيمُ شخصه الكريِم عن إجلال سنّته، والانقياد لأمره ونهيه.
المحَكُّ العملي؛ ليس السؤال: هل ينبض القلبُ بحبّه؟ بل المحكّ الحقيقي: هل يُقَدَّمُ هدْيُه صلى الله عليه وسلم إذا نازعَ الهوى نزَواتِه؟ فإنّ دعوى المحبة التي تفتقر إلى برهان الاتّباع تظلُّ أثرًا بلا عين.
3. التعظيم: حقيقةٌ تتجاوز الوجدان الباطن
أنزل الله سورة الحجرات لتكون منهاجًا أخلاقيًا يُهذّب أدب الأمة مع مقام نبيها صلى الله عليه وسلم؛ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2]، ثم أعقبها بالثناء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: 3]، فتلك دلالةٌ بَيّنة على أنّ السمْتَ الظاهرَ انعكاسٌ لصلاح الباطن وزكاته.
ومن معالم الأثر لدى السلف ما نقله الطبري عن قتادة في الآية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ إذ قال: "أمر الله أن يُهاب نبيه، وأن يُبجَّل، وأن يُعظَّم، وأن يُفخَّم، ويُشرَّف"[iv]. ونقل ابن كثير المعنى ذاته: " قال الضحاك عن ابن عباس: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله عن ذلك إعظاما لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: فقولوا يا نبي الله، يا رسول الله، وهكذا قال مجاهد.."[v]، وقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ قال: "أمرهم الله أن يشرفوه"[vi].
4. المحبة النبوية: اقتداء وسُلوكٌ لا شعورٌ وقعود
قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"[vii]. فجُعلت المحبةُ هنا إمارةَ كمال الإيمان، وقد رسم التنزيلُ المنهجَ السالك لتلك المحبة الإلهية والنبوية بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فالامتثال والاتّباع هما الميزان القسط لمعيار المحبة؛ وبذلك ينبغي أن أتساءل وتتساءل: هل أتحرّى الصدقَ اقتفاءً لسنته؟ وهل أصفَحُ عمّن ظلمني إحياءً لشيمه؟ وهل أؤدي الأماناتِ وأصونُ اللسانَ اقتداءً به؟ وهل أرحم الضعيف، وأقدّم سنته على نَزَعات النفس؟
إنّ هذه التساؤلات التطبيقية وغيرها هي المعين القلبي الذي يمد الجوارح بقوة الاستقامة.
ومن اللافت أن هذه المعانى في الحثّ على الاتباع والاقتفاء العملي، هي بعينها ما شدد عليه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه الإحسان، إذ يرى أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن تعلقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم تعلقًا بمجرد مبلّغ أدى رسالته، بل بشخصه الكريم الذي اصطفاه الله؛ فـــــتميّزوا بتعلقهم بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أحضان تلك الصحبة النبوية تربَّت قلوبهم حتى تفجرت فيها ينابيع الإيمان.
وإليكم النص الكامل؛ حيث يقول: "امتاز الصحابة رضي الله عنهم بتعلقهم الشديد بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن عندهم ولا عند كل تقي أوّاه من هذه الأمة مجرد مبلّغ أدى رسالته ومضى، بل كان رسول الله. كان الشخص الذي اصطفاه الله. القرآن رسالته والبيان بيانه. تسمو بهم البيان إلى القرآن، ويرفعهم المكرم عند الله، ويسمو بهم العميقة للشخص المحبة ذرى الإحسان.[viii]"
وفي الصفحة الموالية يبين كيف أثمر هذا التعلق الوجداني والتربوي في قلوبهم:"بالحب تربى الصحابة لا بالخضوع لسلطة حاكمة. رشفوا واستقوا حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان. وكانوا أبر الناس قلوباً وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفاً. في أحضان النبوة تربوا..."[ix].
5. المحبةُ بوابَةُ المعيّة
تجلّت القاعدة النبوية الجامعة في قوله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"[x]، وهي قاعدة عظيمة تؤسس لآثار تربوية جليلة؛ إذ إنّ مَن أفعَمَ قلبه بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، صَرَفَ همّته لمطالعة سيرته، وتأمّل هَدْيه، وتخيّر المجالس التي تعينه على تمام الأسوة به.
فالصحبة المعنوية ليست تعلّقًا أوهامِيًا، بل استقامة يُصاغ بها السلوك؛ ومن هنا كانت ملازمة العلماء العاملين والصلحاء وسيلةً جادة لترسيخ هذا الاقتداء، وقد أصّل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله لهذا المعنى الأخير تأصيلًا دقيقًا حين ربط معية النبي صلى الله عليه وسلم بمعية أصحابه، مستحضرًا قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، ليخلص إلى أن "صحبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفعتهم رفعة سبقت مقاله صلى الله عليه وسلم حالُه ونوره"[xi].
ومن هنا كان مفتاح محبته صلى الله عليه وسلم عنده صحبةً ومحبةَ المحبين المحبوبين من أهل هذا الطريق، لا تعلقًا وهميًا منقطعًا عن سند التربية والاقتداء.
وإن صور هذا الوجد الفياض ـــ وقد أورد ذلك الكثير من العلماء ـــ لم تنقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ورثها التابعون وأكابر الأمة؛ فكان الإمام مالك رحمه الله إذا ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني هيبة وإجلالاً حتى يصعب ذلك على جلسائه
وكان عبد الرحمن بن القاسم يجف لسانه في فمه كأنه نزف منه الدم هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، هذه الأحوال والذوقيات لم تكن ترفاً، بل كانت حقيقة المعين القلبي الذي يمد الجوارح بقوة الاستقامة، ويمكن أن يسهم انحسار هذه المعاني الوجدانية والروابط القلبية في إضعاف البعد التربوي والروحي في حياة الأمة.
ولعل من أخطر مظاهر الفتنة المعاصرة هو هذا الجفاف الروحي الذي يجعل بعض "علماء اللسان" يجثون على ركبهم في المحافل للجدل والخصام والمراء، بينما قلوبهم خاوية من خشية الله وحب رسوله وعاطفة الرحمة بالمسلمين.
6. إجلال العلماء: توقير للإرثِ النبوي
قال عليه الصلاة والسلام: "وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثوا العلم"[xii]. يجلّ الحديث علةَ توقير العلماء: حملهم لتركة النبوة المتمثلة في العلم.
وقال الإمام أحمد: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ"؛ والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن الَّذِي خلف الأنبياء هو العِلْم النافع، فمن أخذ العِلْم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الَّذِي يغبط به صاحبه.
وَرَأَى ابْنُ مَسْعُود قَوْمًا فِي المَسْجِدِ يَتَعَلَّمُونَ فَقَالَ رَجُلٌ: عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَالَ: عَلَى مِيرَاثِ مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم – يَقْتَسِمُونَهُ"[xiii].
بيْدَ أنّ هذا التوقير لا يرتقي بالبشر إلى العصمة؛ فالعالمُ يُحترم لعلمه وعمله بالشرع، ويُقبَل قوله ما احتفّ بالاقتداء، ويُستدرك خطؤه ببالغ الأدب والتوقير. فإجلالُ العلماء العاملين يتنزل ضمن تعظيم السنة ذاتها؛ إذ إنّ العالم الصالح لا يزاحم المقام النبوي، وإنما يهدي إليه ويشير نحوه؛ من هنا الطريق.
7. المسلك الرشيد في مناسبة المولد النبوي
الأجدر بنا أن يستحيلَ هذا اليوم عندنا إلى موسمٍ لتجديد العهد بالمصحوب الأعظم المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ عبر مدارسة شذورٍ من السيرة العطرة مع الأبناء، والاتفاق على خُلق نبوي يُتخلّق به ديمة، وإقامة دروسٍ محققة في شمائله وسيرته، تتوج بتحديد سنةٍ عملية تُبعث في واقع الناس، الاصطفاء العملي لترجمة هديه؛ كصلة رحم، أو بَذْلِ صدقة، أو إغاثة ملهوف، أو كفّ أذى، مرافقة عالمٍ عامل أو مربٍّ ناصح يُقتبس من علمه وسمته بلا غلوٍ ولا تقديس، الإكثار من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، مع استحضار أنّ المغنم ليس برَصِّ الألفاظ فحسب، بل بعمق الاتباع والاقتداء؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
الخاتمة
من خلال ما سلف؛ يمكن القول: إن معالم التعظيم الصادق تتجوهر في ست مراتب متدرجة:
أولها: خروج المقتدي من مجالس الحب والسيرة العطرة للحبيب صلى الله عليه وسلم وقد اكتسب أصدَقَ لهجة، وأعظمَ أمانة، وأنفَذَ رحمة، وأشدَّ استمساك بالسنة، وأشدَّ حرص على صحبة الأخيار، فيكون بذلك قد تجاوز الذكرَ اللفظي إلى أثره الممتد.
وصدق من قال في بيان هذا الميزان: "من أصدق المعايير على تردّي إيماننا ذبول زهرة الحب الإلهي النبوي في قلوبنا"[xiv]؛ فكلما ازداد المسلم اتباعًا وصدقًا وبذلًا، كان ذلك أدل على حياة تلك الزهرة في قلبه، وإلا كان عكسه.
ثانيها: أن يستحيلَ تعظيمُ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أمره، وأن يثمر تعظيمُ أمره امتثالًا لسنته، وأن يفضيَ الامتثالُ إلى صلاحِ السيرة والسريرة والسلوك إلى الله.
ثالثها: أن يفيضَ أثرُ هذا التعظيم على الغير، فلا يبقى حبيسَ صدر صاحبه؛ إذ من زكّى نفسَه بهذا الاقتداء صار شاهدًا حيًّا على جمال هذا الدين خُلُقًا قبل أن يكون قولًا، فتُستَدعى دعوتُه بحاله قبل مقاله، ويكون في نفسه حجةً على صدق ما يدعو إليه؛ ذلك أنّ أصدقَ الدعوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هي التي يقرأ الناسُ فيها سيرته منعكسةً في سلوك مُحبّيه.
رابعها: أن يُصانَ هذا الأثر بحسن الانتساب إلى سلسلته الصحيحة؛ فلا يُترك العلماءُ العاملون والصالحون دون توقيرٍ يليق بهم بوصفهم حَمَلةَ هذا الإرث النبوي، ولا يُغالى فيهم حتى يُقاربوا بذلك مقامَ العصمة الذي لا يكون إلا له صلى الله عليه وسلم؛ فبين الإفراط المُفضي إلى الغلو والتفريط المُفضي إلى القطيعة، يبقى الاعتدال هو الحافظ لاتصال السند بين جيلٍ وجيل.
خامسها: أن يبلغ التعظيمُ غايته القصوى حين يتحول من فعلٍ فرديٍّ إلى إشعاعٍ يعمّ الغير رحمةً وعدلًا؛ فحينها يستعيد المُعظِّمُ لنفسه معنى الرسالة التي بُعث بها صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
سادسها: إن استعادة هوية الأمة وجبر انكسارها التاريخي لا يتحقق بالرهان على الهياكل التنظيمية الجافة أو عقلانية "الإسلام الفكري" المسطح، بل يبدأ بالضرورة من إحياء القلوب بالتربية الإيمانية وإيقاظ زهرة الحب الإلهي النبوي لتسري الحياة مجدداً في أوصال الأمة.
وبهذا يُغلَق الدائرُ الذي فُتح به هذا المقال؛ فتعظيمُه صلى الله عليه وسلم، إذا تجاوز حدودَ الوجدان إلى ميدان الاتباع والأثر، غدا -كما تساءلنا في المقدمة- صمامَ أمانٍ للإيمان في القلب، وسبيلًا لهداية الإنسانية الحائرة إلى ما تنشده من عدلٍ ومعنًى ورحمة.
وبهذا التدرّج، من صدق الاستحضار الباطن إلى صلاح الأثر الظاهر، إلى امتداد ذلك الأثر في الغير، إلى صيانته بحسن الانتساب، وصولًا إلى تحوّله رحمةً عامة، يتكامل معنى التعظيم الذي أراده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ تعظيمًا لا يقف عند حدود الذكر واللسان، بل يمتد ليكون منهاج حياةٍ ومعراجًا إلى رضا الرحمن.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مراجع:
[i] "عن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنهم قالوا له أَخبِرْنا عن نفسِك قال نعم أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى عليهما السلامُ ورأَتْ أمي حين حملتْ بي أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام واستُرضِعْتُ في بني سعدِ بنِ بكرٍ فبينا أنا في بَهمٍ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بِيضٌ معهما طَستٌ من ذهبٍ مملوءٍ ثلجًا فأضجعاني فشقَّا بطني ثم استخرجا قلبي فشقَّاه فأخرَجا منه علقةً سوداءَ فألقَياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلجِ حتى إذا أَلقياه ردَّاه كما كان ثم قال أحدُهما لصاحبه زِنْه بعشرةٍ من أمَّتِه فوزنَني بعشرةٍ فوزنتُهم ثم قال زِنْه بمائةٍ من أمَّتِه فوزنني بمائةٍ فوزنتُهم ثم قال زِنْه بألفٍ من أمتِه فوزنني بألفٍ فوزنتُهم فقال دَعْه عنك فلو وزنتَه بأمَّتِه لوزنَهم"؛ حديث له أصل ثابت، رُوي من طريق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الحاكم والبيهقي وابن إسحاق والطبري، وحكم ابن كثير على إسناده بأنه جيد قوي، كما ورد بمعناه من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وصححه الحاكم. https://dorar.net/h/CjSWhASP?utm_source=chatgpt.com
[ii] أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه البخاري الجعفي، صحيح البخاري، تحقيق: جماعة من العلماء، الطبعة: السلطانية، بالمطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر، 1311 هـ، بأمر السلطان عبد الحميد الثاني، ثم صَوّرها بعنايته: د. محمد زهير الناصر، وطبعها الطبعة الأولى 1422 هـ لدى دار طوق النجاة - بيروت، مع إثراء الهوامش بترقيم الأحاديث لمحمد فؤاد عبد الباقي، والإحالة لبعض المراجع المهمة، ج: 1، ص: 8، الحديث رقم: 7.
[iii] ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، وضع حواشيه وعلق عليه: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1419هـ/1998م، ج: 7، ص: 375.
[iv] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع: مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر - د عبد السند حسن يمامة، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان - القاهرة، مصر، الطبعة: الأولى، 1422 هـ - 2001 م، ج: 9، ص: 672.
[v] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج: 6، ص: 81.
[vi] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج: 6، ص: 81.
[vii] البخاري، صحيح البخاري، ج: 1، ص: 12.
[viii] ياسين عبد السلام، الإحسان، ج 1، الفصل الثاني: عقبة واقتحام، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1439هـ / 2018م، الصفحتان 87 / 88
[ix] ياسين عبد السلام، الإحسان، ج 1، الصفحتان 87 /88
[x] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج: 8، ص: 39، الحديث رقم: 6169.
[xi] الإحسان، ج1، ص: 87.
[xii] رواه أبو داود وصححه الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف، الرياض، زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء [مطبوع ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي]، دراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الثانية، 1424هـ - 2003م، ص: 50.
[xiii] زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء، ص: 50.
[xiv] ياسين عبد السلام، الإحسان، ج 1، محبة رسول الله هي العروة الوثقى، ص: 154.








