في عالم تحكمه إيقاعات الاستهلاك المتسارعة، غدا الإنسان الحديث أشبه بمستهلك أبدي، غارقًا في دوامة من الرغبات الدنيوية التي تغذيها الآلة الاقتصادية العالمية، فيما يتلاشى البحث عن المعنى وسط ضجيج الإعلانات التجارية ونهم التملك، مندفعًا بلا هوادة خلف لذّاته العاجلة، في محاولة عبثية لملء فراغ داخلي لا تسده وفرة المتع ولا فائض الماديات.
نحيا اليوم، كما بيّن العديد من الباحثين، في ظل منظومة اقتصادية تفرض منطقها على تفاصيل حياتنا، فلم يعد تأثيرها مقتصرًا على الاقتصاد فحسب، بل امتد إلى تشكيل أنماط التفكير وتوجيه السلوك. لقد أعادت هذه المنظومة صياغة أولويات الإنسان المعاصر وفق إملاءات السوق، لا وفق حاجاته الفعلية أو رؤيته الذاتية للحياة. فصار إدراكه للسعادة مرهونًا بالإشباع المادي، وانحسرت في وعيه الأسئلة الجوهرية حول الغاية والوجود، حتى بات يرى الانشغال بها ترفًا فكريًا لا جدوى منه. وهكذا، تم إبعاده عن مواجهة هذه القضايا الوجودية، وأصبح الحديث عنها عائقا أمام متعته الآنية.
وسط هذا التيه الجماعي والانغماس في ملذات الدنيا، يحلّ علينا في كل عام شهرٌ كريم، رمضان المبارك، كنقطة ضوء وسط زحام الحياة، يدعونا إلى وقفة تأملية عميقة، لعلها توقظ فينا وعيًا روحياً يعيد التوازن المفقود بين الروح والجسد. إنه عطاء إلهي، يفتح لنا نافذة نطل منها على حقيقتنا، فتوقظنا من سباتنا العميق، وتعيد إلينا وعينا بذاتنا، وتجدد صلتنا بجوهر وجودنا، مذكّرا إيانا بأننا لسنا مجرد كائنات استهلاكية، بل نحمل في أعماقنا بُعدًا روحانيًا يسمو فوق حاجات الجسد.
الصيام في رمضان ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو حالة فريدة تخبو فيها سطوة الجسد فتفسح المجال لإشراق الروح، فيبدأ الصائم في استكشاف صوت آخر بداخله، صوت كان مطموسًا تحت ركام الانشغال بالضروريات الحسية وسط زحام الحياة وصخبها. إنه زمن ترتقي فيه الروح، فتتطهّر من شوائب الدنيا لتتعلق بخالقها. يختبر فيه الصائم الحرمان المؤقت، الذي يفتح له أبواب الامتلاء الحقيقي. فليس الامتلاء في إشباع الجسد فقط، بل في تحرر العقل والروح من وطأة المادة وبلادة الحس. فحين تصمت الماديات، تنطلق الروح، وحين ينحسر الضجيج، يُسمع صوت المعنى.
غير أن المنظومة الاستهلاكية التي اجتاحت عالمنا الإسلامي تسعى -كما هو دأبها- إلى إفراغ هذه الشعيرة المباركة من مضمونها الروحي، وإعادة تشكيلها في قالب تجاري، وتحويرها إلى مجرد موسم اقتصادي يُعاد إنتاجه وفق آليات العرض والطلب. تمامًا كما حدث في الغرب مع العديد من المناسبات الدينية، حيث تحوّلت أعياد الميلاد -التي يُفترض أنها مناسبةً لإحياء ذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام رمز الزهد والتجرد من الدنيا- إلى مهرجان ربحي بحت، تُضخ فيه المليارات عبر الإعلانات والتخفيضات، وتُستنفر الأسواق لترويج المنتجات، في عملية تُكرّس نزعة الاستهلاك وتُفرغ المناسبة من جوهرها. والمفارقة العجيبة أن الجهات الأكثر ترويجًا لهذه الاحتفالات ليست المؤسسات الدينية، بل شركات الإعلان والعلامات التجارية الكبرى، التي وجدت في هذه المناسبات فرصًا ذهبية لتعظيم الأرباح وإعادة تدوير رأس المال.
لهذا، فإن استحضار المعنى الأصيل للصيام يظل ضرورة مُلحّة، فهو، كما سبق ذكره، ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل رحلة روحية إلى الله تعالى، تُفتح فيها أبواب القرب، وتتعمق من خلالها معرفتنا بذواتنا وبمعنى وجودنا. غير أن هذا المقصد لن يتحقق إلا بكبح جماح هوس الاستهلاك، لا بإطلاق العنان له أضعافًا مضاعفة بعد غروب الشمس، وكأن الليل جُعل لتعويض ما امتنعنا عنه نهارًا. والحال أن ليالي رمضان تُعد من أعظم مواسم النفحات الإلهية التي ينبغي اغتنامها، وفيها ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فكيف يستقيم أن يكون رمضان شهر العبادة والسمو الروحي، ثم ينقلب إلى موسم استهلاكي للترفيه المسرف والانغماس المفرط في الملذات؟
إن مشاهد الجموع الغفيرة في المساجد وهي تؤدي صلاة التراويح، والإقبال المتزايد على العبادات، يبشّر بأن الأمة لم تفقد مناعتها أمام هذا التيار الجارف، وأن في داخلها روحا نابضة تمنحها قدرة متجددة على مقاومة الابتذال في دينها ورفض تسليعه. غير أن هذه المقاومة الجماهيرية، رغم أهميتها، تظل غير كافية ما لم تسندها تدابير رسمية رشيدة تسعى إلى ترسيخ القيم الدينية الحقيقية وحمايتها من التوظيف الاستهلاكي المفرط. ذلك أن سياسات كثير من دولنا باتت خاضعة لآليات الطاحونة الرأسمالية، حيث تُوجَّه لا نحو تعزيز جوهر الشعائر الدينية، بل نحو إدماجها في دورة الاستهلاك العالمي، مما يعرّضها لخطر التحوّل إلى مجرد طقوس سنوية مفرغة من معناها، يُعاد إنتاجها وتسويقها وفق متطلبات السوق.
لا يعني حديثنا انتقاصًا من قيمة السوق، ولا رفضًا للاجتهاد في التكسب الحلال وتحقيق الربح المشروع، بل ندعو إليهما ونؤكد على ضرورتهما في بناء اقتصاد متوازن ومستدام، كما أنه لا ينفي حق الإنسان في الاستمتاع بطيبات الحياة ضمن حدود الاعتدال، وإنما تحذيرنا من أن يتحول السوق إلى سلطة طاغية، تُعيد قولبة كل مناحي حياتنا وفق منطقها الاستهلاكي، فتُهيمن على قيمنا وأولوياتنا، وتمسخ روح الشعائر إلى مناسبات استهلاكية تفقد لبّها ومعناها.