رمضان فرصة لتجديد التواصل القلبي والروحي عند الأسر

محتويات المقال
أصبحت بعض الأسر المسلمة في الآونة الأخيرة تعاني من العزلة ويشعر أفرادها بنوع من الغرابة عن بعضهم البعض، خاصة مع تزايد تأثيرات العولمة وسطوة وسائل التواصل الاجتماعي على مختلف الأعمار. فكيف يكون رمضان الأبرك فرصة لإحياء الاجتماع النفسي والروحي للأسرة والعائلة وتحقيق التواصل القلبي لأفرادها؟
لمة الإفطار والسحور
لقد أنعم الله تعالى علينا بأن جعل من أيامنا شهر رمضان، ولعل من مكرمات هذا الشهر الفضيل اجتماع الأسرة على مائدة الإفطار والسحور، حيث تتنزل البركات؛ بركة الاجتماع على الطعام، وبركة ذكر الله عليه، فعن وحشي بن حرب رضي الله عنه أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَال: «فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ؟» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيه»1.
ولا أحسب أن هذه البركة يتحقق أثرها في الطعام على الجسد فحسب، وإنما يطال ذلك أيضا العلاقات الاجتماعية بين الآباء والأبناء والإخوة فيحسنها ويدعمها؛ فالاجتماع على الطعام مظنة لتحقيق الألفة والمودة بين الجالسين، خاصة عندما تراعى الآداب الإسلامية الفاضلة من توقير للكبير واحترام للصغير، علاوة على حالة التبسط في الكلام التي من شأنها أن تزيد الألفة بين أفراد الأسرة.
مائدة رمضان فرصة إذن لإحياء السنة النبوية الشريفة التي كدنا أن نهجرها بسبب ظروف العيش في الزمن الحاضر، ثم هي جلسة حوارية بامتياز، يتجاذب فيها الأفراد أطراف الحديث، وتعالج فيها الخصومات بطريقة مرنة وسلسة، وهي مناسبة للتربية على القيم المتعلقة بآداب الحديث وآداب الحوار وآداب المأكل والمشرب، والاحترام المتبادل.
هذه الجلسة على الإفطار تحمل في طياتها العديد من المزايا النفسية على الأبناء وعلى الآباء على حد سواء؛ فهي تعزز لديهم الشعور بالانتماء والاستقرار والأمن، كما تشعر الآباء بالسعادة والرضا والبهجة والدفء، في زمن كادت المادة أن تُفقد الإنسان إنسانيته، وشهر رمضان مُواتٍ لإحياء هذه الفضائل.
ومن أمتع اللحظات التي تبقى راسخة في أذهان الأطفال، المشاركة في إعداد مائدة الطعام قبل التجمع عليها، والتي تذكرهم بطفولتهم عندما يكبرون، وهذه أيضا فرصة يتعلم فيها الأبناء المسؤولية والاعتماد على النفس، كما تنمي لديهم قيم التشارك والتعاون، علاوة على جعل أوقاتهم عامرة بما يفيد وإشعارهم بحلاوة الإنجاز ومتعته.
يشع على أفراد الأسرة جو من الصفاء الروحي وهم يتطلعون لسماع أول تكبيرة لآذان المغرب أو أول طلقة لمدفع الإفطار، حيث تفيض القلوب بالدعوات الصادقة المرجو إجابتها من الله تعالى، وهي فرصة ليطلب كل واحد من الآخر أن يدعو له من خيري الدنيا والآخرة، ولحظة تضمحل فيها الخلافات الأسرية، وتنسى المشاجرات والمشاكسات التي قد تكون دارت طوال اليوم بين الأطفال، وهذا مما ينعش روح التواصل والتآخي بين أعضاء الأسرة.
جلسات العبادة والقرب
رمضان أيضا فرصة لإحياء سنة الاجتماع على العبادة، بدءا من أداء الصلاة المفروضة إلى صلاة التراويح وقراءة القرآن، إذ لا معنى لحياة أسرة لا تجمع بينها سوى الروابط المادية، حتى إذا وقع خلل أو نقص في الأحوال المادية انقلبت العلاقات بين الأفراد إلى حالة من التنافر والتباعد. وهذا لا يقتصر على الأسر بل يطال المجتمع الإنساني كله، وذلك أن "المجتمع الإنساني بحاجة إلى قوة روحية ترفع من نفسية الأفراد على وجه الاستمرار إلى مثل عليا، وذلك خشية أن تنحصر روابط الأفراد في الحاجات المادية والمصالح الشخصية مما يؤدي إلى الفساد في الأرض"2، وهذه القوة الروحية هي الإيمان الذي يشع بنفحاته على القلوب فيطببها ويعالج ما بها من أمراض وأدران، وحين تصفى القلوب تقبل على الآخرين فتتقبلهم على ما هم عليه.
من هذا المنطلق كان الاجتماع على أنواع العبادات مما يحقق التواصل القلبي والروحي بين أفراد الأسرة، وفي هذا الإطار نستحضر صورا لأسر مسلمة؛ زوج منكب على مصحفه لا يكاد يفارقه وزوجة منغمسة في أشغال البيت والطهي لا تنفك عنهما، وصورة ثانية لزوج قام من الليل أو قامت فصلى وصلت ما شاء الله لأحدهما أن يصلي والطرف الآخر في سبات عميق، وثالثة لزوجين قاما من الليل ولكن كل واحد منهما منعزل في غرفة في خلوة مع الله تعالى، لا شك أن كلا من هؤلاء مأجور مُثاب في عمله، ولكن ألا تكون الصورة أجمل حين تجتمع الأسرة على الطاعة والعبادة بعد التعاون على شؤون البيت ! فهذا بلا ريب مما يسهم في نثر بذور السعادة والمودة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ وَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ»3 وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوقِظْ أَهْلَهُ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَحْ عَلَى وَجْهِهَا الْمَاءَ»، وَفِي أُخْرَى: «مَنِ اسْتَيْقَظَ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»؛ في هذا الحديث تنبيه لطيف إلى فضل التشارك في العبادة لما يرجى منه من الانجماع بين القلوب والأرواح، إذ العلاقات إنما تسمو بسمو الإيمان في القلوب وبترقي الفرد في مدارج القرب واليقين.
ومن الآكد أن يحضر القرآن الكريم في هذه الجلسات الأسرية تلاوة وحفظا وسماعا، تعلما وتعليما للكبار والصغار، وذلك أن "تعلم القرآن وتعليمه سمة الربانيين. والربانيون هم العارفون بالله الذين يُعلمون الناس القرآن والإيمان بيسر وتدرج. ويُدبرون أمور الناس ويصلحونها. والذين يجمعون إلى العلم البصر بالسياسة"4، وأهل البيت أولى الناس بالتعليم بالسياسة والتدرج، وهذا يساعد على جمع شمل الأسرة ويوطنها لترتقي في إيمانها وتترفع عن سفاسف الأمور وصغائرها.
الزيارات والاستزارات
دأبت الأسر المسلمة على إحياء سنة التزاور بين الأهل والأحباب في مواسم الخير والأعياد، وهذا الشهر الفضيل مناسبة لتحقيق أمر الله تعالى القاضي بواجب وصل الأرحام، فنظرا لفضلها وقيمتها قرن الله تعالى بين محبته للعبد وبين المتزاورين، فقد صح عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قوله: «حُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَنَاصِحِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحُقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى الْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَهُمْ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشهداء وَالصِّدِّيقُونَ بِمَكَانِهِم»5.
فما أحوج الأسر المسلمة للتزاور في زمن فرضت ظروفه على أهله القطيعة طوعا أو كرها، ففي هذه الزيارات، إضافة إلى الثواب والأجر ونيل محبة الله تعالى، من الفوائد النفسية والاجتماعية ما لا يحصى، ففيها تحصل المودة ويحصل التذكير للناسي والتنبيه للغافل والتعليم للجاهل، علاوة على الترويح على النفوس المكدرة وتخفيف الآلام عنها.
وفي صلة الرحم منفعة مادية لمن يطلبها؛ إذ بسببها يبسط الله تعالى الرزق ويزيد في العمر، فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»6.
وعموما فإن الاجتماع بالأحباب إذا أحسن توظيفه في التعاون والتواصي بالحق والصبر، وروعيت فيه الآداب العامة، واجتنبت فيه منكرات القول، كان كاللقاح للنفوس المطمئنة كما عبر عن ذلك ابن قيم الجوزية بقوله: "الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها (...) وبالجملة فالاجتماع والخلطة لقاح: إما للنفس الأمارة، وإما للقلب والنفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح؛ فمن طاب لقاحه طابت ثمرته"7.
وهكذا يتأكد بأن شهر رمضان فرصة لإحياء السُّنن النبوية، ولـمِّ شمل الأُسر ومداواتها من بعض الجراح التي قد تصيبها، وتقريب المسافات بين أفرادها، ونيل فضل المحبة والمودة والتعاون على أعمال البر والتقوى وفعل الخير.
والحمد لله رب العالمين.
لائحة المصادر والمراجع:
- أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجِسْتاني (ت 275 هـ)، سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر: المكتبة العصرية، صيدا بيروت.
- أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 - 261 هـ)، صحيح مسلم،تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي،نشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1374 هـ /1955م.
- أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (209 - 273 هـ)، سنن ابن ماجه، تحقيق: شعيب الأرنؤوط- عادل مرشد - محمَّد كامل قره بللي - عَبد اللّطيف حرز الله.
- أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السِّجِسْتاني (ت 275 هـ)، سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.
- أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، صحيح البخاري، تحقيق: جماعة من العلماء، الطبعة: السلطانية، بالمطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر، 1311 هـ.
- أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البُستي (ت 304 هـ)، صحيح ابن حبان: المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها، تحقيق: محمد علي سونمز، خالص آي دمير، نشر: دار ابن حزم – بيروت، الطبعة: الأولى، 1433 هـ /2012 م.
- عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، طبعة: 28، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، 1993.
- أبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية (691 – 751)، الفوائد، تحقيق: محمد عزير شمس، مراجعة: جديع بن محمد الجديع - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران، نشر: دار عطاءات العلم (الرياض) دار ابن حزم، بيروت، الطبعة: الرابعة، 1330 هـ /2019 م.
المراجع
- 1.أخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام، رقم الحديث: 3286، ج4 ص18. وأبو داود في سننه، كتاب الأطعمة، باب في الاجتماع على الطعام، رقم الحديث: 3764، ج3 ص46. والحديث حسنه الألباني. ↩
- 2.عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، طبعة:28، دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، 1993، ص242. ↩
- 3.أخرجه أبو داود في سننه، أبواب قيام الليل، باب قيام الليل، رقم الحديث: 1308، ج2 ص33. حديث صحيح. ↩
- 4.عبد العلي مسؤول، منهاج المقرئين تعلما وتعليما وتفقها، الطبعة الأولى، 1446ه/2024م، طبع ونشر: أفريقيا الشرق، ص: 23. ↩
- 5.أخرجه ابن حبان في صحيحه، النوع الثاني، إيجاب محبة الله للمتناصحين والمتباذلين فيه، رقم الحديث:691، ج1 ص473. ↩
- 6.أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأدب، باب من يبسط له في الرزق بصلة الرحم، رقم الحديث: 5986، ج8، ص5. ↩
- 7.أبو عبد الله محمد ابن قيم الجوزية (691 – 751ه)، الفوائد، تحقيق: محمد عزير شمس، مراجعة: جديع بن محمد الجديع - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران، نشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم، بيروت، الطبعة: الرابعة، 1440 هـ /2019 م، ص71. ↩






