رمضان وتحرير الروح والعقل والإرادة.. سلسلة رمضان يحررنا (4)

Cover Image for رمضان وتحرير الروح والعقل والإرادة.. سلسلة رمضان يحررنا (4)
نشر بتاريخ

أ- تحرير الروح

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85].

يظل الإنسان يعتني بجسده طعاما وأناقة وسياحة في الأرض إشباعا لرغباته وتنفيذا لشهواته الظاهرة والباطنة، ليضرب بذلك حصارا مشددا على الروح التواقة إلى لقاء ربها، والتواصل معه عبر المناجاة والخلوات، فتبقى سجينة إلى أن تأتيها نفحات إيمانية تفك عنها قيدها لتغرف من الموائد الربانية في مواسم الخير والعطاء بغير حساب.

وها هو شهر رمضان يفتح أبواب خزائنه المدهشة لتعود الروح إلى حضرة مولاها بعدما تخففت من زحام ملء الوعاء، ومن ثقل كثافة الجسد الذي أنهكته الشهوات والملذات، لتصعد مدارج السالكين طامعة في اللحاق بأهل العرفان والإحسان.

ومما لا شك فيه أن المؤمن الصائم يشعر بطاقة روحية خارقة للعادة، لأن اتصاله بالله يكون قويا ومتماسكا طيلة شهر رمضان الأبرك.

ولقد كانت روحانية نبينا الكريم دائمة متصلة بالله، لكن في رمضان تزداد أنسا وطمأنينة وسكينة وقربا من الحضرة الإلهية، فتجعله يتخلى عن الطعام والشراب ويواصل الصيام أياما ذات العدد، ولما سئل عن هذا المقام العلي بالله، أجاب عليه الصلاة والسلام “إنني لست كهيئتكم، إنما أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني…” 1. ولقد اختلف العلماء في طبيعة هذا الطعام والسقاء بين مثبت له على حقيقته وبين مؤول إلى طعام وشراب روحاني يؤتيه الله نبيه المجتبى كرما وتفضلا منه على عبده وحبيبه. ومهما يكن القصد من الحديث فإن الرسالة الموجهة إلى كل صائم وصائمة تختصر في الشعور بالرقي الروحاني والعيش الرغيد حينما يحظى المومن بلحظة القرب؛ فتطرب الروح شوقا وسعادة كما صاح ابن تيمية في آخر عمره من وراء القضبان: “فإني والله العظيم الذي لا إله إلا الله في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال ولا يدور في الخيال” 2.

وقال أحدهم: “إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب”، وقال آخر: “لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف”. أرأيت كيف تنقلب روح الإنسان من الظلام إلى النور، حينما تتحرر من سجنها الضيق، لتحلق عاليا إلى مقام السعادة والحياة الطيبة، وصدق الله في قوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].

ب- تحرير العقل المسلم

قديما قيل: “العقل السليم في الجسم السليم”، وهذه حكمة بالغة نفهم منها أن العقل هو سلطان الإنسان في بواعثه وجواهره، والجسم هو قفصه المتين يحميه من التلف والهلاك، ولأجل ذلك حث الإسلام على الاعتناء بالعقل وتغذيته وإعماله لأنه مفتاح الخير كله، فحرم عليه شرب الخمر مثلا حتى لا يفقده فتضيع معه بوصلة حياته.

ورمضان كشعيرة دينية يساهم في حفظ العقل المسلم -وهذا قصد من مقاصد الدين- حينما يدعوه للصيام عن الفحش الفكري والفجور العقلاني، كما يحثه على اجتناب المسخ الشيطاني الذي ينزل صاحبه إلى أدنى دركات البهائمية. وفي المقابل يطلب منه الترقي في درجات الفهم والإدراك لتحصيل قيمة الاجتهاد الموكول إليه، من أجل التخطيط الناجح لمستقبل آمن هنا وهناك؛ هنا حيث المشترك الإنساني الذي يحتم على الخلائق كلها السعي الدؤوب للاستفادة من التجارب الكونية لتحقيق سبل السعادة والتواصل والتعاون على البر والإحسان، وهناك وراء سجف الغيب حيث لا يأتيه الخبر إلا عن طريق الوحي فينبئه عن عالم الآخرة ليعمل بجد ويقظة ليفوز برضوان الله وينال الدرجات العلا يوم لا ينفع مال ولا بنون.

إن مفتاح العقل المسلم لبلوغ الكمال هو القرآن الكريم تلاوة وحفظا وتدبرا، ولأجل ذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن ينزل به الروح الأمين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعارضه القرآن في رمضان مرة في كلّ عام، حتى إذا كان العام الذي توفّي فيه النبي صلى الله عليه وسلم عارضه مرتين.

ومن تمام الإيمان والاحتساب أن يمتزج الصيام بالقرآن في شهر رمضان لتطهير البدن من مخلفات الطعام الزائد، وتنقية العقل من حمولات فكرية عفنة باتت تنخر كيان الإنسان وتهدد وجوده الأخلاقي على هذه البسيطة… وما أحوج العقل المسلم للتحرر من ربقة سيطرة الهوى في عالم أحكمت فيه التكنولوجيا قبضتها وسنت برامج تستعبد فيها العقل المجرد، وتحط من قدره دون وعي ولا إدراك. وما أحوجه للتلمذة على الوحي والعكوف على الكتاب الذي هو أصل العلم والمعرفة لاستنباط الأحكام والوصول إلى الحقائق الباهرة، فقد أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “ستكون فتن”، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: “كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم”.

فما المخرج من فتن كقطع الليل المظلم؟

القرآن القرآن القرآن… وقد خسئ من حصره في القراءة على القبور والتمسح به في المآثم والجنائز، لأنه ضيع حقوق القرآن الكريم الذي جاء ليضيء الحياة البشرية في الدنيا قبل الآخرة، قال الله تعالى: إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ، وأَنّ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الإسراء: 9، 10].

قال الإمام ابن حزم رحمه الله: “حد العقل استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل، وقد نصَّ الله تعالى في غير موضع من كتابه على أنَّ مَن عصاه لا يعقل، قال الله حاكيًا عن قوم: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10].

وإذا كان شهر رمضان المبارك هو زمن الإكثار من الطاعات والاجتهاد فيها، فإن اجتناب المعاصي والرذائل، يعد شرطا أساسيا في صحة الصيام إذ “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” كما جاء في الحديث النبوي الشريف. ولهذا فإن حد العقل المومن يرتقي ويزداد كمالا ورجاحة وتحررا في هذه الدورة التدريبية العظمى، ليصبح عقلا مؤيدا بالوحي يستطيع الإبداع والإجابة عن أسئلة مستقبلية محيرة.

وصدق الشاعر الملهم في نظمه:

سل الله عقلا نافعا واستعذ به ** من الجهل تسأل خير معطى لسائل

فبالعقل تستوفي الفضائل كلها ** كما الجهل مستوف جميع الرذائل

فاللهم ارزقنا قلبا خاشعا وعقلا نافعا.

ج- تحرير الإرادة

إن أكبر مقصد من مقاصد الصيام يتجلى في تحقيق العبودية الكاملة لله جل جلاله، وهذا لا يتأتى إلا بتحرير الإرادة وعتق النفس من قبضة الدنيا وسلاسلها، وفي هذا السياق يأتي رمضان ليكون عاملا قويا لكسر هذه الأغلال، “فتأمل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رق: من رق الحياة ومطالبها ومن رق الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رق النفس وشهواتها ومن رق العقول ونوازعها، ومن رق المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل. فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب عليها فرضا وتأتيه تطوعا. ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض، لتقيم فيها الحق، ولتقضي فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق، لا يرضى لها أن تذل لأعظم حاجات البدن لأنها أقوى منها، ولا لأعتى مطالب الحياة لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض لأنها أعز سلطانا منها” 3.

إن الذي يفسر ما ذكرناه هو الواقع نفسه، ترى الإنسان المسلم يرتكب مخالفات شرعية كبيرة طيلة الدهر، حتى إذا كان رمضان على الأبواب تجده يحاسب نفسه ويؤنبها شيئا فشيئا إلى أن يدخل في الصيام فيقطع عنها كليا أو جزئيا مع الإلحاح الدائم للتقدم نحو الأفضل والطمع في امتلاك إرادة عالية، تجعله يتخلى عن كل سفاسف الأمور التي تحبس قدراته وتطلعاته.

في حقيقة الأمر؛ رمضان له سلطان قوي يقهر به العادات، ويحمل المؤمن حملا على العبادات، وما المساجد التي تحبل بالتائبين والعائدين إلا خير دليل على القدرة الخارقة التي يملكها (سيدنا رمضان) بتعبير العامة، احتراما منهم لعظمة هذا الشهر الفضيل. فيمنح الصائمين بحق، هيبة ووقارا تشعرهم بشيء قد وقر في القلب يتذوقون به حلاوة القرآن ولذة الصيام. وإلى هذا المقصد العظيم أخبرنا نبينا الكريم بأن الصيام والقرآن يشفعان في صاحبهما بفضل ما وجد العبد وذاق في الدنيا، فعن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان” 4.

وهكذا تصنع الإرادة في رمضان وتروض بامتناعها عن إتيان الأشياء التي تحبها النفس طاعة لله وامتثالا لأمره وتربية على طلب المعالي، وهنا أستحضر قصة أطلعتني على حقيقة صناعة الإرادة في رمضان، وذلك يوم أن أدينا صلاة القيام وصلاة الصبح في جماعة بتوفيق من ربنا الكريم في أحد المساجد بإسبانيا، ثم خرجنا ومشينا خطوات، فإذا بامرأة شقراء في عمر الأربعينيات تقطع سبيلنا بابتسامة عريضة لتطلب منا وقودا للسيجارة، قلت لها مبتسما: “آسف جدا ما عندنا”، فإذا بها بعد أن عرفت بشرتنا كمسلمين استدركت قائلة: “آه! أنتم في رمضان! آسفة جدا نسيت أنكم الآن لا تأكلون ولا تشربون. رائع… رائع…” ثم طأطأت رأسها ومضت تتمتم كلمات… وكأني بها تقول: يا ليتني تدركني تلك الرحمة التي تفيض عليكم قوة خارقة تكبح معها كل الجماح.

وذات يوم دخل على جزار حينا رجل وهو شيخ كبير في نهار رمضان، فإذا به يصادف قرآنا يتلى، فخشع قلبه وأمسك بتلابيب نفسه ينصت ويسأل بحزن شديد، ما هذا الذي أسمع من فضلكم، فإنه يلامس القلوب وينفذ إلى جوهر النفس، ثم قيل له هذا كلام ربنا نتعبد به ويدلنا على خالقنا ويأمرنا بالإحسان إلى خلقه، لم يتمالك نفسه حتى فاضت عيناه مظهرا انكساره وخضوعه في لحظة سماع خاطفة للوجدان.

إنها نفحات رمضان يا إنسان فاسجد واقترب! فمن زحزح عن شهوات نفسه وأدخل جنة الصيام فقد فاز، وإن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة كما ذكر ابن تيمية رحمه الله. وهذا فيه إشارة إلى قول الله تعالى في شأن الإرادات: مَن كَانَ یُرِیدُ حَرۡثَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِی حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ یُرِیدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡیَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِیبٍ [الشورى: 20].

وإرادة الآخرة تحصل بـ”لوعة في الفؤاد، ولذعة في القلب، وغرام في الضمير، وانزعاج في الباطن، ونيران تتأجج في القلوب” كما قال الدقاق رحمه الله. وكل هذه المعاني قد تحصل للعبد الملحاح في هذا الشهر العظيم حيث ترتفع الروحانيات وتطغى عن الماديات.


[1] حديث صحيح أخرجه ابن عبد البر في “التمهيد”.
[2] ابن تيمية، كتاب رسائل من السجن، ص 18.
[3] جمهرة مقالات، ج2، ص 938.
[4] رواه الإمام أحمد.