سنن ﷲ الكونية في النصر والهزيمة

Cover Image for سنن ﷲ الكونية في النصر والهزيمة
نشر بتاريخ

لقد بنى ﷲ تعالى الكون على سنن محكمة ناظمة، تسير وفقها مجريات الأحداث والتغيرات الكونية عبر الأزمان إلى قيام الساعة، ومنها السنن المتعلقة بالصراع الدائم بين الحق والباطل، قال سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لْمُكَذِّبِينَۖ [آل عمران: 137].

وهذه السنن القاضية بتأييد ﷲ لرسله وأتباعهم على عدوهم، ثابتة لا تنخرم أبدا، دائمة لا تتخلف أبدا، وليست متعلقة بزمان دون آخر، ولا بمكان دون آخر، قال تعالى: سُنَّةَ اَ۬للَّهِ فِے اِ۬لذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اِ۬للَّهِ تَبْدِيلاٗۖ [الأحزاب: 62]، فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ اَ۬لَاوَّلِينَۖ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اِ۬للَّهِ تَبْدِيلاٗۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اِ۬للَّهِ تَحْوِيلاًۖ [فاطر: 43- 44].

‌قال ابن تيمية في بيان هذه الآية: “فهذه ‌سنة ‌الله ‌وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين، وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين، هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط” 1.

ويقول الحق جل في علاه: اِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ ءَامَنُواْ فِے اِ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪ا وَيَوْمَ يَقُومُ اُ۬لَاشْهَٰدُ [غافر: 51].

يتبين لنا أن سنة الله وعادته مطردة، لا تنتقض في نصر المؤمنين وهزيمة الكفر والكافرين، فللنصر سنن يجب مراعاتها وللهزيمة أسباب يجب اجتنابها، وبقدر تحقيق شروط النصر واجتناب أسباب الهزيمة يتحقق النصر بإذن ﷲ تعالى. وهذا يعني أنه لا يمكن أن نفهم طريق نصر ﷲ للمؤمنين دون أن نتنبه للسنن التي علق ﷲ هذا النصر عليها، ودون أن نتنبه للأسباب التي جعل ﷲ الهزيمة منوطة بها، فلا نتعامل مع النصر بأنه وعود مطلقة تأتي في كل وقت.

ولذلك وجب على الجماعة المؤمنة استبصار تلك السنن وفهمها فهما عميقا كي تكون على بصيرة من أمرها في تحديد المسار التدافعي، واتخاذ القرارات المصيرية في جهادها ضد الباطل وأعوانه.

وإن الله سبحانه وتعالى يربي عباده المؤمنين بالخير والشر، وبالسراء والضراء، وبتعاقب النصر والهزيمة، قال تعالى: وَتِلْكَ اَ۬لَايَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَ۬لنَّاسِ [آل عمران: 140].

ويكون هذا التعاقب وفق سنن وحكم غيبية بينها لنا رب العزة جل وعلا في كتابه وسنة رسوله ﷺ، ومنها ما هو خفي لا يعلمه إلا هو سبحانه.

وقد كان عليه الصلاة والسلام، يروي لأصحابه عن أخبار السابقين وكيف كانت تسري عليهم تلك السنن الكونية في النصر والهزيمة حتى تشبعت بها نفوسهم وتمثلوها في جهادهم ومسيرتهم الإيمانية التدافعية، فاكتسبوا بذلك فقها عميقا بالسنن التي تمكنهم من استجلاب النصر.

وسنعرض بإذن ﷲ إلى مجموعة من هذه السنن الكونية التي جاءت في كتاب ﷲ تعالى وأرشدنا إليها رسوله صلى الله عليه وسلم:

1- الإيمان

الايمان هو التصديق وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فبقدر ثبات الإيمان في القلب يأتي النصر. اِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ ءَامَنُواْ فِے اِ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪ا وَيَوْمَ يَقُومُ اُ۬لَاشْهَٰدُ [غافر: 51]، فَأَيَّدْنَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَٰهِرِينَۖ [الصف: 14].

‌قال ابن القيم في تعليقه على الآيتين: “فمن ‌نقص ‌إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإِدَالَةٍ عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه”. قال سبحانه: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ اُ۬لْمُومِنِينَۖ [الروم: 46].

وعلق الإمام عبد السلام ياسين على تنزل الملائكة في غزوة بدر بقوله: “الملائكة مدد غيبـي، قد يراه المؤمنون وقد لا يرونه، لكن هذا المدد والتثبيت الناتج عنه لا يأتي إلا انعطافا إلى قوم حققوا في قلوبهم معاني الإيمان وفي سلوكهم شعب الإيمان، قوم مسلحين يضربون ويقاتلون ويَقتُلون ويُقتَلون، قوم يجري عليهم قانون الله في الأرض، ويُوَفَّوْن جزاء إيمانهم وإعدادهم القوة خصوصيات منها تنـزل التأييد الغيبـي الذي يتفاوت زيادة ونقصانا بزيادة الإيمان والإعداد ونقصهما” 2.

2- الابتلاء والتمحيص

الابتلاء مفهوم مركزي في الإسلام يميز الله به الذين آمنوا من الكافرين، قال تعالى: اَمْ حَسِبْتُمُۥٓ أَن تَدْخُلُواْ اُ۬لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ اُ۬لذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ اُ۬لْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّيٰ يَقُولُ اُ۬لرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَت۪يٰ نَصْرُ اُ۬للَّهِۖ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ اَ۬للَّهِ قَرِيبٞۖ [البقرة: 212]، وَاذْكُرُوٓاْ إِذَ اَنتُمْ قَلِيلٞ مُّسْتَضْعَفُونَ فِے اِ۬لَارْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَّتَخَطَّفَكُمُ اُ۬لنَّاسُ فَـَٔاو۪يٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ اَ۬لطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَۖ [الأنفال: 26]، ا۟ذِنَ لِلذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْۖ وَإِنَّ اَ۬للَّهَ عَلَيٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌۖ [الحج: 37].

فالنصر لا يأتي إلا بعد مدة من الاستضعاف والابتلاء والزلزلة للجماعة المؤمنة حتى تصقل وتمحص وتستحق بذلك نصرا تقر به أعينهم وتشفى به صدورهم.

3- الصبر

لا نصر بلا صبر، لسنا هنا نتحدث عن صبر قصير الأمد؛ شهرين أو سنتين، بل نتحدث عن صبر طويل، تتتابع فيه الابتلاءات على المؤمنين وهم يقدمون براهين ثباتهم وصبرهم حتى يأتي النصر، ويكون الصبر بكل ما يتضمنه من معاني؛ الصبر على الابتلاءات، الصبر في الثبات وعدم الفرار أمام الأعداء، والصبر في الاستقامة على دين ﷲ وعدم التبديل في الفتن…

يقول جل وعلا: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٞ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَيٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّيٰٓ أَت۪يٰهُمْ نَصْرُنَاۖ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ اِ۬للَّهِۖ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِےْ اِ۬لْمُرْسَلِينَۖ [الأنعام: 35]، كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذْنِ اِ۬للَّهِۖ وَاللَّهُ مَعَ اَ۬لصَّٰبِرِينَۖ [البقرة: 247]، وَكَأَيِّن مِّن نَّبِےٓءٖ قُتِلَۖ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اَ۪سْتَكَانُواْۖ وَاللَّهُ يُحِبُّ اُ۬لصَّٰبِرِينَۖ [آل عمران: 146].

والدليل لكون الصبر سنة للنصر في الآية هو تتمة كلامه سبحانه وتعالى في الآية بعدها في قوله: فَـَٔات۪يٰهُمُ اُ۬للَّهُ ثَوَابَ اَ۬لدُّنْي۪ا وَحُسْنَ ثَوَابِ اِ۬لَاخِرَةِۖ وَاللَّهُ يُحِبُّ اُ۬لْمُحْسِنِينَۖ [آل عمران: 148]، أي أن ﷲ بعد صبرهم آتاهم ثواب الدنيا، وثواب الدنيا هو النصر.

ويعلمنا ﷲ عز وجل أن الصبر واجب في كل حالات المؤمنين؛ في قوتهم وفي ضعفهم، فيقول سبحانه: يَٰٓأَيُّهَا‏ اَ۬لنَّبِےٓءُ حَرِّضِ اِ۬لْمُومِنِينَ عَلَي اَ۬لْقِتَالِۖ إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِۖ وَإِن تَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغْلِبُوٓاْ أَلْفاٗ مِّنَ اَ۬لذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٞ لَّا يَفْقَهُونَۖ اَ۬لَٰنَ خَفَّفَ اَ۬للَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفاٗۖ فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِۖ وَإِنْ يَّكُن مِّنكُمُۥٓ أَلْفٞ يَغْلِبُوٓاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اِ۬للَّهِۖ وَاللَّهُ مَعَ اَ۬لصَّٰبِرِينَۖ [الأنفال: 66-67].

وقد صح عن رسول الله ﷺ قوله: “وإنَّما النَّصرَ مع الصَّبرِ” [رواه الإمام أحمد]. وقال بعض السلف: “إنما النصر صبر ساعة”، وقد تطول هذه الساعة وتشتد وطأتها، فيكون النصر من نصيب الصابرين.

4- إعداد القوة

ومعناه أن يتخذ المؤمنون كل الأسباب ولا يتوانون في أن يعدوا كل ما يستطيعون من عدة مادية دنيوية تمكنهم من تحقيق النصر، وهو ما ذكره ﷲ في قوله: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اَ۪سْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ اِ۬لْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ اَ۬للَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اُ۬للَّهُ يَعْلَمُهُمْۖ [الأنفال: 61].

قال الإمام عبد السلام ياسين: “مدد لا يتنـزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب في بذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها، وأعد القوة وبذل المال والنفس… فبين طرفي إلغاء الأسباب وإلغاء الغيب من الحساب يقع صواب الإيمان بقدرة الله تعالى المطلقة والاحترام المشروط على المؤمنين لسنته في الكون والتاريخ” 3.

5- بذل النفس

بعد الإعداد المادي لابد للجماعة المؤمنة أن تكون مستعدة لبذل أغلى ما لديها في سبيل الظفر بالنصر، وأغلى ما يملك المرء نفسه، وأعظم جهاد هو الجهاد بالنفس، وقد ورد الحث عليه في كثير من الآيات، ومنها قوله تعالى: لَٰكِنِ اِ۬لرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ اُ۬لْخَيْرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ [التوبة: 89].

وقال سبحانه في بيان كيفية تنزل النصر: قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اُ۬للَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٖ مُّومِنِينَ [التوبة: 14]، والقتال لا يكون إلا بالإقدام على بذل النفس وتقديمها قربانا لله حتى يتنزل النصر.

قال الإمام: “إن لم نرب نفوسنا على الجهاد والسخاء بالمال والنفس، وبذل المال والنفس، فلا حياة. إن لم يكن كل فرد من جند الله مستعدا للموت، أهون ما يكون عليه ذلك، بل أحب ما يكون إليه، ما دام واثقا أنه في سبيل الله، فلا حياة للأمة” 4.

6- ذكر الله والثبات

يقول سبحانه وتعالى: يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٗ فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اُ۬للَّهَ كَثِيراٗ لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَۖ [الأنفال: 46].

قال الإمام رحمه الله: “يكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن” 5، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص 222.. وأضاف رحمه الله: “ما تغني التخرصات والاستراتيجيات والترسانات إن كان جانب فقه العباد بدين الله مخروما، وكان التآخي في الله معدوما، وحب الله ورسوله والمؤمنين منقوصا، والآخرة مسكوتا عنها، وذكر الله أمرا نكرا، والطاعات مطفَّفة، والأخلاق مجفَّفة، والإيمان في القلوب باليا، والران عليها غاشيا” 6.

ونجد هذه السنن الربانية كلها مبثوثة في سيرة نبينا المصطفى ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم، إذ أخرجهم الله عز وجل من الاستضعاف الذي لا يوصف إلى عز التمكين والنصر المعجز.

وختاما يتضح لنا أنه كلما أخلص المؤمنون المجاهدون نيتهم لله وحده في هذا التدافع وأعدوا ما استطاعوا من قوة واستفرغوا الوسع في الأخذ بالأسباب اللازمة المحسوسة المادية، والمعنوية الإيمانية؛ أكرمهم الله عز وجل يقينا بالنصر على الأعداء. قال تعالى: وَلَيَنصُرَنَّ اَ۬للَّهُ مَنْ يَّنصُرُهُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌۖ [الحج: 38].


[1] الرد على المنطقيين: 390-391 باختصار.‏
[2] عبد السلام ياسين، سنة الله، ط 2005/2، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ص11.
[3] المصدر نفسه، ص 9.
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط 2022/5، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستانبول، ص 406.
[5] عبد السلام ياسين، الإحسان، ط2018/2.
[6] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ط 4/2018، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص: 13.