مقدمة
صلة الرحم قيمة من القيم الإنسانية التي تمتن آصرة القرابة، وتقوي المحبة بين ذوي القربى، وتجعل بعضهم يأنس ببعض، عرفت خيريتها قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه أمنا خديجة لما جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة فزع بعدما كلمه جبريل أول مرة، قالت له: (كلا والله؛ لن يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر) (1)، وكانت من أول الخصال التي دعا إليها صلى الله عليه وسلم وأوصى صحابته بها، فلما سأل النجاشي الصحابة الذين لجؤوا إليه عما يدعو إليه رسول الله عليه السلام، كان مما قاله سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: (أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية.. حتى بعث الله إلينا رسولا منا؛ نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار…) (2).
وعظم هذه القيمة يظهر جليا في كلام الله تعالى حيث تعدد ذكرها في القرآن الكريم، وتظافرت الآيات التي تندب إليها، وتبين فضلها، قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ (النساء، الآية 1). في مقابل ذلك آيات تحذر من قطعها، وتجعلها مظهرا من مظاهر الإفساد في الأرض التي تتنافى مع مقتضيات الغاية الاستخلافية التي من أجلها خلق الله الإنسان. قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (محمد، الآيتان: 22 – 23).
وقد ثبتت مجموعة من الأحاديث سواء القدسية، التي رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه، أو النبوية التي من قول الرسول صلى الله عليه وسلم تبين فضل صلة الرحم، وتنذر الذين يقطعونها. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منه، قامت الرحم، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، فقال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى يارب) (3). وقال صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) (4).
وسنتناول الموضوع بالحديث من خلال العناصر التالية:
– مقدمة
– حقيقة صلة الرحم
– حكمها
– وسائل تحقيقها
– مقاصدها
– خاتمة.
– حقيقة صلة الرحم:
الصلة: مصدر وصل الشيء يصله أي ربطه بطرف آخر حتى تصير بينهما علاقة. والجمع صلات، والصلة العطية والجائزة، والصلة إحسان وبر، وهي رابطة أو علاقة ترابط وارتباط (5).
والرحم هو ذلك المحضن الذي تستقر فيه الخلايا الأولى المكونة للإنسان، بعد أن يكون نطفة فمضغة ثم علقة، وذوو الأرحام هم الأقارب الذين تجمعهم رحم واحدة، سواء أكانوا من جهة الأب أو الأم.
وصلة الرحم هي ربط الأواصر مع ذوي القربى وتفقد أحوالهم والإحسان إليهم، وجلب الخير لهم، وعدم الإساءة إليهم وقطيعتهم وهجرانهم. قال العييني في شرح البخاري: (الصلة هي صلة الأرحام، وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا. وقطع الرحم قطع ذلك كله) (6).
وقال النووي في شرح مسلم: (قال العلماء: وحقيقة الصلة: العطف والرحمة) (7).
– حكمها:
معلوم أن صلة الرحم واجب شرعي على الجملة، وقطعها معصية تستوجب العقاب، وهي حق ثابت لهم بقوة الشرع، إلا أن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، والصلة تثبت بالكلام ولو كان سلاما وتنتفي بالهجران المقصود، واختلف العلماء في حد الرحم التي تجب صلتها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن يكون من المحارم بالنسبة للرجل أو المرأة، وضابط المسألة هو ما لم يحل بينهما نكاح كان ذلك رحما يجب وصلها كالأعمام والعمات والأخوال والخالات.
الثاني: وسع الدائرة لتضم من يكون بينهما توارث، سواء كانوا من المحارم أم لم يكونوا.
والثالث: وسع في الأمر ليصدق على كل من تجمعهم قرابة وولادة.
وبما أنه لا يوجد ضابط في الشرع يحدد ذوي الأرحام ويحصرهم، فإن الأمر يعود لحكم العرف والعادة بحسب القدرة والاستطاعة. ومن ثم فالواجب صلة كل من تربط بينهم علاقة قرابة أو رابطة دم، سواء أكانوا من الأصول أم الفروع، أو كانوا من المحارم أو خلاف ذلك.
وصلة الرحم على وجهين:
الأول: أن يكون بين المرء وقرابته وصلا، وبينهما تبادل للزيارات، فهذا يطلب منه الحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها والتماس سبل تمتينها، وقد سمى رسول صلى الله عليه وسلم هذا بالمكافئ؛ قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) (8).
والثاني: أن يكون بين المرء وقرابته قطيعة وهجرانا، فالمبادر بالصلة هو الذي تصدق عليه صفة الواصل، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيؤون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال صلى الله عليه وسلم: “إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (9)، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك” (رواه مسلم). فإذا كان الشرع نهى عن هجران المسلم لأخيه المسلم فوق ثلاثة أيام فلاشك أن النهي عن قطيعة الأقارب أشد نهيا.
– وسائل تحقيقها:
تتحقق صلة الرحم بمجموعة من الوسائل، ترتقي حسب درجة القرابة:
– التحية والسلام: إلقاء السلام هو آكد حق لذوي الرحم، فهو برهان صدق على طلب القرب، ورده برهان صدق على مبادلة الرغبة في الود. قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (النساء، 86). وحمل السلام وتبليغه لا تقل أهميته عن السلام ورده.
– السؤال عن الأحوال: فالتفقد ينم عن حسن العناية وشديد الاهتمام. قال صلى الله عليه وسلم: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام) (10)، وقد يتحقق هذا بشتى وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، في الأحوال التي يتعذر فيها السؤال المباشر. حتى لا تصبح أصلا في صلة الرحم وتكون مجرد استثناء يلجأ إليه حال الضرورة.
– الزيارة: بها تتوطد العلاقات إن تم الالتزام بآدابها، واختيار الأوقات المناسبة لها.
– حسن الاستقبال والضيافة من الشيم الدالة على كرم أصحابها، وليكن الشعار: (مرحبا بمن يحمل زادنا إلى الجنة). دون تكلف أو تحمل للمشاق.
– المشاركة في الأفراح وتقديم الهدايا تأليفا للقلوب، والمواساة في المصائب لمؤازرتهم والتخفيف عنهم، والوقوف إلى جانبهم في المحن والشدائد.
– خدمتهم، والإحسان إليهم، وقضاء حوائجهم، ومد يد المساعدة لهم، وتنفيس الكرب عنهم.
– تقديم النصح لهم بأدب، وإرشادهم لما يجلب الخير لهم ويدفع الشر عنهم في الدنيا والآخرة، وقبول نصحهم إن نصحوا.
– التجاوز عن الأخطاء كانت فعلية أو قولية، والتماس الأعذار لهم، وعدم لومهم، وليكن الشعار قول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ (يوسف، 92).
– النصرة لهم إن هم ظلموا واستضعفوا.
– التصدق على المحتاجين منهم، إذ إن ذوي القربى أولى بالصدقات، والصدقة عليهم صدقة وصلة.
– إصلاح ذات البين بينهم، وتوثيق العلاقات بينهم، وبذل الجهد في لم شعثهم، والعمل على رفع الخلافات التي يمكن أن تكون بينهم، بكل عدل وإنصاف.
– مقاصدها:
ينبغي لواصل رحمه أن يستحضر في نيته مقصدين عامين من وصله:
المقصد التعبدي:
فصلة الرحم عبادة يتزلف بها العبد إلى خالقه، لذا يلزم تجديد النية في الإقدام على صلة الأقارب؛ بأن يكون مقصد الواصل الامتثال لأمر الله تعالى بكل صدق وإخلاص، ونيل الفضل الذي وعده الله للواصلين أرحامهم، وهذا يجعل المرء يتسامى عن حظوظ النفس الضيقة، ويترفع عن سفاسف الأمور التي تخرب العلاقات بين ذوي الأرحام. ووصلهم رغبة في صلة الله (أما يرضيك أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك)، صلة الله لعبده حفظ ورحمة، ذكر النووي أن صلته سبحانه وتعالى لعباده عبارة عن لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه.
المقصد الاستخلافي العمراني:
صلة الرحم أساس بناء مجتمع العمران الأخوي، إذ إن صلة الأرحام من المقومات الأساسية في بناء أمة قوية بقوة الترابط بين أفرادها، فكل اختلاف أو تفرق أو قطيعة يعد مظهرا من مظاهر الإفساد في الأرض، ويعطل إمامة الأمة الإسلامية، التي هي خير أمة أخرجت للناس، وخيرتها تكمن في المخزون الأخلاقي التي تنعم به، فجمع الكلمة وائتلاف القلوب والتعاون والتآزر والتراحم والتكافل والمحبة والمودة والإحسان بين ذوي القربى من أسس ودعامات بناء المجتمع الإسلامي، وهي السلاح الذي تملكه الأمة للوقوف أمام الغزو التكنولوجي الذي يريد للإنسان التواصل في عالم افتراضي؛ لا يرتبط بغيره إلا عبر شبكة عنكبوتية سرعان ما تهوى بعلاقات القرابة وتؤدي بها إلى الخراب وتبلد المشاعر، مما ينمي مشاعر الأنانية الفردية ويمزق النسيج المجتمعي.
خاتمة
وتجدر الإشارة في ختام هذا المكتوب التأكيد على الأثر الكبير للمرأة المؤمنة في توثيق العلاقات بين أفراد الأسرة النواة والممتدة، وتحقيق الصلة بين ذوي القربى، لما فطرها الله على خلق الرحمة واللين والرأفة والعطف والقدرة على تأليف القلوب، فتكون تلك الحلقة الرابطة بين جواهر العقد، كما أنها يمكن أن تكون سببا للقطع إن لم تتخلق بخلق العفو والتسامح، وتتزين بخلق التغافل والإعراض عن الأخطاء والهفوات.
(1) البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم 6982.
(2) بن هشام عبد الملك، السيرة النبوية لابن هشام، ج 1، ص 359_360 بتصرف.
(3) البخاري، صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (وتقطعوا أرحامكم)، حديث رقم 4832.
(4) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، رقم 5986.
(5) المعجم الوسيط بتصرف.
(6) العييني بدر الدين، كتاب عمدة القاري في شرح البخاري.
(7) النووي، شرح النووي على مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها.
(8) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ، رقم 5645.
(9) تسفهم المل: تطعمهم الرماد الحار دون ماء.
(10) البيهقي، شعب الإيمان، عن أنس بن مالك.