تعيش الأوساط المغربية حالة من الغليان والترقب في أعقاب تداول مشاهد غير مسبوقة لطقوس دينية أقيمت أمام أحد الأسوار التاريخية بمدينة مراكش يوم أمس الثلاثاء 21 أبريل 2026، وهو ما اعتبره ناشطون تحولاً جذرياً وخطيرا في توظيف الفضاء العام المغربي. معتبرين أن هذا الحدث أكثر من ممارسة تعبدية عابرة، ويطرح تساؤلات عميقة عن رمزية الحدث وتوقيت استعراضه، في ظل ظرفية إقليمية شديدة التعقيد، وهو حدث لقي متابعات تحليلية من نخبة من الفاعلين والمثقفين الذين حذروا من مآلات “تهويد” الذاكرة البصرية للمغرب.
وقد رصدنا في بوابة العدل والإحسان ردود فعل شعبية هائلة عكست يقظة الضمير المغربي تجاه أي محاولة للاختراق، حيث تجاوزت أرقام التفاعل في منصات التواصل الاجتماعي مئات الآلاف في أقل من 24 ساعة على الحدث، بينما تدوولت صور شباب تنقلوا إلى عين المكان لتنظيفه مما اعتبروه “دنسا صهيونيا” في إشارة واضحة لرفض المقاربات التي تحاول فرض واقع جديد مهما كانت الأسباب. هذا الحراك الرقمي والميداني والمجتمعي يثبت أن الوعي الجماعي أهم مقاوم لأي استهداف، ويؤكد أن الوجدان الشعبي مستوعب لهويته ولا يزال يعتبر القضية الفلسطينية بوصلة أخلاقية غير قابلة للمساومة أو التهميش تدريجياً.
ذة. فرشاشي: من الحضور الداخلي “بالملاح” إلى “الإبراز المقصود والمكثف”
تؤكد الأستاذة حفيظة فرشاشي رئيسة جمعية مكارم للأخلاق والقيم في تدوينة لها بفيسبوك، أن الوجود اليهودي المغربي كان دائماً “بنمط اجتماعي مختلف عن اليوم، داخل أحياء (ما يسمى بالملاح) ومؤسسات دينية خاصة”. وتضيف أنه تاريخياً “لم يكن لهم حضور ديني مكثف في الفضاء العام اليومي”، بل كان وجودهم “داخليا في بنية المجتمع ولم يكن لهم ظهور علني في الشارع” كما نشهده اليوم في مراكش.
وترى الباحثة أن ما يحدث حالياً ليست حضورا ثقافيا طبيعيا، وإنما هو إبراز مقصود ومكثف تحت أسماء “إحياء الذاكرة أو زيارات دياسبورا” بطابع عائلي. لافتة إلى أن هذا التوجه يعززه خطاب رسمي “يدعو إلى التعايش ويتبنى التطبيع”، مما أدى إلى حالة من “اللا-اعتياد الاجتماعي” تجاه طقوس لم تكن يوماً جزءاً من المشهد العام المألوف.
وحذرت من أن “الفضاء العام (الشارع، الساحات، المعالم…) ليس محايدا دينيا”، بل يحمل ذاكرة إسلامية أصيلة. معتبرة أن “صلاة جماعية قرب جدار في مراكش (باب دكالة)” يتحول إلى رمز يحيل مباشرة على صورة حائط المبكى والسردية الصهيونية بكل تفاصيلها البشعة في فلسطين، مشددة على أن “ما وقع الليلة هو ليس فقط استفزاز بل ناقوس خطر” يستوجب الانتباه من المجتمع.
د. ويحمان: “الاختراق الصهيوني” وتهديد “الكيان الوطني في وجوده”
من جانبه، الدكتور أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، أكد أن المغاربة “أمام حلقة جديدة ضمن مسار متدرّج، انتقل اليوم إلى سرعة أعلى، عنوانه الأبرز: من التطبيع إلى التمكين، ومن الحضور الرمزي إلى محاولة إعادة إنتاج الجغرافيا والرموز داخل المجال الوطني المغربي”، وذكر عدة وقائع سبقت واقعة مراكش، مؤكدا أنها “سلسلة مترابطة من الوقائع التي تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية”.
وبينما دق ويحمان “ناقوس الخطر” منبها إلى “المستوى غير المسبوق الذي بلغه الاختراق الصهيوني داخل بلادنا”، يرى أن هذا الفعل وما يندرج معه في هذا السياق يحمل “تهديدا حقيقيا لمؤسسات الدولة المغربية، بل وللكيان الوطني في وجوده ورمزيته”، خدمةً لمشروع استعماري “يراد له أن يتكرس تحت عنوان ‘المغرب المملكة المقدسة لبني إسرائيل'”.
ولعل ما يزيد من خطورة اللحظة، يقول المتحدث، هو تزامن هذه الوقائع مع مقولات يتم ترويجها صادمة منسوبة لأحد “رموز الإرهاب العالمي، المجرم الصهيوني، بن غفير” الذي تحدث فيها عن أحقية صهاينة الكيان في تراب المغرب، في مراكش تحديدا في حال تعرض مشروعهم لهزيمة استراتيجية في هذه الحرب التي ينعتونها بـ “الوجودية” مع إيران، وهي مقولات يشدد ويحمان على عدم التعامل معها بخفة أو أي تضليل “لأنها تعكس خلفية فكرية واستراتيجية تجد امتداداتها في الوقائع التي نشهدها اليوم”.
د. الكنبوري: “صلوات راقصة” تحول جداراً مرابطياً إلى “حائط براق جديد”
بدوره، اعتبر الدكتور إدريس الكنبوري، الكاتب والمحلل السياسي أن ما شهدته مراكش عندما اجتمع سرب من اليهود يصلون “صلواتهم الراقصة”، يعد “فضيحة كبرى للمغرب”. فقد “حول ذلك السرب الأسود كالغراب جدارا تاريخيا يعود إلى العهد المرابطي المجيد إلى حائط براق جديد”، محذراً من أنه “سوف يصبح جدار مراكش قبلة لليهود قريبا، وسوف يدخل قائمة الآثار اليهودية”.
ويربط الكنبوري هذه التطورات بـ “الاتفاق الثلاثي الذي حشر المغرب في نفق مظلم لن يخرج منه إلا بشق الأنفس”. ويرى أن “إسرائيل قيدت أيدي المغرب بقضية الصحراء وجعلته يرفع الراية البيضاء”، مما أدى إلى “فتح أبوابه أمام هذه الأسراب” التي تمارس طقوساً غريبة عن الهوية المغربية الإسلامية الصافية.
ويذهب الكنبوري إلى أبعد من ذلك بوصف الممارسات بأنها “دليل جديد يسكت أولئك الذين يدعون بأن اليهودية ديانة توحيدية، بل هي ديانة وثنية”. ويتساءل مستنكراً من الناحية الدينية: “فإذا كان اليهود يزعمون بأن حائط البراق مذكور في التوراة فهل تذكر التوراة حائط باب دكالة؟”.
دة. العمراني: “التسامح” كغطاء “لإعادة تشكيل تدريجية للوعي الجمعي”
أما الدكتورة صباح العمراني، الناشطة النسائية المغربي، فتصف مشهد الطقوس التلمودية أمام حائط باب دكالة بأنه مثير لأكثر من علامة استفهام. مؤكدة أن “الخطورة تكمن في طبيعة هذه الطقوس وسياقها” خاصة أنها في فضاء عام مفتوح، وفي توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، مما يخرجها عن دائرة التعبد الفردي.
وتحذر العمراني في تجوينة لها في فيسبوك، من “توظيف خطاب التسامح والتعايش كغطاء لتطبيع أنماط من الحضور الرمزي المكثف”. وترى في هذا التوظيف محاولة لـ “إعادة تشكيل تدريجية للوعي الجمعي، أو كاختبار لمدى قابلية المجتمع لقبول تحولات أعمق”، مشددة على أن “التسامح، في جوهره، لا يعني إلغاء الخصوصيات أو التغاضي عن الاختلالات”.
وتخلص العمراني إلى أن “الإصرار على تمرير التطبيع بأشكال رمزية أو ثقافية أو دينية سيؤدي حتما إلى المزيد من فقدان الثقة”. محذرة من أي تفكيك للانسجام الداخلي “وخلق احتقان قابل للتراكم”، ومؤكدة أن “حماية التعايش الحقيقي لا تكون بالتسليم الكامل، بل باليقظة، وبالقدرة على التمييز، وبالتمسك الواعي بالثوابت”.