غَــزْوةُ بدْر الكُبـرى وسُؤالُ السِّيــاقِ

Cover Image for غَــزْوةُ بدْر الكُبـرى وسُؤالُ السِّيــاقِ
نشر بتاريخ

تأطير
دفعا لتهمة الحداثيين للمعسكر الإسلامـيّ بكونهم يستقْوُون بالنصوص الدينية قرآنا كريما وحديثا نبويا لحسم النقاش، وهم بذلك (أي الإسلاميون) يَسعَوْن لفرض رؤاهم ومواقفهم، بعيدا عـن الحِجاج العقلانـي المؤسَّس علـــى الأدلة والبراهين العقلية المتعارف عليها، آثرتُ ركوب هذه المغامرة لتقييم قـرار خوض غزوة بدر احتكاماً إلــى الوقائع والمآلات بكل تجرّد بعيدا عن أي انحياز عقدي أو عاطفة دينـية.
السياق
علِم المسلمون خبر عودة قافلة قريش التجارية محملة بالبضائع من الشام، مرورا بأجواء المدينة، تحت قيادة أبـي سفيان، وقدّر المسلمون أن اعتراض القافلة فرصة لتعويض أموالهم التـي جُرِّدوا منها إبّان هجرتهم إلـى يترب/المدينة. كان ذلك فـي رمضان من السنة الثانية للهجرة، بل فـي أول رمضان يُشْـرَعُ فيه الصيام.

السؤال: هل كان القرار متزنا بالنظر إلـى ميزان القوة بين الطرفين، فقريش قوة معتبرة فـي المنطقة، وهـي فـي حكم الدولة تمتلك جيشا نظامـيا، ولها تحالفات قبَلـيّة، بالمقابل، المسلمون قوة ناشئة، فـي عامهم الثانـي بعد الهجرة، فهُمْ فـي طور تثبيت أسس كيانهم الفتـيِّ فـي بيئة معادية، إن علـى مستوى المدينة، حيث اللوبـي اليهودي يُمسك بخيوط التحالفات، وإن علـى مستوى المحيط، حيث أغلب القبائل لا تغامر بمعاداة قريش بدعم وإسناد المسلمين. وبالتالـي، ألمْ يكن الأولـى أن يشتغل المسلمون علـى الجبهة الداخلية ترسيخا للأقدام، قبل فتح جبهة خارجية مع عدو يتربص بالمسلمين الدوائر؟

الأسباب والدواعـي

علـى الرغم من التكتم علـى قرار اعتراض القافلة القرشية، وعلـى الرغم من عنصر المباغتة، حيث اكتُفـي بمن حضـر من المسلمين لحظة اتخاذ قرار الخروج، علم أبو سفيان بما راكم من تجارب خبر اعتزام المسلمين اعتراض القافلة، فسارع لتغيير المسار بعيدا عن المكان الذي كمّن فيه المسلمون، وأوفد من يخبر قريشا بالخطر الذي يتهدد أموالهم، مثلما لم يتأخر فـي طمأنة قريش لاحقا علـى أموالهم ونجاة القافلة، عساهم يعدلون عـن قرار الخروج دفاعا عن أموالهم.

السؤال: إذا كانت قريش بقيادة أبـي جهل مزهوة بالعظمة أصـرّت علـى مواصلة الزحف نحو بدر مكان عسكرة المسلمين، قصد إقامة حفل أكل وشرب وغناء يحفظ لها هيبتها بين القبائل، فلماذا لم يتخذ المسلمون – اعتبارا لتفاوت قوتهم وقدراتهم القتالية بناء علـى المعلومات التـي توفرت لهم عن الجيش القرشـي عددا وعتادا – قرارَ الانسحاب الآمـن بالعودة إلـى الديار، تفاديا لتهلكة مؤكدة، ما دامت القافلة، وهـي الهدف، قد أفلتت من أيديهم؟

العدد والعدة

خرج المسلمون صائمين – ولم يتذرّعوا بكونهم فـي أول “تجربة” للصيام – فـي ثلاثمائة وأربعة عشـر رجلاً، معهم سبعون بعيراً وفَرَسان؛ عددٌ وعُدّةٌ تتناسب وعملية اعتراض قافلة تجارية خاطفة سهلة المنال يحرسها أربعون رجلا. بالمقابل جهّزت قريش جيشا قِـوامُه أَلْف مقاتل، ستّمائة منهم مدجّجون بالدروع، مع سبع مائة بعير ومئة فرس، ترافقهم القيان (المغنيات) لتعبئة الجيش ورفع معنوياته علـى القتال من خلال ذم المسلمين وشيطنتهم علـى موائد الخمر والرقـص. تفاوت كبير فـي عدد وعدة الفريقين، تفاوت يؤهل قريشا لإبادة المسلمين، “ويرشح” المسلمين لهزيمة نكراء، تعيد طرح سؤال جدوى قرار خوض المعركة وواقعيته.

الحافـز والاستعداد

بعد إفلات القافلة التجارية، وجد المسلمون وقريش أنفسهم فـي مواجهة بحوافـز مختلفة، فالمسلمون الذين ظلوا زمنا يشتغلون علـى بناء العامل الذاتـي ممثلا فـي استكمال التربية الإيمانية، تأهيلا لجيل قادر علـى حمل أعباء المشـروع الإسلامـي ومقتضيات التدافع فـي بيئة معادية، وجدوا أنفسهم ودون سابق إنذار أمام مواجهة حربية غير متكافئة. بدوره الجيش القرشـي أو أغلبه لم يعُدْ يرى للنزال مسوغا، ما دامت القافلة قد نجت من الوقوع فـي أيدي المسلمين، وبالتالـي تراجع الحافـز للقتال.

وحيث إنه يبدو وكأن المسلمين استُدرجوا لأول نزال ضد قريش، فإن خروج القافلة من حسابات المسلمين، رفع منسوب الاستعداد لمواجهة عدو يقود جيشه صناديدُ قريش بخلفية عدائية للإسلام سعيا لاستئصال شوكته، وبالتالـي فالمواجهة ضـرورية، وها هـي ظروفها رُتّبَـتْ من غير قصد من الطرفين، ناهيك عن أن هؤلاء الصناديد – وهم بلغة العصـر – مجرمو حرب أذاقوا المسلمين قبل الهجرة الويلات والمحن، وارتكبوا فـي حقهم فظاعات بشعة، آن أوان تصفية حساباتها.  

النتائــــــجُ

وعلـى عكس كل التوقعات، انتهـى النزال باندحار جيش قريش وسقوط هيبتها بين القبائل أمام “جيش” مبتدئ بدون إنجازات قتالية، وبإمكانيات متواضعة، ليطفو سؤال الحافز ممثلا فـي وجود قضية مقتنع بها جعلت النزال مسألة وجودية، يقابله حافز متذبذب، فأغلب الجيش من العامة، لا قضية لهم، وكما يقال: لا ناقة ولا جمل لهم فـي القافلة المتحارب عليها، وبالتالـي وجدوا أنفسهم وقود صـراع وُجوديٍّ غير معنيين به.
فعلـى المستوى البشـري، قُتِل من قريش سبعون رجلا أغلبهم من الصف الأول للقادة، ومنهما أبو جهل وأمية بن خلف، مقابل أربعة عشـر من المسلمين فقط، بواقع ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصـار. وتمّ أسْـرُ سبعين رجلا صُفِّيا اثنان منهم لسوابقهما العدائية وأذيتهما للمسلمين: النضـر بن الحارث وعقبة بن أبـي معيط.

وعلـى المستوى المعنوي والسياسـي، قدم المسلمون أوراق اعتمادهم قوة ناشئة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار فـي التحالفات والعلاقات “الدولية”؛ أما قريش فقد ضُـربت هيبتها بين القبائل العربية فـي مقتل، وتراجعت أسهمها السياسية، بعد أن كان صوتها مسموعا لا يُعلـى عليه.

الخلاصة والمغزى

وحيث إن الشـيء يتحدد بنقيضه، نطرح السؤال: ألا يعتبر قرار خوض أول نزال حربـي ضد قريش، بعد إفلات القافلة التجارية معقولا، علـى فجائيته وما يكتنفه من مغامرة محفوفة بمخاطر وجودية للمسلمين ومشروعهم؟

الجواب: نعم، تفاديا لتآكل الجبهة الداخلية للمسلمين، مهاجرين ضحَّوْا بذويهم وأموالهم، وغامروا من خلال ركوبهم المجهول بهجرة الأهل والديار، وأنصاراً جادُوا بأمنهم وأموالهم احتضنوا مشـروعـاً بشّـر بالحرية والكرامة والعزة والعدالة. وحيث إن قريشاً تمثل العدو المركزي للمشـروع الإسلامـي، فمواجهتها حتمية، وخير المواعد ما جاء من غير ترتيب.

إن غزوة بدر بما أسفرت عنه من انتصار فـي أول مواجهة ضدّ قريش مكّنت من اختزال زمن ظهور المسلمين فـي ميدان التدافع فـي المنطقة، ولو لم تُغنمِ الفرصة الـتـي سنحت لاحتاج المسلمون جهدا أكبر وزمنا أطول وكلفة بشـرية – ربما – أكبر لتحقيق النجاح ذاته.

إن غزوة بدر بمخرجاتها، وبما يكون قد اكتنف قرارها من مغامرة، أسست لميلاد المسلمين قوة ناشئة ستتبلور وتستوي بعد زمن قصير معلنة بداية عهد التمكين فـي نفس شهر رمضان بعد ستة أعوام فقط، أي خلال السنة الثامنة للهجرة، حيث تفاجأت قريش بالمسلمين غداة انتقاض صلح الحديبية وهم يُجهزون جيشا عرمرما قوامُه عشـرة آلاف مقاتل، فكان أن فتحت مكة أبوابها للمسلمين الذين دخلوها فاتحين دون أدنـى مقاومة قرشية.

إذن، الأمر ليس تهورا أو انتحارا سياسيا كما قد يَتوهّـمُ بعض ويُسـوِّقُ، بل هو يقظة وحيوية استخباراتية، وتعبئة الصف، وهو قبل ذلك ومعه وبعده قيادة حكيمة، خبيرة، حريصـة علـى الحاضنة الشعبية، رحيمة بها، ثم هو تدبير راشد واستثمار للمستجدات الميدانية، مع الأخذ بأدوات التعبئة والمشورة صناعة للقرارات المصيرية؛ تعبئة ومشورة تقويان الولاء للمشـروع، وتضمنان الانخراط الفعال ذودا عنه، وبذلا وتضحية لا متناهية لتنزيله وبلورته واقعا معاشا وسلوكا ممارسا.

نقطة نظام

مقتضـى فكرة المقال، كانت خوضَ تجربة تحليل غزوة بدر الكبرى انطلاقا من المشترك الإنسانـي، وعرْض حيثياتها وتحليل أحداثها مجردة من أي عامل غيبــــــيٍّ يعترف بفعل الله تعالـى وقدرته فـي توجيه الأحداث؛ وحيث إنه فـي خضم هذا التحليل طفَتْ مساحة رمادية اكتنفت تفاصيل هذا النـزال، وظلت أسئلة معلقة تنتظر أجوبة، ننفتح علـى نور الوحـي من خلال سورة “الأنفال” – التـي تُعتَـبَـر غزوة بدر الكبرى محورها الرئيس – لسدِّ الفراغات فـي تحليل وقائع معركةٍ استثنائيةٍ بكل المقاييس:

1.  لعل الاستجابة لقرار اعتراض قافلة تجارية استردادا لبعض أموال المهاجرين أسهلُ على النفس من قرار نزال حربـي خارج أي سياق. عن عبد الله بن عباس: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبـي سفيان مقبلا من الشام، ندب المسلمين إليهم، وقال: “هذه عيـرُ قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله يُنْفِلُـكُـمُوها” 1. استهدف المسلمون القافلة/غير ذات الشوكة، لكن الحق سبحانه هيأ لهم مناسبة الظهور وطرْق باب التمكين من أعظم بواباته: هزيمة قريش وتمريغ هيبتها فـي تراب الذل والعار. يقول عز سلطانه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِر الْكَافِرِينَ(الأنفال 7).

2.  بانفلات القافلة التجارية انتفت عمليا أسباب المواجهة بين الطرفين، وكان المنطقـي أن يعود الطرفان إلـى حال سبيلهما، لكن كان للأقدار الإلهية رأيٌ آخر. يقول تبارك وتعالـى: إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُم لَاخْتَلَفْتُمْ فـِي الْمِيعَادِ وَلكِن لِّيَقْضِـيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَـى مَنْ حيِــــيَ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ(الأنفال 42).

3.  كيف لمجموعة قليلة قِوامُها (314) متطوعا، متواضعة عُدّةً، أن تواجـه جيشا من (1000) مقاتل مدجج بالسلاح؟ إنه التدبير الإلهـي الذي تكفل بترتيب الأمور، حيث زُيِّـن لكل طرف مواجهةُ غريمه مُستخِفّاً بقدراته، تنزيلا لمراد الله العليم الخبير: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فـِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فـِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِـيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلـى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(الأنفال 43).

4.  أمست المواجهة واقعا بين فريقين غير متكافئين عددا وعُدة، وليس لهذه الضائقة كاشف إلا الدعاء والتضـرع للباري أن يتنزل علـى جنده بالتثبيت والنصـر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّـِي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مـن الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْـرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْــرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(الأنفال 9). علما أن الهدف – والله أعلـى وأعلم – من التصريح بعدد الملائكة المُساوي لعدد جيش قريش هو رفـع منسوب طمأنة المسلمين ودفع أي ضغط نفسـي عنهم.

وعلـى ذكْـر تنزُّل الملائكة نصـرة للمجاهدين، فهو ليس حكرا علـى زمن الصحابة تحت القيادة النبوية، بل هو قاعدة تسـري علـى من ندبوا أنفسهم للجهاد فـي سبيله والذود عـن دينه ومقدسات الأمة وعزتها؛ حقيقة شهد بها بعض مقاتلـي الكيان الإسرائيلـي فـي العدوان الجاري علـى غزة العزة – والحق ما شهدت به الأعداء – حيث تواترت اعترافاتهم أنهم كانوا يقاتلون فـي بعض المواقع أشباحا.

قاعدة سارية، فالملائكة جندُ الله فـي حالة تأهب دائم للإسناد والدعم متـى استــوفــى جندُ الله شروطَ النصــر علـى قاعدة: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(الحج 40)، كما فصلتها سورة “الأنفال” وجسدها استحقاق غزوة بدر الكبرى: ربانية القيادة، إخلاص النية، تصافـي القلوب وسلامتها، الذكْـرُ والإقبال الدائم علـى الله تعالى، تراصُّ الصف، التخلص من الحول والقوة، إفراغ الوُسع فـي اتخاذ أسباب النصـر، يُتوجُ ذلك الوقوفُ علـى باب الله الكريم اللطيف دعاء وتضرعا واستغاثة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله العالمين.


[1] فقه السيرة، الصفحة أو الرقم 218، المحدث: صحيح (الموسوعة الحديثية- الدرر السنية.)