في خضم سياق اجتماعي متوتر نتيجة تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومع تزايد التقارير الرسمية وغير الرسمية التي تؤكد ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، أصبح التساؤل حول مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وفي هذا الإطار، نظمت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالرباط يوم الثلاثاء 10 رمضان 1446 الموافق لـ11 مارس 2025، ندوة سياسية تحت عنوان “الاحتقان الاجتماعي بالمغرب وآثاره على المشهد السياسي: قراءة في الواقع والمآلات”، بهدف تحليل أبعاد هذا الاحتقان، وفهم أسبابه العميقة، واستشراف سيناريوهات المستقبل في ظل تصاعد الغضب الشعبي تجاه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وقد شارك في تأطير الندوة كل من الصحفي والناشط الحقوقي عمر الراضي، والأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي خالد البكاري، والأكاديمي وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان محمد بن مسعود، حيث قدم كل منهم مقاربته الخاصة حول الموضوع.
استهل عمر الراضي مداخلته بالإشارة إلى تصاعد غير مسبوق في حدة الاحتقان الاجتماعي بالمغرب، مستندًا إلى معطيات رسمية حول تفاقم البطالة وتزايد الهشاشة الاجتماعية. وأوضح أن الاختيارات النيوليبرالية في الاقتصاد المغربي ساهمت في توسيع الفجوة الطبقية وإضعاف القدرة الشرائية للمواطنين، مما أدى إلى تعميق الأزمة الاجتماعية. كما اعتبر أن الفاعل السياسي تخلى عن دوره في تأطير الشارع المغربي بعد حركة 20 فبراير، حيث انشغلت الأحزاب بمصالحها الخاصة بدلًا من التجاوب مع المطالب الاجتماعية الحقيقية.
من جهته، قدم محمد بن مسعود قراءة تحليلية لمفهوم الاحتقان الاجتماعي، مشددًا على أنه لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأكد أن الأزمة الاجتماعية في المغرب ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لمسار تاريخي طويل من الأزمات المتكررة منذ الاستقلال، والتي تعود جذورها إلى استمرار الفساد وتغلغل المصالح الريعية في بنية الدولة. كما استعرض أرقامًا تعكس تزايد الاحتجاجات، معتبرًا أن الحل يكمن في توحيد القوى المجتمعية والسياسية ضمن جبهة موحدة لمواجهة السياسات التي تؤدي إلى تفاقم الأوضاع.
أما خالد البكاري، فقد ركز في مداخلته على أن الاحتقان الاجتماعي في المغرب ليس مجرد انعكاس لعوامل خارجية مثل جائحة كورونا أو الحرب الأوكرانية الروسية، بل هو نتاج مباشر لاحتكار الثروة من قبل فئات محدودة والتنافس الحاد على الموارد الاقتصادية. وأوضح أن الارتفاع المستمر في الأسعار يعكس توزيعًا غير عادل للثروة، مشيرًا إلى أن الاحتقان الاجتماعي هو “احتجاج مؤجل”، مرشح للانفجار في أي لحظة. واعتبر أن الدولة تعتمد آليات الإلهاء والتوهيم والتنفيس لمحاولة احتواء الأزمة، لكنها لا تعالج الأسباب الجذرية لها، مما يجعل التوتر الاجتماعي قائمًا وقابلاً للتصعيد في أي وقت.
وقد تميزت الندوة بنقاش مفتوح وتفاعلات واسعة من الحضور، الذين كان من بينهم فاعلون ونشطاء من مختلف المجالات السياسية والحقوقية والنقابية والإعلامية، حيث قدموا مقاربات متعددة وزوايا تحليلية متنوعة أسهمت في تعميق النقاش.
واتفق المتدخلون على أن الحل يكمن في تكثيف العمل الجماعي، وتجاوز الخلافات السياسية والفكرية، وتشكيل جبهة مجتمعية قوية قادرة على الضغط من أجل تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في الحد من تفاقم الأوضاع.
كما خلصت المداخلات إلى أن استمرار تأزم الوضع الاجتماعي في المغرب يستدعي استجابة فعلية من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، مع ضرورة استعادة دور القوى الحية في تأطير المواطنين والدفاع عن حقوقهم، تفاديًا لوصول الاحتقان إلى مستوى قد يصعب احتواؤه.