يحل علينا شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، حاملًا معه فرصًا لا تُحصى للخير والعطاء، وأول الخير وأعظمه ما كان لأهلنا وأحبّتنا في بيوتنا. تأملتُ في قول النبي ﷺ: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” [رواه الترمذي وابن ماجة]، فوجدتُ فيه ميزانًا دقيقًا لاختبار صدق التزامنا بالقيم التي نرفعها وترفعنا في هذا الشهر الكريم.
فإن كان رمضان موسمًا للخير، فكيف أكون من أهله إن قصّرتُ في الخير مع أقرب الناس إلي؟ كيف أنهل من بركات هذا الشهر الفضيل وأنال وسام الخيرية إن كنتُ بعيدًا عن واجباتي تجاه أسرتي ومقصرا في أدواري؟
في هذا السياق، يضع النبي ﷺ لنا قاعدة أساسية في بناء الأسرة الصالحة بقوله: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”، ومعنى هذا الحديث لا نحصره فقط في الأساس الأخلاقي، بل نستحضر كل الأسس التي تقوم عليها العلاقة الزوجية وتساهم في تقوية الروابط الأسرية، وهي:
1. الأساس الإيماني: العلاقة مع الله كأساس للاستقرار الزوجي
يُعتبر هذا الأساس المحور الذي تدور حوله العلاقة الزوجية ويساهم في بناء حياة أسرية مستقرة، إذ كلما زاد تقرب الزوجين من الله عز وجل، إلا وانعكس ذلك على أخلاقهما وتصرفاتهما داخل البيت، وبالتالي زادت قوة العلاقة بينهما. فرحلة التقرّب إلى الله خاصة في رمضان ينبغي أن تكون جماعية، لا فردية، من خلال:
– حرص الزوجين على التناصح والتحفيز والتشجيع والتذكير المتبادل على الطاعة وطلب وجه الله عز وجل، وهذا مما يجعل زواجهما ممتدا للآخرة، ومما يجعل العلاقة قائمة على أساس من الله متين. شعارهم فيها قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف: 40]، وأسوتهم سيدنا رسول الله ﷺ الذي قال: “رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء” 1.
– تخصيص وقت للعبادة المشتركة: مثل قراءة القرآن والدعاء الجماعي، ومرافقة الزوجة والأبناء لصلاة التراويح، أو أداء بعض النوافل معًا، مما يعزز الشعور بالتلاحم ومفهوم الذات الواحدة.
– تحويل البيت إلى بيئة إيمانية: بخلق أجواء رمضانية تُشعر الجميع بروحانية هذا الشهر الكريم وتحببهم فيه، وتحفيز الأبناء على الصيام والعبادة وقراءة القرآن بطريقة مشجعة، مستحضرين فضل ما أعده الله لعباده الصالحين من خلال قوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ [الرعد: 23].
2. الأساس العاطفي: الحب والمودة جسر للخير في الأسرة
“في كل صباح ومساء يقضيانهما في ألفة ومحبة يكتب لهما صدقة” 2. الأساس العاطفي لا يقل أهمية عن الأساس الإيماني، فالعلاقة الزوجية ليست مجرد التزامات يومية، بل هي مودة ورحمة. وإذا كان رمضان شهر التسامح والرحمة والمغفرة، فإن هذه القيم يجب أن تكون حاضرة في تعامل الأزواج مع بعضهم ومع أفراد الأسرة ككل. ويمكن تحقيق ذلك عبر:
– التعبير عن المشاعر لفظا، وبكل الطرق الأخرى المتنوعة والبسيطة ولكنها مؤثرة: مثل الشكر وتقديم الهدايا عرفانا للجميل وتقديرا لمجهودات شريك حياتك، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تُدخل الفرح إلى قلبه.
– الجلوس معًا بعد الإفطار أو قبل السحور للحديث والاستماع باهتمام، فالكثير من المشكلات الأسرية سببها غياب التواصل الحقيقي، فليكن هذا الشهر فرصة للتغيير والتجديد.
– خلق لحظات خاصة بين الزوجين: فاجتهادك في العبادة والعمل، لا يبرر لك عدم تخصيص وقت للحديث والتفاعل العاطفي مع زوجك وأبنائك . وذلك لقول عائشة رضي الله عنها: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ 3 وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لأَرَبِهِ” 4.
3. الأساس الأخلاقي: حسن التعامل أساس العشرة الطيبة
قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”، “فترى الرجل إذا لقي أهله كان أسوأ الناس أخلاقا وأشحهم نفسا وأقلهم خيرا. وإذا لقي غير الأهل من الأجانب لانت عريكته وانبسطت أخلاقه وجادت نفسه وكثر خيره. ولا شك أن من كان كذلك فهو محروم التوفيق، زائغ عن سواء الطريق” 5.
الخير في البيت لا يكون فقط بالعبادة المشتركة أو بالتعبير عن الحب، بل يحتاج أيضًا إلى أخلاق تُترجم هذا الحب إلى سلوك يومي ملموس. ومن أهم القيم الأخلاقية التي يجب أن تسود في رمضان:
– الصبر وضبط النفس: رمضان فرصة للتدرب على التحلي بالصبر في مواجهة ضغوط الحياة، سواء بين الزوجين أو في تربية الأبناء.
– التسامح والتغافل: فكما نرجو من الله أن يغفر لنا، علينا أن نتعلم ذلك داخل بيوتنا.
– تقاسم المسؤوليات: خاصة في الأعمال المنزلية وتحضير الإفطار، إذ لا ينبغي أن يتفرغ الزوج للذكر والعبادة وقراءة القرآن… بينما زوجته تستنزف كل وقتها وطاقتها في المطبخ.
كيف نحقق معاني الخيرية في بيوتنا عمليًا؟
إذا أردنا أن يكون رمضان شهر “الخيرية” فعلًا، وليس مجرد شعار، فلا بد من ترجمة هذه القيم إلى ممارسات يومية، ومن بين الوسائل العملية لتحقيق ذلك:
1. التعاون بين الزوجين وتقاسم المسؤوليات: توزيع المهام الرمضانية بحيث لا يشعر أحد الطرفين بالإرهاق.
2. التخطيط لنشاطات عائلية تعزز روح التعاون: مثل تحضير وجبات الإفطار معًا، أو تخصيص وقت للحديث عن القيم الرمضانية.
3. إحياء روح العطاء داخل الأسرة: تشجيع الأبناء على المشاركة في أعمال الخير؛ كالتبرع، أو مساعدة المحتاجين، أو تقديم وجبات للصائمين.
4. التقليل من الانشغال بالهواتف والمشوشات، واستبدالها بأوقات نوعية وأنشطة عائلية بانية .
5. تشجيع الحوار الأسري الحميمي والبنّاء: تخصيص وقت يومي للنقاش حول المواضيع التي تهم العائلة، والاستماع والإنصات إلى همومهم في جو من المحبة.
ختاما: رمضان محطة لتجديد العلاقة الزوجية خاصة والأسرية عامة
إذا كان رمضان شهر التغيير، فهو فرصة ذهبية لنراجع أنفسنا في طريقة تعاملنا مع أقرب الناس إلينا. فالخيرية الحقيقية تبدأ من البيت، ومن خلال تحقيق التوازن بين الأسس الثلاثة (الإيماني، العاطفي، والأخلاقي)، فيصبح رمضان شهرًا يجمعنا فعلًا على الخير، ونجسد معاني الخيرية في واقع حياتنا.
وأسأل نفسي وأسألك أخي الكريم أختي الكريمة: هل سيكون رمضان هذا العام مختلفًا عما عهدناه في بيوتنا أم أننا سنسعى لاستثمار دقائقه الثمينة بعزم وإصرار؟ كيف سنحقق الخيرية في أسرنا؟ وإلى أي حد سنغرف من شعار حملتنا لهذا العام؟
[2] الإمام عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ط 2018/4، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج 2، ص 140.
[3] مَعْنَى الْمُبَاشَرَة هُنَا: اللَّمْسُ بِالْيَدِ، وَهُوَ مِنْ اِلْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ.
[4] رواه الترمذي (728) واللفظ له، وأخرجه البخاري (1927)، ومسلم (1106) باختلاف يسير.
[5] الإمام الشوكاني، نيل الأوطار، ص 1249.