رمضان يعرض علينا مشروع حياة سعيدة يكون عمادها القرآن وعبقها زهور متفتحة تضيء الكون بمصابيح الهداية، ويدعو إلى تبني منهج التيسير كمبدأ صلب يقف عليه العبد المؤمن، تمهيدا للسير الهادئ على خطى ثابتة نحو لقاء الله المحتوم الذي يطلب منا إظهار الفرح والحبور وسط معمعان رحى الدنيا وجعجعتها بالتكبير الخالص والشكر العملي على الدوام.
قال الله في البيان القرآني الجامع لحِكم رمضان المبارك: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 185]. ولمزيد معرفة الغاية من رمضان يمكننا النظر في حال سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لنقتبس ونقترب.
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن يكون معه في الجنة فطلب منه الإكثار من الذلة والخضوع بين يدي الرحمان، يقول: “كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ. فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. قالَ: أو غيرَ ذلكَ؟ قُلتُ: هو ذَاكَ. قالَ: فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ” (رواه مسلم). وهذه قاعدة نبوية عظيمة لبلوغ المرام، فمن أراد الفوز بمخازن البركات والفتوحات الرمضانية، فليكثر من الوقوف على عتبة باب المولى ويلح في الطلب حتى يفتح له الباب، وذلك في كل أحواله. ولأجل هذا الغرض أردف الله سبحانه آية الحث على الدعاء والاستجابة مباشرة بعد الحديث عن فضائل رمضان وحِكمه، ليدل ذلك على قدسية الزمان ومعراج الروح في سُلّم الدعاء إلى رب العالمين، قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].
إن شهر رمضان الأبرك باب مفتوح وطريق سيار موصل إلى حضرة ربنا بأيسر الأعمال، كيف لا وأبواب الشيطان (العدو الأكبر) موصدة كما بشرنا نبي الرحمة ﷺ بقوله: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة” (رواه الترمذي). فطوبى لمن اغتنم واغترف، وسار على الدرب دون التفات ولا تيه ولا ضياع ولا تلف…
ونظرا لعظمة منزلة هذا الشهر الفضيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهيج قلوب الصحابة الكرام ويشعلها شوقا لاستقبال هذا الضيف الكريم والاحتفاء به أيما احتفاء، استعدادا للفوز الأبدي بالاصطفاء الرباني والكرم الإحساني؛ فكان يسألهم عليه الصلاة والسلام تشويقا وتحبيبا في الحرص على التعرض للنفحات الربانية قائلا: “أتدرون ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ أتدرون ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ أتدرون ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله وحي نزل؟ قال: لا، قال: عدو حضر؟ قال: لا. قال: فماذا؟ قال: إن الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة وأشار بيده إليها” (أخرجه ابن خزيمة).
وانطلاقا مما سبق نفهم بالتلميح والتصريح بأن شهر الصيام يريد منا أن نحدث انقلابا جذريا على أنفسنا وتطهيرا لذواتنا حسا ومعنى، كما كان يصيح الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله في القوم: “التوبة قلب دولة”، إنها دولة النفس يا سادة! التي يحكمها عسكر الهوى والغرور، ويسكنها سلطان الكبر والاستعلاء، ويستولي عليها جحيم الملذات والشهوات.
رمضان يدعونا إلى إعلان التوبة الانقلابية، لأن الفرصة تاريخية لمطالبة النفس الطاغية بالعودة إلى خالقها والتصالح معه والتحرر من كل القيود المثبطة عن السير إليه سبحانه وتعالى. فكيف إذن يتحقق هذا التغيير المنشود في رمضان؟
يتبع…