في السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة، خاض المسلمون معركة بدر الكبرى، والتي سماها الله جل جلاله في كتابه الكريم “بيوم الفرقان”، فيها كانت اللحظة المفصلية الفارقة بين الحق والباطل، وبين ماضي الشرك وغد الإيمان. والأكيد أن عددا كبيرا من المسلمين يعرفون هذه المعركة، بل بأدق تفاصيلها أحيانا، لكن ما يهمنا في موضوعنا هذا هو العبر الخالدة من هذه المعركة، وقد سبقني العديد لاستنباط عبر هذه الغزوة المباركة، لكن شأنها شأن جميع أحداث السيرة، فعبرها متجددة دائمة إلى يوم القيامة.
ولعل من العبر الكثيرة التي يمكن أن نتعظ بها من هذه الغزوة ما يلي:
لا تدع الفرص تفوتك فلا تدري متى يأذن الله بالفتح والنصر
في تتبعنا لأحداث غزوة بدر سنجد في بداية أمرها أن هدف خروج المسلمين لم يكن هو الحرب، إنما كان هدفهم عير قريش كي يستردوا بعضا مما خلّفوه وراءهم في مكة حين هاجروا واستولى عليه المشركون. لذا ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج طلبا لها ولم يلزمهم بذلك، فكان أن استجاب عدد من المسلمين لهذا الاستنفار الذي رغبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يدُر بخلد أحدهم أن ما هم مقدمون عليه سيخلده التاريخ، بل سيجعل منهم صحابة متميزين داخل الصحابة أنفسهم، حتى صاروا يعرفون بالبدريين كرامة لهم.
إن العبرة التي يجب أن نقف عندها هنا هي أن كرم الله تعالى يأتي لعباده من حيث لا يحتسبون، وأن الله جل جلاله قد يهيئ لك الأمر الجلل مما قد تراه أمرا مستحقرا أو عاديا، فالصحابة والمسلمون في المدينة حينها اعتبروا أن ملاقاة عير قريش التي لا يتعدى أفرادها بضعة أشخاص أمر عادي إذا قام به بعضهم كفي به الكل، خاصة وأن خراج هذه الإغارة سيعم المدينة كلها. لكن الذين سبقت لهم الحسنى أخذوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحزم اللازم، والأهمية التي ينبغي أن يوليها المسلم لأمر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فكان جزاؤهم أن أكرمهم الله كرامة الدنيا والآخرة، حتى قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) َصحيح البخاري. فبادر أخي الكريم في كل أمر تنتدب لفعله فلا تدري متى يفتح الله لك وبك.
حينما تثمر التربية النبوية في الأفراد فيصبحون رجالا
لعل جُلّ أهل بدر كانوا من عامة الناس قبل 15 سنة من غزوة بدر، إلى أن جاءهم البشير النذير فهداهم وجملهم وزينهم بزينة الإسلام وهذبهم بنور الإيمان ورباهم ببهاء الإحسان، فصاروا رجالا لا يشق لهم غبار في الحق. وما غزوة بدر إلا نتيجة حتمية لهذه التربية النبوية التي أخرجت لنا مثل هؤلاء الرجال، ولعل مشاورته إياهم وما أجابوا به يبين أي معدن من الرجال هم، وإلا كان بإمكانهم أن يعتذروا بأن لا الوقت ولا الإمكانيات مناسبة لهم لمواجهة قوة عظمى آنذاك في شبه الجزيرة العربية وهي قريش.
إن العبرة التي يجب أن نقف عندها مليا هو أن التربية النبوية الإيمانية الممتدة عبر الأجيال والواصلة إلينا بنور الصحبة المباركة من رجال تربوا عمن تربوا عمن تربوا… عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الفيصل الأساس في أي نصر أو نجاح تصبوا إليه الأمة.
الخوف طبيعة بشرية والجبن مهلكة أبدية
يحكي لنا الله عز وجل عن أهل بدر في سورة الأنفال مقطعا من الحادثة قبل وقوعها، حيث يقول جل جلاله: إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ سورة الأنفال الآية 6. فالمسلمون انتدبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج بادئ الأمر من أجل ملاقاة عير قريش، لكن حينما راغ بها أبو سفيان وخرجت قريش لملاقاة المسلمين أصبح الواقع أمرا آخر غير الذي انتُدِب له المسلمون، وطبيعة النفس البشرية تريد ما سهل من الأمور حتى وإن كانت نتائج الصعاب أفضل بكثير. ولا ندري الكراهة المذكورة في الآية أكانت خوفا طبيعيا أم أنها متعلقة بعدم الاستعداد، وكيفما كان الحال فإنه حينما استشارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بن معدن التربية مرة أخرى، ما يدل على أن هذه الكراهة المذكورة إنما كانت مكنونة في النفوس بادئ الأمر ولم يصرحوا بها، فلما كان ما كان من استشارته عليه السلام ظهر ما ظهر من معدن الرجال.
والعبرة هنا أن أهل بدر كانوا بشرا مثل سائر البشر، يجري عليهم ما يجري على غيرهم، من أحوال الخوف والضيق والشدة والكراهة، لكنهم فضُلوا بمعدن تربيتهم، فالمؤمن الحق هو الذي يغالب نفسه ويكابدها ولا يترك لها العنان تقوده حيث شاءت. ومن جاهد نفسه في الخلوات أمسك زمامها في الجلوات، من حاربها وقت الرخاء يربيها وينقيها دانت وتطاوعت له وقت الشدة، فلا يحقرن أحد نفسه ولا يقل إنما أنا خواف لا أستطيع، فكما يخاف هو يخاف عدوه، وإنما يفوز من يتشجع فيقدم على الأمر الجلل، وينهزم ويتقهقر كل من صار خوفه جبنا يمنعه من كل شيء.
من الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي
أهل بدر انتدبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما انتدب غيرهم من المسلمين، إلا أن أهل بدر آثروا مصلحة الجماعة فخرجوا طلبا للعير، وحينما فرضت عليهم الحرب قدموا أرواحهم في سبيل الله، ثم فداء لأمتهم ودولتهم الناشئة، طلبا لخلاص الأمة من غطرسة الكفر وأنصاره ونصرة لعموم المسلمين في المدينة، وحفاظا على شوكة هذا الدين حتى يعم الآفاق فينجو غيرهم. هكذا انتقل الأصحاب الكرام أهل بدر من طلب الخلاص الفردي إلى طلب الخلاص الجماعي للأمة والبشرية جمعاء. متى تربى الإنسان وسمت همته فلا يحده إلا طلب الخلاص لأمته جمعاء والبشرية أجمع.
عبرة فريدة لاحقة بعد سنين
في الحديث الذي أوردنا جزء منه في العبرة الأولى ونورده هنا بتمامه، روى البخاري عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: “بَعَثَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَا والزُّبَيْرَ والمِقْدَادَ، فَقالَ: انْطَلِقُوا حتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فإنَّ بهَا ظَعِينَةً معهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ منها فَذَهَبْنَا تَعَادَى بنَا خَيْلُنَا حتَّى أتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: أخْرِجِي الكِتَابَ، فَقالَتْ: ما مَعِي مِن كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فأخْرَجَتْهُ مِن عِقَاصِهَا، فأتَيْنَا به النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَإِذَا فيه مِن حَاطِبِ بنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ بمَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ ببَعْضِ أمْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما هذا يا حَاطِبُ؟ قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ امْرَأً مِن قُرَيْشٍ، ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ، وكانَ مَن معكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لهمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بهَا أهْلِيهِمْ وأَمْوَالَهُمْ بمَكَّةَ، فأحْبَبْتُ إذْ فَاتَنِي مِنَ النَّسَبِ فيهم، أنْ أصْطَنِعَ إليهِم يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، وما فَعَلْتُ ذلكَ كُفْرًا، ولَا ارْتِدَادًا عن دِينِي، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه قدْ صَدَقَكُمْ فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسولَ اللَّهِ فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقالَ: إنَّه شَهِدَ بَدْرًا وما يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ قالَ عَمْرٌو: ونَزَلَتْ فِيهِ: يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِيَاءَ“.
فالبدريون لم يكونوا أناسا معصومين من الخطإ والزلل وإنما هم بشر يصيبون ويخطئون، بل إن خطأ “الخيانة العظمى” بلغة العصر من أعظم الأخطاء. فليست العبرة بأنهم هم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى درجة من الإيمان، إنما العبرة بأنهم يسري عليهم ما يسري علينا، فلاتكن حجة لنفسك لتستكين عن طلب المعالي أنك تخطئ وتذنب وإن الأولى أن تصلح نفسك، إنما إصلاحك نفسك معراج في التربية لا ينفك عن إصلاح الناس ودعوتهم للصلاح والفلاح.
لقد كانت بدر معركة فاصلة في تاريخ الإسلام وكذلك في تاريخ البشر أجمعين، فكان لزاما أن تكون عبرها ممتدة عبر الزمان متجاوزة لحدود المكان، متجددة بتجدد الظروف والزمان والمكان… وخير ما قيل في ذلك ما أثر عن الأستاذ الجليل محمد عبادي حفظه الله “إن ملائكة غزوة بدر ما تزال مستعدة متحفزة، فقط تنتظر رجالا مثل رجال بدر”.