7 أكتوبر.. يوم سقوط الأسطورة

في مثل هذا اليوم من السنة الماضية 2023 هزت كتائب القسام كيان المحتل بعمليات بطولية أطلقت عليها اسم "طوفان الأقصى". كان بالفعل حدثا عظيما عرى عن حقائق كانت بالأمس القريب خفية، بل ومستبعدة.
طوفان الأقصى اقتحم الجدار المنيع الذي تختبئ وراءه فئران المحتل برشاشاتها وسلاحها العتيد. صدق فيهم قول الحق سبحانه: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ (الحشر، 14). وأسقط أسطورة الجيش الذي لا يقهر، بعد أن أرسلت كتائب القسام نسورها البواسل تحلق فوق رؤوس العدو ومعها وابل من الصواريخ عجزت أجهزتهم الاستخبارية عن كشفها قبل الواقعة. فأثلج ما حدث الصدور يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ (التوبة 15-14).
نعم كل مسلم، بل كل غيور على الحق، ومتتبع لما يقع على الأرض المقدسة من انتهاكات واعتداءات على الفلسطينيين، لا يمكن إلا أن يصرخ فرحا بالله ولله على ما أجرى من نصر على أيدي هؤلاء المقاومين الشجعان. لقد حقق الله سبحانه وعده ونصر جنده وهزم اليهود وأحزابهم وأذنابهم. "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله" (متفق عليه).
لم يكن طوفان الأقصى اعتداء كما يروج له الغرب وعملاؤه من العرب، بل كان ردا شرعيا للمقاومة على سلسلة من الانتهاكات الصارخة والمتواصلة على الأقصى، والمرابطين بالقدس، وعلى المواطنين العزل ومصادرة ممتلكاتهم، وهدم بيوتهم، وتهجيرهم، والتضييق عليهم بشتى الوسائل، وحتى السجناء يعتدى عليهم بالتجويع والضرب حتى الموت.
كل هذا تحت مرأى ومسمع المنتظم الدولي، الذي إن تحرك فهو يكتفي بالتنديد دون خطوات زجرية عملية.
كان طوفان الأقصى فرصة لتستفيق الشعوب من جديد، وتنفض الغبار عنها، وتدرك أن ما كان مستحيلا بالأمس، أصبح متاحا اليوم. وأخذت الشعوب الكلمة فهبت ملبية نداء المولى الكريم لنصرة إخوتها في غزة أبناء فلسطين الأبية.
تلك القضية التي أريد لها أن تنسى وتباد، انبعثت من جديد، فعانقت ساحات النصرة والإسناد والجهاد في ربوع بلدنا الحبيب، وفي العديد من البدان العربية وغير العربية، بل أيضا في قلب أمريكا؛ راعية الإرهاب والداعم الرسمي للمحتل. فصرخت الشعوب صرخات التأييد لغزة والمقاومة بعد ما شهدت بأم عينيها المجازر والمذابح الهمجية للمحتل، الذي جن جنونه وجمع كيده وصب جام غضبه على الأبرياء؛ فهدم البيوت على ساكنيها وهم نيام، والمساجد على المصلين وهم وقوف بين يدي ربهم، والمدارس، والملاجئ، والمستشفيات، وحتى الشجر والدواب... كلهم شاهدون على غطرسة اليهود المحتل وسياسة الكيل بمكيالين وإرهابه الذي ما بعده إرهاب.
طوفان الأقصى، لم يكن حدثا عابرا ولن يكون، بل سيصبح تاريخا يدرس للأجيال الحاضرة والقادمة لتُستقى منه الدروس والعبر.
ما دمت على حق، فالحق لا يُغلب، وإن كان للباطل جولة واحدة فللحق جولات. هذا يقين ينبغي أن نثبّته؛ نتعلمه ونعلمه أبناءنا وأبناء أمتنا. فالكيان الغاصب إلى زوال لا محالة مهما ظهر تكالب وتظافر قوى الاستكبار ضد شعب أعزل، فوراءه مقاومة لا تهاب الموت وتحب الشهادة في سبيل الله. شباب رجال أقوياء أمناء، حموا الأمة بظهورهم وعرضوا صدورهم للهيب العدو الصهيوني وهجماته من كل الاتجاهات، لكنهم لم يستطيعوا كسر شوكة هؤلاء الأحرار ولا استئصالهم، فقد اعترف المحتل أن المقاومة ليست أشخاصا معينين محدودين يسهل القضاء عليهم، إنما هي فكرة، ونقول نحن إنها عقيدة، عقيدة الجهاد لنصرة دين الله ومقدسات فلسطين، أرض الأنبياء ومسرى خير الورى، محمد صلى الله عليه وسلم. يموتون لتحيا الأمة، ويموت الشهيد تلو الشهيد والقائد تلو القائد والمقاومة ماضية في طريقها، حتى يتحقق وعد الله: النصر أو الشهادة وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج، 40).
فمعركتنا اليوم أن نكون أو لا نكون، قوى الاستكبار جمعت كيدها رغم اختلاف مصالحها واتحدت لتدمير الإسلام والمسلمين وكل ما يرمز إليهم ظنا منها أنها ستستأصلهم من جذورهم الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران، 173).
فحسبنا الله ونعم الوكيل في كل معتد، ولئن طال صبر الرجال فالصبح قريب. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: "ومن شروط الله وسنته المكملة لمعاني حكمته تعالى في الكون وابتلائه للعباد بالسراء والضراء أن يتعاقب النصر والهزيمة ليربي الله الذين آمنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين آخر المطاف"عبد السلام ياسين، سنة الله، ط 2005/2، مطبعة الخلج العربي-تطوان، ص 10..
فلسطين تحتاجنا اليوم أكثر من أي وقت مضى لنمحو عنها الظلم الذي لحق بأجيال وأجيال، لم تقف فيها المقاومة إلا موقف المدافع عن دينه وأرضه، رغم العدة البسيطة، خرّجت رجالا أرّقوا جفون الاحتلال وأرهقوهم. وهذا من صنع الله سبحانه: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ (الأنفال، 17).
لا نشكك في الخروج للساحات نصرة لإخوتنا في فلسطين ولا نبخسها وقعها على العدو؛ فهي صرخات تقض مضاجعهم وتؤكد لهم أن الشعب الفلسطيني ومن ورائه المقاومة المنتصرة، ليسوا وحدهم.
لعل فيما حدث للبنان عبرة لمن أراد أن يعتبر، فكيان ليس له حدود ويريد رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، لا غرو تستهويه كل بلاد حرة ليتربع على عرشها إن لم يجد ممانعة قوية من الشعوب. فاللهم نصرك الذين وعدتنا واجعلنا ممن ينصرك وينصر دينك أنت الغني عن العالمين.





