أختي في الله.. من هنا الطريق

Cover Image for أختي في الله.. من هنا الطريق
نشر بتاريخ

في كل مكتوبات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تجده ينحو منحى المربي المرشد، وكأنه يأخذ بيد الإنسان رجلا كان أو امرأة بحنو ورحمة يوجهه، يفهمه قائلا: من هنا الطريق، من هنا الطريق. وقد حازت المرأة حظا وافرا من إرشاداته تنظيرا وتعليما، حول أركان الإسلام، وصوى الإسلام، وكيف تستكمل الإيمان، وحفزها لتسلك لربها بإحسان.

يكفيها فخرا وهي المرأة المسلمة المغيبة، المستضعفة من لدن الاستبداد والاستكبار أن تعرف جوهر قضيتها، وهي علاقتها بربها وبمصيرها. وتتلمس وسط غلس الجاهلية مدارج الآخرة، فتقتحم وتسلك طريق السالكين إلى ربهم العزيز الوهاب.

سعيها مشكور

جبل الإنسان على حب الدنيا وزهرة الحياة. والنساء جعلهن الله عز وجل في محكم تنزيله فص زينة هذه الحياة، فهو القائل سبحانه جل وعلا: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: 46]، فبهن تكون صناعة البنين، وبأيديهن يدبر المعاش، ويحفظ المال، وتستقر الأسرة. لكن ما لهذا فقط خلقت الأنثى ولا هي الغاية والمقصد، ذاك اختبار في زحمة الحياة وعبور من بين مدلهمات النوائب.

للإمام رحمه الله رؤية ومقصد سام في خطابه للمرأة. لقد ارتقى رحمه الله بصنف النساء من حضيض ما أريد لهن من لدن الجاهلية المستكبرة إلى طلب وإرادة وجه الله عز وجل ولَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: 21]. يريد عالم الاستكبار المتحكم في كل المقومات الحيوية للإنسان أن تكون المرأة محور شريعة السوق، والاستهلاك، والدوابية العنيفة. بمعنى أن تستعبد في مراحل الإنتاج والتسويق والاستهلاك في الفكر والقيم المفسدة للفطرة وكل قمامات الحداثة التي يروجها.

يدعوها الإمام رحمه الله في تنويره الفخم أن تسمع قوله تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا [الإسراء: 19]. تحفيز لدرجات الآخرة والسعي لها بعد أن ذم سبحانه وتعالى الغفلة الناجمة عن الركون للدنيا. إن مطمح الإمام رحمه الله أن تتحرر المرأة من تلك “الإرادة الهابطة الحابطة مع الدنيا وزخرفها” 1 التي “يثاقل بها رفقاء السوء بعضهم بعضا” 2 فكما تبني المرأة الآخرة مع الخلة في الله، فإن رفقة الدنيا توهن عزيمتها في السعي للآخرة.

من الأكابر نتعلم

يعيد الإمام رحمه الله تعالى إسماع سيرة الرعيل الأول من خيرة نساء الأرض؛ من صحبن خير البشر صلوات ربي عليه. هن أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات، المجاهدات الداعيات لرسالة الحق والإيمان كما تعلمنه في كنف النبوة العصماء. لم يتركنه حبيس الحقبة الذهبية بل بلغنه وعلمنه لمن صحبهم وتبعهم بإحسان من النساء والرجال. هؤلاء “علموا أن وراء الموت بعثا ونشورا وحسابا وميزانا وصراطا وجزاء في الجنة وعقابا في النار. فاكتفى بحلال الله عن حرامه المؤمنات والمؤمنون، وزهد في الدنيا زهدا شديدا بعضهم. وبكى إشفاقا من أن تفسد آخرتهم دنياهم” 3.

إن إرادة الآخرة لا تكتمل ولا تثبت دعامتها بغير الإيمان مع المعية الإيمانية الرحيمة، كما لا يتحقق الاستمرار في ظلالها بغير صحبة الأبرار والبارات القانتات. فالدنيا عالم موار غرار لا تؤمن بوائقه. يتحين الفراغ الإيماني التربوي لتتسلل شيطنة الغفلة وشيطنة التكاثر والتنافس على الاستهلاك المدمر للروح، الذي قامت بتسويقه عادات الأنانية وحبال الجاهلية المعاصرة.

يقول الإمام داعيا المرأة المسلمة إلى عبور رشيد وراشد في رحاب المولى عز وجل: ” إنها رحلة مجيدة تلك التي ترتفع بالإرادة الإيمانية درجة درجة من الريبة في الدنيا وزهرتها، إلى الزهد في حرامها وشبهاتها، إلى التعلق بالآخرة، إلى إرادة وجه الله” 4. ذاك طريق عرفه الأكابر الأوائل في صحبة النبوة المجيدة نساء ورجالا، تعلقوا بمحبة المعلم الأمين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرشدهم لصوى هذا الدين ومكارمه، وكيف تقترن مجاهدة النفس والصبر على المكاره بالدعوة إلى الله والجهاد. هم، وهن، البوصلة لنا، كيلا نضيع في حلكة وغسق هذه الطريق الموحل.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ط4/2018، دار لبنان للطباعة والنشر-بيروت، ج 1، ص 256.
[2] نفسه.
[3] نفسه، ص 253.
[4] نفسه: ص 254.