في حلقة جديدة من برنامج “مساحة وضوح”، قدم الأستاذ عبد الصمد فتحي قراءة نقدية لمجموعة من القضايا الآنية التي تتأرجح بين الشأن المحلي المغربي والقضية الفلسطينية، منطلقا من تساؤل جوهري حول مركزية الإنسان في عالم اليوم، وهل نحن أمام عالم يخدم الكرامة الإنسانية أم يكرس سطوة القوة على حساب المستضعفين، ليخلص إلى أننا أمام جبهتين؛ إحداهما تدافع عن الإنسان والأخرى تبرر سحقه أو تصمت عنه.
المفارقة الاقتصادية بالمغرب.. نمو يفتقر للتشغيل
ساق المتحدث معطيات لتقرير عن البنك الدولي حول الاقتصاد المغربي جعل له عنوانا كبيرا “نمو بدون تشغيل”. ففي النقاط الإيجابية؛ أوضح أن التقرير أقر بمرونة الاقتصاد وقدرته على رفع الناتج الداخلي بنسبة 20% في أفق 2035، مع إمكانية خلق 1.7 مليون منصب شغل إذا نُفذت الإصلاحات… إلا أن المتحدث حذر من “تجارب مريرة” سابقة مع هذه المؤسسة الدولية، واصفا المغرب بأنه كان “تلميذا نجيبا” انتهى به المطاف أمام “سكتة قلبية”.
وسلط الفاعل السياسي الضوء على ثلاث اختلالات بنيوية:
1. النمو والاستثمار العمومي: أكد أن النمو الحالي هو “نتيجة ضخ أموال الدولة”، إذ يبلغ الاستثمار 30% من الناتج الداخلي الخام، لا نتيجة ديناميكية إنتاجية، حيث يوجه الاستثمار نحو مشاريع “كثيفة رأس المال” مما يحد من أثرها على التشغيل (أكثر من 85% من النمو ناتج عن تراكم رأس المال).
2. النمو والعجز عن التشغيل: سجل المغرب عجزا سنويا متوسطه 215 ألف وظيفة بين سنة 2000 و2024، ارتفعت إلى 370 ألف وظيفة بين 2020 و2024، في وقت ينمو فيه عدد السكان في سن العمل بسرعة أكبر بكثير من فرص الشغل، إذ يرتفع عدد السكان في سن العمل بـ47% في حين لا يرتفع عدد المشتغلين إلا بنسبة 20,7%. كما أشار إلى “ظاهرة كارثية وخطيرة” في المناطق القروية ناتجة عن فقدان 1.2 مليون وظيفة فلاحية بين2015 و2024 بسبب الجفاف، هذه النسب لم يتم إدماجها في الشغل وإن أدمج بعضها في الاقتصاد غير المهيكل؛ وهو اقتصاد موسوم بالهشاشة، يؤكد فتحي.
وكشف فتحي، وهو يبين إقصاء فئتي الشباب والنساء، أن ربع الشباب المغربي (15-24 سنة) لا يتعلم ولا يعمل، وأن نصف الخريجين يبقون عاطلين بعد عام من التخرج، إضافة إلى الفارق الشاسع بين ما يتطلبه سوق الشغل من مؤهلات وما يفرزه سلك التعليم؛ 43% من خريجي التعليم العالي يعملون في وظائف أقل من مؤهلاتهم. وتمثل النساء أبرز مظاهر الاختلال حيث تعانين من أضعف معدلات المشاركة عالميا (19% في 2024)، رغم تفوقهن في التعليم العالي، كما أن 47% من الشركات لا تشغل النساء كمؤشر على استمرار العوائق الثقافية والهيكلية…
3. النمو وازدواجية الاقتصاد المغربي بين اقتصاد حديث (مهيكل)، وآخر غير مهيكل يتسم بضعف الإنتاجية وتفاوت المنافسة بين القطاعات رغم أنه يمثل أكثر من 77% من نسب التشغيل.
والتقرير يرصد، يسترسل فتحي، مفارقة كبيرة فيما يخص النسيج المقاولاتي؛ فالمغرب يتوفر على 363 ألف شركة (2022) لكنها لا تملك القدرة على خلق الوظائف؛ فحوالي 94% منها صغيرة جدا تشتغل في قطاعات منخفضة القيمة مثل التجارة والبناء. ليخلص أن القطاع الخاص والمقاولات لا تساير النمر الذي يعرفه المغرب، لأن هذا النمو ليست المقاولات ولا القطاع الخاص طرفا فيه.
وأرجع المتحدث هذا العجز الذي يعانيه القطاع الخاص إلى اختلالات كبرى مرتبطة بالبيروقراطية والتعقيدات الإدارية، وبالإكراهات الضريبية، وبالفساد، حيث تحظى الشركات العملاقة بتسهيلات وبدعم تحرم منه المقاولات الصغرى، إضافة إلى غياب منافسة شريفة ومناخ للعمل على المستوى الإداري والقضائي المرتبط بالولاء لا بالكفاءة. وهذا ما يجعل النمو ينعكس على فئة “تتمتع بالسلطة والثروة” بينما يعاني المواطن من غلاء الأسعار والفقر… ليؤكد فتحي أن الأزمة هي “مشكلة إرادة سياسية” وليست مشكلة إمكانيات.
غزة.. 200 يوم من “السلام الموهوم”
انتقل المتحدث إلى الوضع في غزة، منتقدا “مجلس السلام” الذي رأسه ترامب واصفا إياه بـ”نذير شؤم”، إذ لا يمكن انتظار السلام ممكن كانوا شركاء، بل فاعلين أصليين في عمليات التقتيل والإبادة والجماعية، ومستنكرا انقلاب الكيان الصهيوني على اتفاقية السلام رغم التزام الطرف الفلسطيني ببنوده.
وليجلي حجم الخروقات؛ استعرض فتحي بلغة الأرقام حجم الجرائم التي تمت منذ توقيع الاتفاقية؛ 800 شهيد خلال 180 يوما الأولى، 2400 خرق للاتفاق من قبل الكيان الصهيوني، 921 عملية إطلاق نار، 1109 عملية قصف واستهداف، 97 عملية توغل بري، 273 عملية تدمير للمنازل والمباني. ليطرح “السؤال الحقيقي”: إذا كان هناك اتفاق تم خرقه بشكل موثق فلماذا لا يلزم الطرف الخارق للاتفاق؟ ليجيب أن المشكلة تكمن في ميزان القوة، ويؤكد أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم هو “فشل نموذج كامل لما يسمى بعملية السلام”.
كما نقل صورا مفزعة للمعاناة الإنسانية في غزة وسائر فلسطين، كظاهرة “الجرذان الكبيرة” التي تهجم على خيام النازحين وتأكل أصابع الأطفال، في ظل منع الاحتلال لدخول الأدوية والسم الكفيل بمحاربة هذه الجرذان، واصفا ذلك بـ”الحرب البيولوجية”. ومعاناة الأسرى والأسيرات داخل السجون الصهيونية…
“أسطول الصمود” وأحرار العالم
حيا المتحدث المشاركين في ملحمة أسطول الصمود البطولية، التي يشارك فيها ما يقارب 100 سفينة و1000 مشارك من 70 دولة؛ توحدوا من ديانات وجنسيات وأعراق مختلفة جمعتهم قضية واحدة؛ قضية الإنسان الغزاوي المظلوم المحاصر المضطهد، ليكسروا الحصار عن غزة عبر البحر ما دام المحتل الصهيوني يغلق حدودها البرية وتتخاذل الأنظمة عن نصرتها.
واستنكر القرصنة الصهيونية في المياه الإقليمية لليونان لـ21 سفينة، وخرق إحداها، واعتقال المتطوعين (184 متطوعا) من أجل إرهاب هؤلاء الأحرار، ليشدد أن الضمير الإنساني عندما يسكن الوجدان يمده بإرادة لا تنكسر.
وكشف بمرارة عن منعه من المشاركة ضمن الوفد المغربي نتيجة ما وصفه بـ”مؤامرات المخزن والأيدي الخفية” التي حالت دون وصوله لتركيا. كما أشار إلى انطلاق قافلة برية مغاربية تسعى لتكسير الحصار رغم تجارب التعذيب المريرة التي تعرض لها مشاركون سابقون.
تجنيس “الصهاينة” الإسرائيليين.. تهديد للاستقرار
ختم الناشط في قضايا الأمة حلقته بالتحذير من “ملتمس تجنيس اليهود الإسرائيليين ذوي الأصول المغربية”، معتبرا أن توقيته وتزامن أحداث، مثل الصلاة أمام أبواب مراكش وأخرى في البحر وصلوات كانت تنظم في أماكن مغلقة يتم اليوم نشرها، يمثل “بروباغندا مقصودة” لدفع المغاربة للتطبيع مع هذه “الصور المستفزة”.
وفرق المتحدث بوضوح بين: اليهود المغاربة الذين عاشوا في أمن وأمان تاريخيا وسط المغاربة، والصهاينة الإسرائيليين؛ وهم حاملون للسلاح وقتلة شاركوا في المجازر، ويحملون فكرا توسعيا استيطانيا يرى الإنسان “حيوانا مسخرا له”.
وحذر فتحي من أن وجود مليون صهيوني بجنسية مغربية يعني تشكيل قوة ضاربة تؤثر في السياسة والمال والإعلام، مما يهدد استقرار المغرب ومستقبله.
واعتبر أن القضية الفلسطينية اليوم هي قضية فرقان تفرز الصفوف بين معسكر الإنسانية والحرية والانعتاق، ومعسكر الاستعباد والإجرام.