منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً، يعيش أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة تحت حصار خانق، يعدّ الأطول في التاريخ الحديث، حصار حوّل أبسط الحقوق ـ الحق في الغذاء، في الدواء، في حرية التنقّل ـ إلى امتيازات نادرة. وتضاعف هذا الواقع المأساوي، بعد العدوان الهمجي النازي الذي شنه الكيان الصهيوني على غزة بعد طوفان الأقصى بإبادة جماعية وحصار شامل وعقاب جماعي، لم يعرفه التاريخ منذ جرائم النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية وسياسة الأبارتايد العنصرية في جنوب إفريقيا.
وفي هذا السياق تأتي مبادرة “أسطول الصمود” لتكون أكثر من مجرد قوارب تحمل مساعدات إنسانية غذائية وطبية؛ إنها صرخة أخلاقية وصيحة إنسانية بليغة، تخاطب الضمير العالمي قبل أن تطالب بكسر الحصار، لعل من أهم رسائلها البارزة:
1- لستم وحدكم
حين تتجه السفن نحو شواطئ غزة، فإنها تحمل معها نبض أحرار العالم، ودموع الأمهات اللواتي يرفضن أن يرى أطفال فلسطين يموتون جوعاً أو مرضاً، فالأسطول يقول لأبناء غزة: “أنتم لستم وحدكم”، هناك من يقطع البحار ليشارككم الألم والأمل، فهي رسالة صمود تُعيد للناس شعور الانتماء إلى إنسانية مشتركة، وإلى رحم آدمية جامعة تتجاوز الحدود والجغرافيات.
2- الحصار جريمة
إنّ الحصار المفروض على غزة ليس شأناً محلياً، بل جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، فحين تُحاصر مدن كاملة ويُمنع عنها الغذاء والدواء والكهرباء، فإننا أمام عقوبة جماعية محرّمة بمقتضى القانون الدولي الإنساني، وأسطول الصمود، بهذا المعنى، يكشف زيف الرواية التي تحاول تبرير الحصار تحت ذريعة “الأمن” أو الدفاع عن النفس، ويعيد القضية إلى سياقها الطبيعي، إنها مسألة حقوق إنسان لا مسألة أمن دولة.
3- أين الضمير؟
إن وصول سفن مدنية محملة بالمتطوعين والناشطين، بعضهم أطباء وإعلاميون وحقوقيون، يمثل إدانة صريحة لصمت المؤسسات الدولية. فكيف للأمم المتحدة أن تكتفي بالتصريحات، فيما هناك مبادرات مدنية تقوم بالفعل بما كان يفترض أن تقوم به المنظمات الرسمية؟ إن الأسطول بهذا المعنى ليس فقط دعوة لإنهاء الحصار، بل تذكير صارخ بمسؤولية القانون الدولي تجاه غزة وأطفالها.
4- سفن تحمل الأمل
كل سفينة من سفن الأسطول ليست مجرد وسيلة نقل، بل رمز لعالم آخر ممكن، رمز لإرادة إنسانية تقول إن الضمير لم يمت، وإن الشعوب قادرة على التلاقي حول قيم الحرية والعدالة، مهما كان اختلافها في الدين أو اللغة أو الانتماء، لهذا يكتسب الأسطول بعداً أخلاقياً يتجاوز حدود البحر المتوسط، ليصل إلى وجدان كل إنسان حرّ.
5- الصمود والسلام
الأسطول يعبّر عن خيار حضاري سلمي يواجه خيار القوة العسكرية الهمجية، فخيار المقاومة بالوسائل السلمية، وبالمبادرات الشعبية الإنسانية غير رسمية، مهرجان يفتح دروب البحر ليصل صوت غزة إلى العالم، هو امتداد لتاريخ طويل من التضامن الإنساني الذي أسقط أنظمة تمييز عنصري، وغيّر مسارات سياسية كانت تبدو أبدية.
وكخلاصة يمكن القول إن أسطول الصمود ليس مجرد رحلة بحرية لكسر الحصار، بل هو إعلان عالمي أن الإنسانية لم تُدفن بعد، هو رسالة إلى أطفال غزة بأن المستقبل ليس ملكاً للحصار ولا للبارجات الحربية، بل للأمل والإرادة المشتركة وللسلام، هو امتحان للضمير العالمي، هل يبقى متفرجاً على جريمة مستمرة، أم ينحاز إلى قيم العدالة والحرية؟