كثير منا لا يقرأ القرآن إلاّ بقصد نيل ثواب وأجر حروفه فقط، ويغفل عن عظيم فضائل ومنافع القرآن العظيم، ويغيب عنا أنّه كلّما قرأ المؤمن القرآن بنيّة نال فضلها وحققها الله له، ونغفل عن أنه كلما كثرت النيات التي ننويها في تلاوتنا لكتاب ﷲ، إلا وزادت غنيمتنا وحصادنا منه، وارتقينا به في مدارج النجاح والفلاح في كل مناحي حياتنا الدنيوية والأخروية.
في حديث عمر رضي ﷲ عنه، أن النّبي ﷺ قال: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” 1، وهذا دليل على أن عظم العمل بعظم النية فيه، وعظم الفوز والربح بتعدد المراد منه، فمن أراد ونوى شيئا واحدا ناله دون زيادة، أما من كثرت نياته في عمل واحد وتعددت مآربه منه؛ ناوله ﷲ كل مراده وجزاه بما طلب ونوى مهما كان عدده، فالله كريم وذو فضل عظيم.
فالنية تجارة العلماء وعلينا أن نستحضر عند تلاوتنا لكتاب ربنا كل ما يمكن أن نغنم منها؛ والقرآن نفسه أرشدنا إلى فضائل عدة لقراءته، والنبي ﷺ أخبرنا كذلك بكثير من المنافع التي سنكتسبها من قراءتنا للقرآن. وهنا سأذكر أهم النيات التي يتوجب علينا استحضارها وعدم الغفلة عنها، حتى نكون من الفائزين بتلاوتنا فوزا عظيما:
1- نية الامتثال لأمر الله تعالى بالترتيل
من أول النيات التي يجب استحضارها أثناء قراءتنا للقرآن؛ نية الخضوع والامتثال للأمر الإلهي الذي أمرنا بتلاوته وترتيله، قال سبحانه: وَاتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۖۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَداٗۖ [الكهف: 27]، وهذا أمر رباني للنبي ﷺ وللأمة بعده بتلاوة كلمات ﷲ التي لا تتبدل مهما تغيرت الظروف والأحوال فهي صالحة لكل زمان ومكان. وقوله سبحانه في موضع آخر على لسان نبيه الكريم: إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنَ اَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ اِ۬لْبَلْدَةِ اِ۬لذِے حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَےْءٖۖ وَأُمِرْتُ أَنَ اَكُونَ مِنَ اَ۬لْمُسْلِمِينَ * وَأَنَ اَتْلُوَاْ اَ۬لْقُرْءَانَۖ فَمَنِ اِ۪هْتَد۪يٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِے لِنَفْسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلِ اِنَّمَآ أَنَا مِنَ اَ۬لْمُنذِرِينَۖ [النمل: 93- 94]. إن كان النبي ﷺ مأمور بتلاوة القرآن وهو الذي أنزل عليه ويعلم منه ما لا يعلمه غيره، فمن باب أولى نحن المقصرين في فهم تعاليمه المحتاجين لبركته ونوره، ويزيد سبحانه وتعالى الأمر تأكيدا في قوله: اَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ اِ۬لْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً [المزمل: 3]، وهو أمر واضح جلي منه سبحانه بترتيل القرآن كما أنزله على رسوله ﷺ، ولهذا يجب الحرص كل الحرص على استحضار الأمر الرباني بقراءة كلامه سبحانه، وإن كان لا يحتاج أمرا فيكفيه أنه كلام رب العالمين حتى نجعله وردا يوميا لا ننقطع عنه.
2- نية الامتثال لأمر النبي ﷺ
فكما أمرنا ربنا جل وعلا بتلاوة كتابه الكريم، حثنا عليها كذلك النبي ﷺ وأمرنا بها، وحضنا عليها لما فيها من فضل، قال عليه الصلاة والسلام: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه)) 2، وفي رواية أخرى عنه ﷺ قال: “اقرأوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن” 3، وهو أمر منه عليه الصلاة والسلام بتلاوة المعجزة الخالدة التي شرفه ﷲ بحملها للبشرية، وأقل ما يمكن أن يتعامل به المؤمن سليم الإيمان مع هذا الكتاب المعجز؛ هو تلاوة ما يحوي من آيات بينات أنزلها ﷲ لهداية عباده وتنوير عقولهم وقلوبهم.
3- نية ذكر ﷲ
من دلائل الحب للمحبوب كثرة ذكره والرغبة في الحديث معه، ولله المثل الأعلى، فكيف يدعي المؤمن حب ﷲ عز وجل وهو لا يذكره إلا قليلا ولا يستمع إلى حديثه إلا نادرا، وكيف يرجو المؤمن القرب من ﷲ سبحانه ويطمع أن يكلأه بعنايته، وهو لا يعرفه إلا في أوقات الحاجة والشدة، قال سبحانه: فَاذْكُرُونِےٓ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِے وَلَا تَكْفُرُونِۖ [البقرة: 151]. والشاهد أن من أراد أن يذكره ﷲ ويحفظه ويفوز بمعيته جل وعلا؛ عليه بذكره وجواره، وأعظم الذكر تلاوة القرآن، قال تعالى: وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٞ لَّكَ وَلِقَوْمِكَۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَۖ [الزخرف: 43]، وقال أيضا: فَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ يَٰٓأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِ اِ۬لذِينَ ءَامَنُواْۖ قَدَ اَنزَلَ اَ۬للَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراٗۖ [الطلاق: 10]، والقرآن إنما نزل ليكون ذكرا يذكر به رب العزة، ومن كرمه تعالى أن جعله ميسرا سهلا لكل من آمن به ورغب في صحبته، قال سبحانه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اَ۬لْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٖۖ [القمر: 17].
4- نية الهداية من ﷲ تعالى
كل كتاب مهما كان، لم يؤلفه صاحبه دون هدف يرجى منه، فكيف بكتاب ﷲ العزيز الحكيم، هل أنزل ليتلى فقط دون دور له في حياة المؤمن؟ كلا، إنه كلام رب الأرباب، أرسله سبحانه لينير به بصائر عباده فيهتدون به في طرقات حياتهم، ويرشدهم لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، يقول سبحانه وتعالى: اِنَّ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانَ يَهْدِے لِلتِے هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ اُ۬لْمُومِنِينَ اَ۬لذِينَ يَعْمَلُونَ اَ۬لصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمُۥٓ أَجْراٗ كَبِيراٗ [الإسراء: 9]. كتاب هداية ورشاد، وتنوير لكل من يؤمن به ويقرأه ويعمل بما جاء فيه، قال عز من قائل: يَهْدِے بِهِ اِ۬للَّهُ مَنِ اِ۪تَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ اَ۬لسَّلَٰمِۖ [المائدة: 18]، في هذه الآية يحدد لنا عز وجل الصنف الذي يهتدي بتلاوة القرآن؛ إنهم المتبعون لرضوانه ومنهاجه، فيوصلهم لبر الأمان، سبيل السلام والطمأنينة ورضوان الرحمان، ولذلك يجب أن نحرص دائما عند فتح مصحفنا ومباشرة الترتيل، أن ننوي أن يجعلنا الله ممن اهتدى بهديه واستنار بنوره.
5- نية الخروج من الظلمات إلى النور
من أسماء القرآن الكريم، النور، نور مبين أنار ﷲ به الكون حين نزوله، ويستمر نوره يستنير به كل من آمن به إلى يوم الدين، فمن أراد الخروج من ظلمات الجهل إلى نور العلم؛ فعليه بكتاب ﷲ، ومن أراد الخروج من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإيمان؛ فعليه بالقرآن، ومن أراد الخروج من ظلمات عبودية الهوى والنفس إلى حرية حب ﷲ تعالى، فعليه بالكتاب العزيز، فكل الظلمات مهما تنوعت وتحالك سوادها فالقرآن كفيل بإخراجك منها، وهذا ما أرشدنا إليه تعالى في عدة آيات، قال سبحانه: أَلَٓر۪ۖ كِتَٰبٌ اَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَ۬لنَّاسَ مِنَ اَ۬لظُّلُمَٰتِ إِلَي اَ۬لنُّورِ [إبراهيم: 1]، والواضح من الآية أن الغرض الأول لنزول القرآن هو إخراج الناس كافة من الظلمات إلى النور، و في موضع آخر قال تعالى: هُوَ اَ۬لذِے يُنَزِّلُ عَلَيٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ اَ۬لظُّلُمَٰتِ إِلَي اَ۬لنُّورِۖ وَإِنَّ اَ۬للَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞۖ [الحديد: 9]، والمعنى أن من رحمة ﷲ بعباده أن أرسل لهم كتبا فيه نور لكل ظلمات حيواتهم، وهذا المراد إنما يعطيه ﷲ للمؤمنين به الموقنين بأنه من رب الكون، قال عز وجل: رَّسُولاٗ يَتْلُواْ عَلَيْكُمُۥٓ ءَايَٰتِ اِ۬للَّهِ مُبَيَّنَٰتٖ لِّيُخْرِجَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِ مِنَ اَ۬لظُّلُمَٰتِ إِلَي اَ۬لنُّورِۖ [الطلاق: 11]، لم تدع لنا هاته الآيات مجالا لنفكر كيف السبيل للخروج من كل الظلمات التي تحيط بنا، فهي بالقرآن – تلاوة وعملا – لابد أن تنجلي ويحل محلها نور مبين.
6- نية ألا أكتب من الغافلين وأكون من الذاكرين
كما سبق وذكرنا، فمعية ﷲ ومحبته ورعايته، لا يمكن أن تنال بالغفلة عن ذكره سبحانه، ولا يوجد ذكر أعظم مما خرج منه سبحانه من كلام موجه للمؤمنين والمؤمنات، وقد ذم ﷲ تعالى الغافلين عن آياته في مواطن كثيرة، قال سبحانه: سَأَصْرِفُ عَنَ اٰيَٰتِيَ اَ۬لذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِے اِ۬لَارْضِ بِغَيْرِ اِ۬لْحَقِّ وَإِنْ يَّرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُومِنُواْ بِهَا وَإِنْ يَّرَوْاْ سَبِيلَ اَ۬لرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاٗ وَإِنْ يَّرَوْاْ سَبِيلَ اَ۬لْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاٗۖ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَٰفِلِينَۖ [الأعراف: 146]، ومعنى الآية أن سبب صرف الكافرين عن سبيل الحق، هو إعراضهم عن آيات ﷲ وغفلتهم عنها. وقال تعالى: إِنَّ اَ۬لذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪ا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالذِينَ هُمْ عَنَ اٰيَٰتِنَا غَٰفِلُونَ * أُوْلَٰٓئِكَ مَأْو۪يٰهُمُ اُ۬لنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَۖ [يونس:7- 8]، فما استحق هؤلاء النار ولهيبها إلا بالغفلة عن آياته سبحانه وتعالى والرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان بها. وفي آية أخرى يخبر ﷲ تعالى نبيه ﷺ أنه كان من الغافلين قبل أن ينزل عليه القرآن، قال سبحانه: ﴿حْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَ۬لْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا اَ۬لْققُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ اَ۬لْغَٰفِلِينَۖ [يوسف: 3]، فالعبور من الغفلة إلى الحضور مع ﷲ وذكره إنما يمر عبر تلاوة القرآن، واستحضار هذه النية عند قراءته كفيلة بتوريث المؤمن صلة دائمة وحضورا مع ﷲ قلبا وجسدا.
7- نية الشفاء من أمراض القلب والجسد
من بركات كتاب ﷲ أنه يشفي المؤمن به العامل بأحكامه التالي لآياته، فمهما كان الداء إلا كان في القرآن شفاء له، سواء أدواء القلوب من شرك ونفاق وكبر وجبن وغيرها من أمراض الباطن، وكذا أدواء الأجساد، مهما صعبت على الأطباء فلا تصعب على ﷲ وآياته، والتجارب الكثيرة من حولنا دليل على ذلك، فكلها تعالج بنور ﷲ الذي أودعه سبحانه في كلامه، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ اَ۬لْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحْمَةٞ لِّلْمُومِنِينَۖ وَلَا يَزِيدُ اُ۬لظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَاراٗۖ [الإسراء: 82]. ينزل ﷲ في آياته شفاء ورحمة لكل من آمن بها وداوم على تلاوتها، ويحرم من ذلك من لم يومن بالقرآن، فحتى لو قرأه ما زاده إلا عمى وضلالا، قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَاناً اَعْجَمِيّاٗ لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتَ اٰيَٰتُهُۥٓۖ ءَآعْجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۖ قُلْ هُوَ لِلذِينَ ءَامَنُواْ هُديٗ وَشِفَآءٞۖ وَالذِينَ لَا يُومِنُونَ فِےٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٞ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَميًۖ ا۟وْلَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِۢ بَعِيدٖۖ [فصلت: 43]. وروي عن عبد ﷲ بن عباس أنه قال: “الشفاء شفاءان قراءة القرآن وشرب العسل” 4، فالقرآن شفاء وعلينا أن ننوي بقراءته ذلك، حتى نستطيع أن نشفى به من أمراضنا الظاهرة والباطنة.
8- نية زيادة الإيمان واليقين بالله تعالى
أنزل ﷲ تعالى القرآن وجعله معجزا، لفظا ومعنى، وذلك ليعلم الناس ويتيقنوا أنه من عند ﷲ رب الكون ومدبره، فإن لم تكن تلاوته زيادة في هذا الإيمان وتثبيتا له، ويقينا وتصديقا بما جاء به، فلا حاجة لقراءته، وقد بين سبحانه وتعالى المتصفون بالإيمان الحقيقي، فقال جل شأنه: إِنَّمَا اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَ۬للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمُۥٓ إِيمَٰناٗ وَعَلَيٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَۖ [الأنفال: 2]. نعم المؤمن الصادق في إيمانه هو ذاك الذي تحركه آيات الرحمان عند سماعها وتزيده إيمانا وتصديقا ويقينا في ﷲ تعالى، يقول سبحانه: وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٞ فَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰناٗۖ فَأَمَّا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمُۥٓ إِيمَٰناٗ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَۖ [التوبة: 125]. في عهد التنزيل كلما نزلت آية أو سورة ازداد بها المؤمنون إيمانا ويقينا وثباتا على عقيدتهم، ونحن أيضا في كل حصة تلاوة أو ختمة كاملة للقرآن، وجب علينا قياس مدى زيادة الإيمان في قلوبنا ومدى تأثرها بآيات ﷲ تعالى، لتتحقق فينا صفة الإيمان الصادق الحق.
9- نية طمأنينة ولين القلب
أكثر ما يبحث عنه الإنسان في ظل ما يعيشه في حياته من صراعات وتناقضات، هو طمأنينة قلبه وسكينة جوارحه، وهذا المراد لا يتحقق إلا بجوار رب الناس عالم سرهم ومدبر أمرهم والمطلع على أحوالهم، قال تعالى: اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ أَللَا بِذِكْرِ اِ۬للَّهِ تَطْمَئِنُّ اُ۬لْقُلُوبُۖ [الرعد: 29]. ذكر ﷲ طمأنينة وراحة والبعد عنه شقاء وضنك، ومن لم يجد السكينة في كلام ﷲ فهو من أهل الضلال، قال سبحانه: فَوَيْلٞ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ أُوْلَٰٓئِكَ فِے ضَلَٰلٖ مُّبِينٍۖ [الزمر: 21]. لا يمكن لمؤمن يخشى الله أن يتلو آياته دون أن تتحرك جوارحه ويلين قلبه ويقشعر جلده، قال عز وجل: اِ۬للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَ۬لْحَدِيثِ كِتَٰباٗ مُّتَشَٰبِهاٗ مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ اُ۬لذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُۥٓ إِلَيٰ ذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ [الزمر: 22]، وعيد من ﷲ لمن تأخر في خشوع قلبه لذكر ﷲ، وخوف عليه من قسوة قلبه وتحجره، فينقطع منه الرجاء ويصبح من الفاسقين، قال عز وجل: أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اِ۬للَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ اَ۬لْحَقِّۖ وَلَا يَكُونُواْ كَالذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ اُ۬لَامَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْۖ وَكَثِيرٞ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَۖ [الحديد: 15]، فلنستحضر هذا المقصد عند تلاوتنا، وإن لم نخشع فلنتخشع، عسى ﷲ أن يفتح قلوبنا ويمن عليها بالاطمئنان والسكينة بتلاوة آيات الرحمان.
10- نية نيل شفاعة القرآن
لا يمكن أن تصاحب أحدا بصدق إلا وجدت منه عرفانا بجميل صحبتك، فكيف بكتاب ﷲ الكريم الرحيم، القرآن يحفظ لنا ود تلاوته وملازمته وحسن صحبته، فيأبى إلا أن يكون شفيعا لأصحابه بين يدي ﷲ عز وجل، قال رسول الله ﷺ: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه)) 5، فأكرم به من صاحب لا ينسى لصاحبه معروفا. وجاء أيضا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: “القرآنُ شافعٌ مشفَّعٌ، وماحِلٌ مصدَّقٌ، من جَعلَه أمامَه قادَه إلى الجنَّةِ، ومن جعلَه خَلفَ ظهرِه ساقَه إلى النَّارِ” 6[6]. نعم الصاحب كتاب ربنا، إن أكرمناه وجعلناه أمامنا ساقنا للنعيم المقيم، ومن فرط فيه وغفل عنه نسيه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى ﷲ بقلب سليم. في كل مرة نقرأ آيات الرحمان وجب أن يكون مقصدنا صحبة ترفعنا وتشفع لنا عند رب العباد.
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدُمُه سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما” 7، سورتان تحاجان وتشفعان لصاحبهما أمام هول يوم القيامة وبين يدي رب العزة، يردان جميل الصحبة وخير المآنسة له، إحساس لا يمكن وصفه لهذا العبد الذي نال هذا الجزاء، يظهر بين الناس جميعا تسانده سورتين، فكيف بمن جمع القرآن كله تلاوة آناء الليل والنهار وحفظا في الصدر، لابد أن ينعم بجميل إكرامه للقرآن.
11- نية الرفعة
قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)) 8، والمعنى المراد من الحديث أن القرآن الكريم يرفع أهله وأصحابه الذين آمنوا به وعملوا بما جاء به إلى أعلى درجات الدنيا والآخرة، حيث يرفع ذكرهم عند الناس فيجلونهم ببركة القرآن الذي يحملونه في صدورهم، ويتم عليهم الرفعة بصعود درجات الجنة حتى آخر درجة مما معه من آيات هذا الكتاب العزيز، وهو ما جاء في حديث لرسول ﷲ ﷺ. وأما المعرض عنه والكافر بما جاء به، أو من يتلوه ولا يأتمر بأوامره ولا ينتهي عند نواهيه فمصيره أن يحط القرآن من قدره في الدنيا والآخرة، حيث يضع قدره أمام الناس فلا يحترم ولا يكرم، وفي الآخرة يلقى جزاء إعراضه عن كتاب ﷲ الخسران المبين والعذاب الأليم والعياذ بالله، فإن كانت نيتنا في تلاوة كتاب ﷲ وحفظه أن نرتقي به، فإن ﷲ سبحانه سيتم علينا لا محالة بهذه الرفعة العظيمة التي أسندها ﷲ عز وجل لكتابه الكريم.
12- نية تنزل السكينة والرحمة
من بركات كتاب ربنا أن تتنزل السكينة والرحمة عند تلاوته وتتسابق الملائكة لتحف من يتلوه بأجنحتها، ويباهي ﷲ أهل السماء بأهل القرآن، قال رسول ﷲ ﷺ: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)) 9[9]، بركات عظيمة القدر ولو كانت لوحدها هدية تلاوة القرآن لكفت ووفت، فمن ذا الذي يأبى أن تنزل عليه السكينة ورحمة ﷲ، وتضمه أجنحة ملائكة الرحمان، بل من ذا العبد الذليل أو الأمة الذليلة التي تستحق أن يتباهى ﷲ بها أمام أعظم خلقه وأرقاهم. فضل والله عظيم لا ثمن له ولو بقينا نتلو القرآن ليل نهار حتى تنقضي أعمارنا ما شبعنا منه، وفي هذا المعنى جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ، فذكر له ذلك، فقال: “تلك السكينة تنزلت للقرآن” 10، يرسل ﷲ سبحانه وتعالى سحابة من الرحمة والسكينة لعبد جزاء تلاوة طيبة لسورة واحدة من كتابه الكريم، إنها آيات الرحمان التي تخضع لها السماوات والأرض ومن فيهن، فكيف بنا نغفل عنها وعن التغني بها وترديدها آناء الليل وأطراف النهار.
13- نية التدبر والتفكر في آيات الله
أنزل ﷲ الكتب السماوية جميعها ومنها القرآن الكريم لتكون دستورا للمؤمنين ونبراسا للمهتدين، ولن يتم ذلك إلا بفهم معناه وتدبر آياته، قال سبحانه: كِتَٰبٌ اَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ اُ۬لَالْبَٰبِۖ [ص: 28]، فلتتم بركة هذا الكتاب العظيم، وليتم المراد منه لابد للمؤمن من تدبر عميق لآياته وصبر أغوار بيانه ومعجزاته، فلب صحبة القرآن فهمه وتدبره والعمل بما جاء به، وفيه جمع ﷲ عز وجل كل بيان من شأنه أن يذكر المؤمن بالله ورحمته وعقابه، قال تعالى: نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبّ۪ارٖۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَّخَافُ وَعِيدِ [ق: 45]، ومعنى الآية أن القرآن أرسله ﷲ تعالى ليتذكر به المؤمنون عقاب ﷲ ووعيده، وليكون هاديا لهم لتجنب هذا العقاب، ومن هذا المنطلق فلازم على من يقرأ منا القرآن أن يلتفت إلى معانيه ويتدبر في آياته، فلا نغفل بكثرة القراءة عن المغزى الأساسي لتنزيل القرآن، فجعل القرآن دستورا لنا في سلوكنا وأعمالنا هو الفوز الحقيقي الذي سنظفر به متى التزمنا بالتدبر والـتأمل فيه.
14- نية الارتقاء في درجات الجنة
كما سبق وذكرت فإن القرآن يرفع صاحبه ويرتقي به، ويعلي مراتبه بين الناس في الدنيا والآخرة، جاء عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: ((يقال – يعني لصاحب القرآن -: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها)) 11، كيف بالمؤمن وهو يقرأ القرآن كل يوم أن يفكر بأنه سيقرأ بنفس الشكل في الآخرة، سبحانك ما أعظم شأنك، إن ﷲ لذو فضل عظيم، أن يتلو المؤمن آيات القرآن أمام ﷲ جل وعلا، وأمام الملأ من أهل الآخرة، كما كان يرتل في الدنيا فهذا فضل عظيم، وأعظم منه أن يرتقي بكل آية في درجات الجنة، وهذا المن الإلهي على أهل القرآن وإن كان تشريفا لهم، فهو أيضا نوع من التكليف، فالقارئ يلزمه بعد معرفة هذا الموقف الذي سيقفه، أن يحسن قراءته ويجودها ويعطيها حقها من الحسن والجمال، وأن يجتهد في حفظ آيات القرآن كلها ما تيسر له ذلك، فهذا الفضل لا يفرط فيه إلا مغبون، نعوذ بالله أن نكون منهم.
– يتبع –
[2] أخرجه البخاري رقم (5060)، ومسلم رقم (2267).
[3] فتح الباري لابن حجر (9/ 79 ط السلفية).
[4] أخرجه الحاكم في المستدرك رقم (7641).
[5] أخرجه مسلم رقم (804).
[6] أخرجه مسلم رقم (804).
[7] أخرجه مسلم.
[8] أخرجه مسلم رقم (817).
[9] أخرجه الإمام أحمد في المسند.
[10] متفق عليه.
[11] سنن الترمذي رقم (2914)، وسنن أبو داود رقم (1464)، حديث حسن صحيح.