أعظم النيات لتلاوة الآيات البينات (2)

Cover Image for أعظم النيات لتلاوة الآيات البينات (2)
نشر بتاريخ

15- نية لبس تاج الوقار في الآخرة، وأن يكسىٰ والديَّ بحلتين

ما زال فضل ﷲ وكرم آياته يجود على من تعلق به قلبه وتحركت به شفتاه، فها هو يأبى إلا أن يتوج صاحبه بتاج من الوقار والرفعة، ولا ينسى في ذلك من كان سببا في تنشئته على حب كتاب ﷲ؛ والديه العزيزين، فقد روى عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: كنت عند رسول اللَّه ﷺ، فسمعته يقول: “إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، يقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول له: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، قال: فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه ‌تاج ‌الوقار، ويكسى والداه حلتين، لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كُسينا هذا؟ قال: فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذاًّ كان أو ترتيلاً” 1، حديث حافل بعظائم الأجور ومعالي التكريم الذي تمنحه سويعات من تلاوة الآيات البينات، كتاب يصيره رب العزة رجلا يكلمك ويحدثك عن أيامك الخوالي معه في الدنيا، وأنت الذي ظننته أوراقا لا حياة فيها، رجل يقودك لتعطى الملك بيمينك ويضع فوق رأسك تاجا لا كالتيجان، ويكرم أقرب الناس إليك بحلتين لا يقوم لهما أهل الأرض، لأنهما  فقط كانا سببا في إنجاب من يتلو آياته، ويرافقك وأنت تصعد وتصعد حتى آخر ما تملك من درر من هذا الكتاب الجليل، فضائل عظام ومنح لا تنتهي، فلنشمر ولنعزم على الفوز بها، فكل صحبة ستنقطع عنا إلا صحبة القرآن.

16- نية الثواب والأجر المضاعف

وكسائر الأعمال الشرعية التي يتقرب بها العبد لربه سبحانه، والتي يجني منها المؤمن عددا كبيرا من الحسنات لتثقل ميزانه يوم الحساب؛ فكذلك تلاوة القرآن لها من الأجر والثواب الشيء الكثير، قال ﷺ: ((من قرأ حرفا من كتاب ﷲ فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) 2، سبحان الكريم الوهاب، حرف واحد يُنطق به في أقل من ثانية يكتب لك عشر حسنات، وأنت الذي تظل يومك تتكلم بعدد لا يحصى من الحروف في شؤون لا حاجة ترجى منها، فلا تربح إلا خسران وضياع الأوقات، فلم لا تستثمر ذلك في ربح أكبر عدد من الأجور، ونحن نعلم بميزان يوم القيامة؛ حتى وإن احتجت حسنة واحدة لن تجد من يعطيك إياها، فكيف ندمر آخرتنا بتراب من الدنيا الفانية.

17- نية أن أكون من أهل الله وخاصته

من أعظم ما جاد به ﷲ تعالى على أهل كتابه العزيز؛ أن جعلهم أقرب الناس إليه سبحانه، فقد روى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: “إن لله عز وجل أهلين من الناس قيل: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: أهل القرآن، هم ‌أهل ‌الله ‌وخاصته” 3، أن توصف بأهل ﷲ فوالله لا مكانة فوق هذه المكانة، يعجز الإنسان أن يصف هذا الفضل ويتكلم عنه، رب العزة يجعل قارئ القرآن من خاصة أهله عز وجل، رفعة لا تفوت ولو استطعنا أن لا نفعل شيئا في حياتنا غير تلاوة القرآن لفعلنا لننالها ونفوز بها، ولكن كرم ﷲ فياض فيكفينا منه تلاوة ما تيسر كل يوم وبذل الجهد في العمل بما جاء به من أحكام ليصب ﷲ عليك من فضله بما لا يدركه عقلك.

18- نية الاحتجاب عن القوم الكافرين 

الحيلولة بين الشخص والكافر الجاحد لأمر ﷲ مطلب سام، يرتقي به الإنسان ليبتعد عن كل تصرف دنيء وكل عمل من أعمال إبليس وأعوانه من الإنس والجن، فيتميز عنهم ويعرف أن ﷲ نجاه منهم وحفظه، قال تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ اَ۬لْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اَ۬لذِينَ لَا يُومِنُونَ بِالَاخِرَةِ حِجَاباٗ مَّسْتُوراٗۖ [الإسراء: 45]، قراءة القرآن وحدها كفيلة بأن تجعلك في حرز من الذين لا يصدقون بكلمات ﷲ ولا يؤمنون به، فتعيش حياة هانئة سعيدة في حصن الحفيظ العليم، لا يمسك الشرك ولا يقربك، وهذا من نعم ﷲ على من كان همه القرآن وشغله القرآن، نية ذلك لازم استحضارها لنكون في مأمن من الشر وأعوانه.

19- نية الخيرية بين الناس

لا شك بأن الرغبة في أن يكون المرء خير الناس وأرفعهم قدرا طموح كل الناس، والله عز وجل كثيرا ما حثنا على المسارعة والمسابقة للمراتب الأولى في الإيمان والعمل الصالح، قال سبحانه وتعالى: وَفِے ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اِ۬لْمُتَنَٰفِسُونَۖ [المطففين: 26]، فالتنافس في الخيرات وطلب العلو بالعمل الصالح والإحسان مطلب يجب على كل مؤمن أن يحرص ويعمل لأجله، وقد جعل ﷲ سبحانه مفتاح تلك الخيرية في تعلم القرآن وتعليمه، فعن عثمان رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) 4. اصطفى ﷲ عز وجل المنشغل بتعلم القرآن وتعليمه للناس ليكون من خيرتهم ويفوقهم في درجات الفضل والإيمان، فكلما تلونا آيات ﷲ علينا أن نستحضر أنه عمل خير البشر وصفة المصطفين من عباد ﷲ.

20- نية أن يكون لي طعم طيب وريح طيبة

من أروع الأمثلة التي جاء بها الشارع الحكيم في بيان تميز أهل القرآن ما رواه أبو موسى الأشعري، عن النبي ﷺ، أنه قال: ((‌مثل ‌المؤمن ‌الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر)) 5، مثال يجعلك تقف عنده تتأمل حال الناس مع القرآن وتأثيره عليهم؛ فالمؤمن الصحيح الإيمان يكتسب بتلاوته ريحا طيبة وطعما طيبا كالأترج، ويفوت ذلك بإعراضه عن صحبة كتاب ﷲ وقراءته، وأما المنافق المدعي الإيمان وهو غير ذلك، فهو أيضا ينال من بركة القرآن على قدره فتطيب ريحه بطيب ما يقرأ، وأخبث أنواع الناس المنافق عديم الإيمان البعيد عن القرآن فيصير بذلك حنظلا مرا بلا رائحة. وخلاصة ما فصل فيه الحديث الشريف أن القرآن بركته عامة لكل من اهتم به وتلاه، ومن أمثلة هذا ما نراه كثيرا في أيامنا؛ حيث إن عددا كبيرا ممن لا يؤمن بالله ومن الملحدين يستمتعون بسماع وتلاوة القرآن ويرتاحون لذلك ولو لم يؤمنوا به ولم يفهموه، فسبحان من أودع في هذا السفر سرا لا يعلمه إلا رب الكون.

21- نية أن أكون مع السفرة الكرام

الملائكة التي كلفها ﷲ بالكتابة تسمى (السفرة الكرام البررة)، اسم رفيع يدل على مكانتها عند رب العزة بوصفها بالكرامة والبر المتواصل، وذلك لأنها كثيرة النفع والبر بخالقها، فمن الذي لا يرغب في مجاورتها أو لقاءها، لكن القرآن هذا الكتاب الوفي لأهله، يوصلنا بإذن ﷲ لهذا المقام الرفيع فننعم بصحبة خير ملائكة الرحمان، كتبة كلماته، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: “الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” 6، الماهر المتقن المجود للقرآن يحشر مع السفرة الكرام البررة، فينعم بخير صحبة في الآخرة كما اتخذ لنفسه خير صحبة في الدنيا، ولم يخرج المتتعتعون بالقرآن القاصرون عن إتقانه وتجويده من دائرة فضله، فإن ﷲ أعد لهم أجورا مضاعفة جزاء مشقته عليهم وجهادهم لقراءته، كرم كتاب ﷲ مع صحبه لا ينقطع، فقط علينا إدراك ذلك واتخاذه خليلا في حلنا وترحالنا.

22- نية أن لا أكون من الهاجرين للقرآن

مع كل ما سبق ذكره من فضائل ومكارم يكرم بها أهل القرآ؛، فمن الحمق أو الغبن الشديد التفريط فيها، وهي التي لا يمكن الفوز بها إلا بالعكوف على كتاب ﷲ تعالى تلاوة وتدبرا، والمحروم حقا من حرم ذلك الفضل كله بشيء يسير من وقته يقرأ فيه آيات معدودات، والأمَر من ذلك أن يصبح المؤمن سببا لشكوى النبي ﷺ لربه، قال تعالى: وَقَالَ اَ۬لرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ اَ۪تَّخَذُواْ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانَ مَهْجُوراٗۖ [الفرقان: 30]، كيف يسمح المؤمن لنفسه بأن يشكو منه عليه الصلاة والسلام؟ كيف يرضى بهذا المكان منه ﷺ؟ فهو عليه الصلاة والسلام جاهد وعانى الكثير من أجل أن يوصل لنا القرآن، ونحن نتخلى عنه بكل سهولة ونهجره، يكفي ما جاءنا من معاناته عليه الصلاة والسلام من شدة حين تنزل كل آية منه، أبَعد هذا الجهد منه ﷺ  نترك معجزته ووصيته مهجورة منبوذة لا نلتفت إليها إلا قليلا، هذا والله لا نرضاه لأحد آمن به وصدقه واتبع هديه ﷺ.

23- نية عبادة النظر

إعجاز القرآن وفضل القرآن وفيض خيرات القرآن لا عد ولا حصر لها، كتاب حتى النظر فيه عبادة، فكما ينير البصيرة بأحكامه وبيانه، كذا ينير البصر ويكرم العين التي إليه نظرت وبحروفه تزينت، جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((أعطوا أعينكم حظها من العبادة) قالوا يا رسول الله وما حظها من العبادة قال (النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه)) 7، عينك أخي المؤمن تبقى في عبادة ما دامت تنظر وتملي بؤبؤها بآيات القرآن، ما أجمله من كتاب، حتى رسمه عبادة، حتى وإن كنت أخي المؤمن حافظا القرآن في صدرك فلابد ولازم إعطاء فرصة لعينك لتتعبد خالقها وتغنم هي الأخرى من بركات كتابه العزيز، وقد يزيد الفضل عند التلاوة نظرا عن التلاوة غيبا أضعافا كثيرة، فقد جاء عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، أنه قال: ((فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظاهرا كفضل الفريضة على النافلة)) 8، ولهذا يجب الحرص على دوام حمل كتاب ﷲ والقراءة منه مباشرة بالعين ولو كان المرء حافظا، واستحضار هذا الفضل العظيم ونحن نقرؤه.

24- نية التأدب بأخلاق القرآن

قال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَيٰ خُلُقٍ عَظِيمٖۖ [القلم: 4]، خلق رفيع أكرم به ﷲ خير خلقه، ومدحه به وعاشه معه صحبه في أمره كله، فمن أين يا ترى يكتسب هذا الأدب والخلق العظيم الذي فاق به رسول ﷲ ﷺ غيره من بني البشر، لا شك وأنه من سفر عظيم بعظم هذا الخلق، لذلك سأل سعد بن هشام بن عامر، عائشة رضي ﷲ عنها، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله ﷺ، قالت: “كان خلقه القرآن” 9، جواب شاف كاف مختصر، خلقه القرآن، فياله من مؤدب تأدب به النبي ﷺ، وتركه لمن بعده من أمته لمن أراد منهم الاستنان بسنته أن يعكف على القرآن ليؤدبه ويحسن خلقه، إن  لم نتأدب بما جاء به كتاب ﷲ، فمن ذا الذي يستطيع تأديبنا؟ فهو البحر في المعاني والآيات والحكم والأمثال، لا يمل ولا ينضب ولا تنتهي عجائبه، وجعله ﷲ المؤدب لعباده المؤمنين، فعن ابن مسعود، قال: “إن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله عز وجل القرآن” 10، القرآن أدب ﷲ لخلقه فليحسنوا التأدب به وإكرامه والعمل به.

وزاد عبد الله بن مسعود حيث قال: “ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون. قال: وأحسبه قال: وبحزنه إذا الناس يفرحون” 11. هذا هو قارئ القرآن وهذا حاله، يقرأ آيات ﷲ تعالى فتتجلى في خلقه وتصرفاته وتعامله مع من حوله من الناس وإلا فلا خير يرجى من تلاوته، وهذا ما يجب على المؤن التالي لكتاب ﷲ أن يرغب فيه وينويه ليستقيم حاله وتحسن أخلاقه.

25- نية التجارة الرابحة مع ﷲ عز وجل

كل تجارة يتاجر بها الإنسان إلا وهي معرضة للبوار، إلا التجارة مع ﷲ تعالى فهي لا تبور أبدا ولا تكسد، وهي تجارة أكرم ﷲ بها عباده العاكفين على تلاوة كتابه الكريم؛ القائمين به في صلواتهم، المنفقين مما أمرهم به، سواء أسروا بذلك أم جهروا، فكلهم في الفوز سواء، قال تعالى: اِنَّ اَ۬لذِينَ يَتْلُونَ كِتَٰبَ اَ۬للَّهِ وَأَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرّاٗ وَعَلَٰنِيَةٗ يَرْجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ [فاطر: 29]، أن تعلم علم اليقين ما هي السلعة المربحة التي لا تبور ولا تكسد؛ أمر بغاية الأهمية، فلن تكون في حاجة للبحث بل ما عليك إلا الجلوس للتلاوة والتدبر والقيام.

26- نية العلم والتعلم

لكل شيء منبع، ومنبع العلم هو القرآن؛ فيه أودع ﷲ عز وجل ركائز كل العلوم الدينية والدنيوية، قال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبَ تِبْيَٰناٗ لِّكُلِّ شَےْءٖ وَهُديٗ وَرَحْمَةٗ وَبُشْر۪يٰ لِلْمُسْلِمِينَۖ [النحل: 89]، نزل القرآن ليبين تفاصيل كل شيء، ويعلم الناس ما لم يعلموا من أمر دينهم ودنياهم، فمن أراد جماع العلم فعليه به، فعن النبي ﷺ قال: ((إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا حبل الله عز وجل، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد؛ فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات)) 12، القرآن مؤدبة علمية غزيرة العلم، كريمة العطايا، فيه ما يجعل المؤمنين يغرفون من علومه على مدى القرون والأزمان إلى قيام الساعة دون أن تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه. وقال عبد ﷲ بن مسعود: “من أراد العلمَ، فَلْيُثَوِّرِ القُرآنَ، فإنَّ فيه علمَ الأولين والآخرين” 13، من أراد العلم فعليه الأخذ بالقرآن وإيثاره على باقي كتب العلم ففيه خبر السابقين وخبر اللاحقين، وهو كلام ﷲ العليم الخبير، فهو الصدق الحق المبين.

27- نية أجر وبركة ختم القرآن

أمرنا النبي ﷺ بختم القرآن فقد سأله عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله ‌في ‌كم ‌أختم القرآن؟ قال: ((اختمه في شهر)). قلت: يا رسول الله، أنا أطيق. قال: ((اختمه في خمس وعشرين)). قلت: إني أطيق. قال: ((اختمه في عشرين)). قلت: إني أطيق. قال: ((اختمه في خمس عشرة)). قلت: إني أطيق. قال: ((اختمه في عشر)). قلت: إني أطيق. قال: ((اختمه في خمس)). قلت: إني أطيق. قال: ((لا)) 14، ومعنى الحديث أن المؤمن يحرص على ختم القرآن على حسب قدرته، فأكثره شهر وأقل مدة  خمسة أيام، كما بين النبي ﷺ لعبد ﷲ، ونهيه عن أقل من ذلك ليتمكن من حسن القراءة والتدبر لما يقرأ. وجعل ﷲ تعالى لهذه الختمات أجرا فوق أجر القراءة والتدبر، وهو تنزل الرحمة واستجابة الدعاء، فعن مجاهد قال: “الرحمة تنزل عند ‌ختم ‌القرآن” 15، وقال عبد الله بن مسعود: “من ختم القرآن فله دعوة مستجابة” 16[27]، فكان عبد الله إذا ختم القرآن جمع أهله ثم دعا وأمنوا على دعائه، وروي عن أنس أنه كان إذا ‌ختم ‌القرآن جمع أهله فدعا، وعن مجاهد، قال: ((من ‌ختم ‌القرآن أعطي دعوة لا ترد)) 17، عطايا يمنحها رب الأرباب لمن صبر وتلا وتدبر حتى بلغ آخر آية من كتابة ﷲ، ليكون بذلك قد فاز فوزا يأهله لتنزل الرحمة وقبول دعواته المباركة ببركة كتاب ﷲ العزيز.

28- نية التغلب على الشيطان 

كلما ابتعد المؤمن عن ذكر ﷲ والاتصال به إلا كان فريسة لأعداء ﷲ؛ تستفرد به وتزين له كل ضلال وفجور، فيصبح في صحبة الأشرار بصده عن صحبة الأخيار، قال تعالى: وَمَنْ يَّعْشُ عَن ذِكْرِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَٰناٗ فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞۖ [الزخرف: 35]، والمعنى في الآية أن من أعرض عن ذكر ﷲ وغفل عنه سيرافقه القرين من الشيطان ليصحبه ويتبع خطواته. وقال سبحانه في آية أخرى: اَ۪سْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ فَأَنس۪يٰهُمْ ذِكْرَ اَ۬للَّهِۖ أُوْلَٰٓئِكَ حِزْبُ اُ۬لشَّيْطَٰنِۖ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ اَ۬لشَّيْطَٰنِ هُمُ اُ۬لْخَٰسِرُونَۖ [المجادلة: 19]، من يستحوذ عليه الشيطان لا يمكن أن يذكر ﷲ ولا أن يصحب كتابه الكريم، فهو حريص على أن ينسينا آيات ﷲ فكيف يتركنا نتلوها ونتدبرها، لذا فالسبيل لتجنب صحبة الشياطين وحزبهم هو تلاوة القرآن وملازمته وصحبته، فهو المنفر لكل شيطان يتربص بنا، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) 18، ينفر الشيطان لعنه ﷲ من بيت تقرأ فيه سورة البقرة، فكيف ببيت يتلى فيه القرآن كله ليل نهار.

29- نية السعادة والبعد عن الضنك

يعيش أغلب الناس في ضيق صدر وضنك عيش، ويبحثون عن سبب ذلك وعن علاجه، وينسون أن ذلك من غفلتهم عن ذكر ﷲ والأنس به، ومن إعراضهم عن آياته وتفريطهم في خير مصحوب لهم، ألا وهو كتاب ﷲ الرحمان الرحيم، قال عز وجل: وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِے فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكاٗ وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ اَ۬لْقِيَٰمَةِ أَعْم۪يٰۖ [طه: 122]، يجب على كل من قرأ هذه الآية أن يتيقن أن مصدر الكدر في حياته هو البعد عن ﷲ وآياته، وأن السعادة لن تدخل بيته وحياته إلا بالعودة لله وذكره وصحبة كتابه، فأفضل ذكر لله وعبادة له سبحانه تتجلى في قراءة القرآن، فقد جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن)) 19، لذا لزم مع تلاوة القرآن استحضار السعادة والطمأنينة التي ستعم جميع أحوال معاشنا ومعادنا.

30- نية إعمار الجوف والقلب بآيات الله

يصبح جوف المرء خربا حطاما كلما ابتعد عن كتاب ﷲ وأعرض عنه، خراب لا يعمره إلا الأنس بتلاوة طيبة تشرح الصدر وتملأ القلب إيمانا ويقينا، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: “إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب” 20، كلمات شديدة لمن تأملها ونظر إليها بعين بصيرة مدركة للمعنى العميق لها، كيف يترك المؤمن جوفه خربا، ليصبح بذلك مرتعا للهوام والأزبال والمتسكعين من الشياطين، وهو الذي يحرص على أن يكون بيته فخما بديع البنيان جميل المنظر طاهر الأركان، معطرا، فإذا ببيته الذي يأويه خرب متهالك الأوصال، والله إن هذا الحديث لمفزع، لكل ذي لب من المسلمين، فالمؤمن الحق يقرأ القرآن ويرجو به إعمار قلبه وجوفه وجعلهما مستنيران بنور الآيات البينات.

وختاما فإن القرآن لا عد لفضائله، ولا تحصى خيراته، ولا يحاط بمعجزاته. منه الخير وفيه وإليه، كل من اعتنى به قراءة وفهما وتدبرا لابد أن يرى نوره يسري في كل تفاصيل حياته. ومن كرم ﷲ الفياض أن من على أهله وأصحابه بكثير من الجوائز ينالونها كلما جلسوا مع القرآن وأعطوه من أوقاتهم. وفيما سبق الذكر المشهور من فضائله وإلا فهي عصية عن الحصر، فنسأل ﷲ عز وجل أن يجعلنا من أهل القرآن، ويمن علينا ببركاته وأنواره، ويجعله لنا دستورا في حياتنا نأتمر بأوامره وننتهي عن نواهيه، ويلهمنا الهمة لحسن صحبته، إنه على ذلك لقدير. والحمد لله رب العالمين.


[1] مصنف ابن أبي شيبة رقم (32040)، ومسند الإمام أحمد رقم (22950).
[2] أخرجه الترمذي رقم (2910)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال رقم (202) بنحوه مطولا، والنووي في رياض الصالحين رقم (999).
[3] مسند أبي داود الطيالسي رقم ( 2238)، ومسند أحمد رقم (12292)، والسنن الكبرى للنسائي  (7977).
[4] أخرجه  البخاري رقم(4739).
[5] أخرجه البخاري رقم (4732).
[6] متفق عليه.
[7] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (2222)، إسناده فيه ضعف.
[8] أخرجه ابن كثير في فضائل القرآن رقم (210).
[9] مسند أحمد رقم (25303).
[10] أخرجه أحمد في الزهد رقم (902).
[11] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (1807).
[12] مسند بن أبي شيبة رقم (376).
[13] أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق رقم (814).
[14] مسند الدارمي رقم (3529).
[15] مصنف ابن أبي شيبة رقم (32037).
[16] أخرجه الطبراني رقم (647).
[17] سنن سعيد ابن منصور رقم (28).
[18] أخرجه مسلم رقم (780).
[19] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (2022).
[20] أخرجه الترمذي رقم (2913).