تقديم
الأسرة هي النواة واللبنة الأولى في بناء صرح المجتمع، وواسطة عقده، وعلى قدر ما تكون هذه اللبنة قوية، يكون البناء المجتمعي راسخا قويا ومنيعا.
وأقوى ما تستقوي به الأمة متانة بناء الأسرة، والأسرة الصالحة: أم صالحة، وأب صالح، وولد صالح 1.
لكن بعض الأسر المسلمة اليوم، مع هذا الانتشار الواسع للتكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة، عرفت تفككا على مستوى العلاقات، خاصة مع ضعف التواصل المباشر بين الأبناء والآباء، الشيء الذي أدى إلى تزايد الفجوة الفكرية والعاطفية داخل الأسر.
أمام هذا الواقع، لا بد من إبراز ضرورة اعتماد الحوار البناء مع الأبناء كوسيلة فعالة لحماية الأسر من التفكك، ولفهم احتياجاتهم ومشاعرهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتقوية الروابط الأسرية.
ولقد اتخذ الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى من أسلوب الوصايا والمكاتبات أسلوبا حواريا راقيا، يجمع فيه بين الحزم في الحق والرفق في العبارة: (يا نبهاء، يا فضلاء) لفتح قنوات التواصل.
ومن خلال وصية لقمان لابنه في سورة لقمان، نلاحظ أنها تؤسس لحوار تربوي راق، يقوم على العاطفة الجياشة، والمراقبة الإيمانية لله تعالى، مع التدرج من العقيدة إلى الأخلاق، ثم التواضع ونبذ الكبر… مما يجعلها نموذجا متكاملا للتواصل الفعال والتربية بالحب والإقناع والقدوة.
قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ۖ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 11-14].
1 ـ قواعد الحوار مع الأبناء
تتضمن وصية لقمان لابنه أسسا تربوية وحوارية راقية:
– أساس المحبة والرفق والقرب العاطفي والقلبي: فاستعمال أسلوب التحبيب، كاستخدام نداء: “يا بني”، يغرس المودة، ويزيل الحواجز، ويكسر الجليد، ويفتح القلوب لاستقبال النصيحة، وتسهيل التواصل، ولفت انتباه المخاطب.
– الكلمة الطيبة: أسلوب للنصح الهادئ الهادف المباشر، بعيدا عن العنف اللفظي. فالكلمة الطيبة تسر السامع، وتثمر عملا صالحا، وتفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر.
– اختيار اللحظات المناسبة: استغلال وقت الصفاء، وتجنب الحوار أثناء الغضب أو التعب، واستثمار المواقف اليومية (أثناء اللعب، أو المشي، أو قبل النوم).
فهذه القواعد تعد من أساليب المنهج العاطفي الذي يرتكز على القلب وتحريك الثغور الوجدانية 2، كما أنه نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم من خلال السيرة النبوية، في استغلال الأوقات كالسفر من أجل التعليم والتوجيه؛ من خلال حديثه صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ردفه (خلفه) على الدابة: “يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك…”.
2 ـ قواعد في تربية الأبناء
كما تتمحور قواعد تربية الأبناء في وصية لقمان وحواره مع ابنه، حول بناء الشخصية المتوازنة إيمانيا وسلوكيا، فبدأ:
– بغرس العقيدة: ومراقبة الله، والنهي عن الشرك، مما يحقق الأمن النفسي، والارتباط بالله، والرقابة الذاتية.
– ثم التدرج بعد ذلك في اكتساب الأخلاق والمعاملات: بدءا من بر الوالدين والإحسان إليهما، وطاعتهما في معروف غير معصية، وهو فرض واجب وفاء للإحسان، وتقديرا للفضل.
– التربية على العبادات وسائر المعاملات وفن الذوق: والاهتمام بسائر الخلق وبأحوالهم، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، والدعوة بالرفق والموعظة الحسنة.
وتعد قصة سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما، مع الرجل الذي لم يتقن الوضوء، نموذجا نبويا رفيعا، وثمرة من ثمار التربية الرفيقة الحكيمة، فقد أظهرا للرجل خطأه دون إحراجه، عبر تمثيل مشهد التحكيم بينهما، مما علمه الطريقة الصحيحة بذكاء وتهذيب، تاركين أثرا تربويا في الدعوة وتصحيح العبادات.
خاتمة
رغم أن الفجوة بين الآباء والأبناء واقعا لا يمكن إنكاره، لكنها ليست جدارا لا يهدم، فتقليص هذه الفجوة يحتاج إلى حوار حقيقي، كما جاء في الآيات الكريمة من وصايا لقمان، حوار تربوي هو جزء من المنهاج النبوي الذي يبني الجيل من خلال حوار حنون واع، يربط القلوب بالله ويؤهلها للمسؤولية.
ولقد قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، وصدق: “إن نوعية الصلة في الأسرة بين الوالدين والمولودين، وحنان المشفقة والمشفق على البنات والبنين، ينبغي أن تعكس روح الولاء لله رب العالمين… وانقلي ذات الروح بين الولاء والبراء إلى موطن تكميل التربية، إلى المدرسة، لتكون الصلة بين المعلمات والتلميذات وبين الأستاذات والطالبات صلة تآمر بالمعروف، وتناه عن المنكر، وتواص بالصبر. تبعثين إلى المدرسة والكلية والمعهد نشئا حيا يحمل رسالة، ويناقش، وينتقد، ويدعو، ويشارك المشاركة الفعالة الأساسية في تغيير جو معاهد التعليم” 3.