الحمد لله الملك الوهاب، الذي إذا دعي أجاب، وإذا سئل أعطى بغير حساب، أشهد ألاّ إله إلا هو سبحانه إليه متاب، وأشهد أنّ سيدنا وحبيبنا محمّدا عبده ورسوله رفيع القدر عظيم الجناب، اللهمّ صل عليه وعلى الآل طرّا والأصحاب، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم المآب.
وبعد،
بعد ثلاثة عشر عاما من الاضطهاد والتعذيب والإيذاء -الذي واجهه الصحب الكرام بصبر وعزم ومضاء-، أذن الملك الوهاب للثلّة المؤمنة بالهجرة إلى المدينة المنوّرة. فهاجروا وحدانا وزرافات، فرادى وجماعات.
وبعد مدّة قضوها وهم يصطلون بنار الاشتياق، أُذن للحبيب المصطفى باللحاق، فاجتمع الشّمل وخمدت لوعة الفراق.
كان يوم دخوله ﷺ إلى المدينة يوما تاريخيا مميّزا لم يجد سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه – وكان يومها ابن عشر سنين – ما يصفه به إلاّ قولته الخالدة: «لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ» 1.
أضاءت طلعته البهية ﷺ المدينة بأكملها، صلوات ربّي وسلامه عليه. وانجفل النّاس قِبَلَ رسول الله ﷺ؛ صغيرهم وكبيرهم، أنثاهم وذكرهم، الأنصار منهم والمهاجرون، اليهود والمنافقون.
فكان أوّل ما قال: «يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنَّةَ بسَلامٍ» 2.
هكذا بإيجاز… يوضح رسول الله ﷺ برنامج دولة القرآن لأولئك الذين جاءوا يتساءلون عن مشروع هذا الرجل الذي جاء على حين غرّة منهم فأربك حسابات المنافقين، وهدم مخططات اليهود الحاقدين.
العدل أولا… العدل ثمّ الإحسان…
سلم اجتماعي، أمن غذائي، وبعدهما استقرار يمكّن العبد من الوقوف بين يدي ربّه عابدا متبتلا، شاكرا لأنعمه متذللا.
إن الكلام الذي خاطب به رسول الله ﷺ أهل المدينة، هو نفس الكلام الذي خاطب به ربّنا عزّ وجلّ أهل مكّة حينما قال لهم: لِّإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ (1) اِيلَٰفِهِمْ رِحْلَةَ اَ۬لشِّتَآءِ وَالصَّيْفِۖ (2) فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا اَ۬لْبَيْتِ (3) اِ۬لذِےٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٖ (4) وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۖ (5) [قريش].
بهذه الخطبة الجامعة المانعة استهلّ رسول الله ﷺ عهد دولة القرآن، دولة العمران الأخوي. وانتقلت الجماعة المسلمة الحديثة النشأة من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة.
وأطلق النبي ﷺ العنان لناقته القصواء تنطلق حيث أمرها ربّها، ففي المكان الذي ستبرك فيه سيكون الله عزّ وجلّ قد حدّد موضع بيته في المدينة.
وانطلق الأنصار وراء القصواء كلّهم يتمنى أن تبرك عند بيته أو في أرضه. لكن الله تعالى كان قد عيّن مكان الحرم المدني، وعيّن أيضا من سيحظى بشرف استضافة حبيبه ومصطفاه.
أعطيت انطلاقة بناء المسجد في مربد ليتيمين من بني النجار اشتراه منهم رسول الله ﷺ، وعقد ﷺ اتفاقا مع اليهود يضمن لهم حرية العقيدة والاستقلال المالي، مع التزامهم بالدفاع المشترك عن المدينة ونصرة المظلوم. وبدأ بتجهيزات الدولة وما تحتاجه من مرافق وتشكيلات.
كان للدولة الإسلامية جند يدافعون عنها، وكان لها جهاز استخبارات داخلي يراقب حركة اليهود والمنافقين، وجهاز استخبارات خارجي يرصد تحركات العدو.
بعد مرور عام ونصف على دخوله ﷺ إلى المدينة، وبينما هو عليه الصلاة والسلام في المسجد يأتيه أحد العيون – أو إن شئت بلغة العصر أحد رجال مراقبة التراب الوطني – ليخبره بأن عير قريش القادمة من الشام هي الآن في طريقها إلى مكة محمّلة بتجارة هائلة.
كانت الطرق التجارية معروفة، وكانت القوافل القادمة من مكة إلى الشام، ومن الشام إ لى مكّة، تمرّ بمنطقة بدر.
هنا انتدب النبي أصحابه للخروج لاعتراض طريق القافلة لاعتبارين اثنين:
الأول: استرداد بعض ما سلب من المهاجرين بمكّة.
الثاني: إضعاف قريش اقتصاديا لردعها عن حملات العداء التي نصبتها للمسلمين.
خفّ بعض الصحابة للخروج، وتتثاقل آخرون. وخرج رسول الله ﷺ في حوالي ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، لكنّهم لمّا وصلوا إلى بدر جاءتهم العيون بأخبار جديدة.
فأبو سفيان – سيد قريش وقائد العير – علم بخروج رسول الله ﷺ فغيّر الطريق نحو الساحل، ثمّ أرسل رجلا يدعى ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش يستفزّهم ويستنفرهم للخروج لحماية عيرهم والذود عن ممتلكاتهم.
العير أفلتت، وقريش في ألف رجل قد أتت…
الوضع تغيّر… ولكلّ حادث حديث.
هنا توقف رسول الله ﷺ وقال كلمته الشهيرة: «أشيروا علي أيها الناس» 3. فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه، فقال له رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له به 4.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «شَهِدتُ مِنَ المِقدادِ بنِ الأسودِ مَشهَدًا، لَأن أكونَ صاحِبَه أحَبُّ إليَّ ممَّا عُدِلَ به؛ أتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَدعو على المُشرِكينَ، فقال: لا نَقولُ كما قال قَومُ موسى: اذهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فقاتِلا، ولَكِنَّا نُقاتِلُ عن يَمينِكَ، وعَن شِمالِكَ، وبينَ يَدَيكَ وخَلفَكَ. فرَأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أشرَقَ وجهُه وسَرَّه. يَعني قَولَه» 5.
وما زال النبي ﷺ يكرّر كلمته: «أشيروا عليّ أيها الناس». وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد، وأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله: إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك. ثم قال: “سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم” 6.
وأقف هنا عند هذه الكلمة التي كرّرها النبي ﷺ عدة مرات هنا في غزوة بدر، وقالها عند خروجه لبدر، وقالها في غزوة أحد، وقالها في الحديبية، وقالها في قصة الإفك… وقالها في كلّ أمر ذي بال:
«أشيروا عليّ أيها الناس»؛ فتحت الباب أمام المبادرات والاقتراحات، وعرض الأفكار، وإظهار المهارات، واكتشاف المواهب والطاقات.
«أشيروا عليّ أيها الناس»؛ سدّت الطريق في وجه الاستبداد والفساد والأنانية المستعلية والرأي الأحادي والقمع واستصغار عقول الآخرين.
«أشيروا عليّ أيها الناس»؛ حطمت الذهنية الرعوية وعقلية القطيع، وحاربت الخنوع والخضوع والصمت الإجباري.
«أشيروا عليّ أيها الناس»؛ هي التي جعلت الحباب بن المنذر رضي الله عنه يقول لرسول الله ﷺ في غزوة بدر نفسها وقد نزل النبي ﷺ منزلا: يا رسول الله؟ أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة”. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد أشرت بالرأي”. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القلب الذي نزل عليه فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية 7.
«أشيروا عليّ أيها الناس»؛ هي التي جعلت سلمان الفارسي رضي الله عنه يشير عليهم بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، وما كانت العرب تخندق ولا تعرف الخنادق. فكفى الله المؤمنين القتال.
«أشيروا عليّ أيها الناس»؛ هي التي جعلت أمّ سلمة رضي الله عنها تكون سببا في نجاة المسلمين من هلاك محقّق يوم الحديبية، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلقوا رؤوسهم فلم يستجيبوا لأمره، فدخل على أم سلمة مغضبا يشكو لها عصيان الصحابة، فأشارت عليه بأن يخرج إليهم وينادي على الحلاق فيحلق رأسه فإنّهم سيفعلون مثله. وذاك ما حدث بالفعل.
وهنا يطرح سؤال ملحّ: أكان رسول الله ﷺ في حاجة إلى مشورتهم، أكان مفتقرا إلى آرائهم؟
والجواب هو: لا… ما كان ﷺ محتاجا إلى آرائهم، ولا مفتقرا إلى مشورتهم -وهو المسدّد المؤيّد-. والدليل أنّ الله تعالى أخبره بنتائج الغزوة قبل وقوعها. فقد قال لأصحابه: «سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» 8.
هو ﷺ لم يكن محتاجا إلى مشورتهم، لكن هم كانوا في حاجة إلى تعلّم هذه المشورة. الأمّة كانت في أمسّ الحاجة إلى أن تتعلّم هذا المبدأ العظيم.
فمن يأتي من بعدُ من الأجيال عليهم أن يعلموا أن القائد مهما بلغت درجته العلمية أو السياسية، مهما كان حذقا وذكيا فهو مُطالب بطلب المشورة “تواضعاً لله” واعترافاً بأن الحقيقة موزعة بين العقول. عليه أن يشرك الأمّة في اتخاذ القرار ويرفع الوصاية عن الناس حتى لا يشعروا بأنّهم مجرد منفذين للأوامر، بل هم صنّاع قرار، وهكذا تطيب نفوسهم ويتحمّلون تبعات قراراتهم بصبر وتلاحم.
رحم الله الإمام المربّي عبد السلام ياسين فقد قال: «إذا اجتمع رأي إخوتك على أمر فاتّهم رأيك. لا تحملهم عليه -أي على رأيك، وإن كان هو الأصوب والأنسب-، دعهم يرجعون إليه. فإنّك إن حملتهم عليه تبعوك بنيات منشطرة، وحمّلوك تبعات الفشل».
إن دولة القرآن التي نصبو إليها، ومجتمع العمران الأخوي الذي نهفو إليه، والمجتمع الشوري الذي نحلم بتأسيسه لن يقوم على أرض الواقع حتى يقوم في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا وأسرنا الصغيرة.
الشورى يجب أن تبدأ من الأنفس ثم إلى الآفاق… من مجتمعاتنا الأسرية مع أزواجنا وأطفالنا، ثمّ إلى المجتمعات الكبيرة. من لا يحسن قبول رأي الآخر في البيت، أنى له قبول رأي الآخر في العمل والمسجد والحزب والدولة.
«الشورى تَهدِف إلى إجماع الرأي كما تهدِفُ المحبة والأخوة لجمع القلوب، لتأتي طاعةُ من أجمَعَتْ عليه الآراء وتجمّعت حوله القلوب تجمع الشّمل كلّه.
ليست الشورى لباسا نلبسه وحِلْيَةً نتزين بها من خارج، وفي باطن قلوب الأفراد وعقولهم، وفي أخلاق المجتمع وعلاقاته، ومن مخلفات الماضي وأدرانِ الحاضر نتانةٌ وقذارةٌ. الشورى طهارة وتطهّر بين يدي العمل الصالح كما أن الفوضى والفتنة والحكم الجائر نجاسة» 9.
وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.
[2] أخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجة (1334)، والدارمي (2674) واللفظ لهم. عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
[3] سيرة ابن هشام، ج 1، ص 615.
[4] المصدر نفسه.
[5] أخرجه البخاري (3952) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[6] سيرة ابن هشام، ج 1، ص 615.
[7] أخرجه محمد بن إسحاق في ((سيرة ابن هشام)) (2/ 192)، والطبري في ((تاريخه)) (2/440).
[8] سيرة ابن هشام، ج 1، ص 615.
[9] عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، الإحسان 2، ص: 139.