إحسان صانعة محتوى: جيل اليوم يحمل “أمانة الرقمنة” فإما أن يرتقي بها أو يغرق في لججها

Cover Image for إحسان صانعة محتوى: جيل اليوم يحمل “أمانة الرقمنة” فإما أن يرتقي بها أو يغرق في لججها
نشر بتاريخ

مع دخول رمضان أيامه الأخيرة، يشتد الإحساس بأن الانتباه صار أثمن ما يملكه الشباب، وأن ما تبقى من الشهر لا يحتمل مزيدا من التشتت. وفي مقابل هذا الشعور، تظل مواقع التواصل حاضرة بقوة، بخوارزميات تدفع إلى التمرير المستمر وتستهلك الدقائق دون شعور. في هذا السياق، حاورنا الشابة إحسان إبراهيم صانعة محتوى رمضاني حول سؤال بات يتكرر في بيوت كثيرة: هل تخطف المنصات روحانية رمضان ووقته؟ أم يمكن تحويلها إلى فضاء نافع إذا ضُبطت بالوعي والنية؟

ترى المتحدثة أن الطرح القائل إن مواقع التواصل “تخطف” من وقت رمضان وروحانيته طرح مفهوم، بل تعتبره “وترا حساسا” يلامس واقع الشباب اليوم. وهي لا تحمّل الشاشات المسؤولية وحدها، لأن المشكلة في نظرها ليست في الوسيلة بقدر ما هي في طريقة الاستعمال. فهذه الشاشات، كما تشرح، ليست لصوصا بحد ذاتها، لكنها “نوافذ” إذا تُركت مفتوحة لرياح المشتتات أطفأت قنديل الروحانية، لأن الخوارزميات الرقمية مصممة أساسا لتسلب “الانتباه”. وفي رمضان، يصبح الانتباه بوابة الحضور مع الله، لذلك فإن الغرق في التمرير اللانهائي يسحب السكينة من القلب ويبدد روح الشهر.

ومن موقعها كصانعة محتوى، تقترح زاوية أخرى في الفهم، تقوم على أن الهاتف “لوح زجاجي محايد” ووعاء فارغ، وأن الإنسان هو الذي يقرر بماذا يملؤه. وتختصر موقفها بفكرة تعتبرها حاسمة: “النية” عندها هي خوارزمية المؤمن. لذلك فهي ترى أن مواقع التواصل لا تخطف الروحانية إلا إذا سلّم لها المستخدم مفاتيح قلبه طواعية، أما إذا دخل بوعي وبنية الإحسان ونشر الخير، فإن الحضور الرقمي يمكن أن يتحول إلى امتداد للصدقات الجارية وإلى مساحة لتطبيق معنى “وقولوا للناس حسنا” في الواقع الافتراضي.

وفي النقاش حول إغلاق الحسابات طوال الشهر تجنبا للإلهاء، تقف المتحدثة باحترام واضح أمام خيار “الديتوكس الرقمي”، وتعدّه شجاعة ورغبة صادقة في حماية القلب وتطهيره، لأنه يمنح صاحبه راحة وهدوءا يقتربان من معنى الخلوة. لكنها تميل في النهاية إلى الترشيد الواعي أكثر من القطيعة التامة، لأن القطيعة في نظرها قد تكون “مسكنا ظرفيا” لا يبني قدرة داخلية مستدامة. وتسأل هنا عن لحظة ما بعد رمضان: ماذا سيحدث صبيحة يوم العيد إذا كان الحل مجرد إغلاق مؤقت ثم عودة كاملة إلى الدوامة؟ لذلك تفضل أن يتحول رمضان إلى تدريب على ضبط الرغبات الرقمية كما يضبط الإنسان رغباته بالصيام، أي تعلم الدخول إلى العالم الرقمي بخطى ثابتة دون تعثر، وبناء ما تسميه “المناعة الرقمية” بدل الاكتفاء بالهروب.

وتؤكد إحسان، في الوقت نفسه، أن مواقع التواصل يمكن أن تكون أداة دعوية وتربوية فعالة، بل تصفها بأنها “ميدان حي” يمكن أن ينفع فيه المسلم أينما كان. وفي رمضان، حيث القلوب في حالة استعداد روحي والنفوس مهيأة للتلقي، تتضاعف فرص التأثير إن أُحسن التوظيف. وتستند في ذلك إلى ثلاث نقاط: أن الرسائل التربوية لم تعد محصورة في أماكن محددة وباتت تصل بضغطة زر إلى من يعيش عزلة رقمية ويبحث عن طمأنينة؛ وأن رمضان “شهر الجمال” ما يتيح الجمع بين الإحسان في القول والإتقان في العرض، خصوصا في زمن التفاهة والتلوث البصري؛ ثم إن المنصات تسمح بنقل نماذج عملية للعبادة والتراحم، من تذكير بسنن العشر الأواخر إلى التشجيع على الاستمرارية بعد رمضان. وهي تؤكد أن التربية الرقمية الناجحة ليست وعظا من “برج عاجي”، بل مشاركة واقعية تجعل المتابع يشعر أنه يسير مع صانع المحتوى في الطريق نفسه.

وعن كيفية ضمان أن يكون المحتوى الرمضاني هادفا لا مجرد مواكبة موسمية، تقول إن الفرق بين الموسمي والأثر المستدام يوجد في “الجذور لا الفروع”. لذلك تجعل النية “بوصلة قبل البدء”، عبر سؤال داخلي ثابت: هل يقرب هذا المحتوى من الله أم هو مجرد بحث عن المشاهدات؟ ثم تشدد على “الإحسان والإتقان” في التصوير والصياغة والاختصار مع عمق الفكرة، فكون المحتوى دعويا لا يبرر ضعفه بل يزيد من مسؤولية إتقانه. أما الركيزة الثالثة فهي “الصدق والواقعية”، عبر الحديث عن مجاهدة النفس والفتور وكيفية التغلب عليه، بدل تقديم صورة مثالية مصطنعة، لأن ما يلامس الناس هو ما يشبههم ويخاطب واقعهم.

وبخصوص تفاعل الجمهور في رمضان، تشير إلى أن تجربتها عبر برنامجها “30 يوما.. 30 سنة نبوية” كشفت لها عطشا حقيقيا للخير. وقالت إن رسائل عدد من المتابعين جاءتها تقول إن التذكير اليومي أعاد إحياء سنن كانوا يمارسونها، لكنها تحولت مع الروتين إلى عادة ميكانيكية، فجاءت “الكبسولات” لتعيد لها أصلها كعبادة واعية تستحضر النية والأجر. كما تقف عند قيمة “الإنقاذ اللحظي” وسط التدفق السريع لمقاطع الريلز، حين يظهر محتوى يوقف المتابع لثوان ويذكره بالله وسط الضجيج البصري. وتلاحظ كذلك أن الجمهور صار يقدر البساطة وينفر من التكلف والمثالية الزائفة، وأن العفوية والحديث من القلب إلى القلب هما ما يجعل الفكرة تتسلل بسلاسة.

وفي رسالتها للشباب، تدعو المتحدثة إلى جعل الهاتف خادما للآخرة، وإلى أن نترك “أثرا لا غبارا”، وألا يكون المستخدم مجرد عابر يستهلك المحتوى ويمضي. كما تدعو إلى تحويل الحسابات الشخصية إلى صدقة جارية، مع التأكيد على أن المحتوى الرقمي مهما بلغ جماله يبقى وسيلة لا غاية، فلا ينبغي أن تنسينا متابعة خواطر الدعاة الجلوس مع كتاب الله، ولا أن تشغلنا أعمال الخير الافتراضية عن بر الوالدين والإحسان الحقيقي في الواقع. وتختم بأن جيل اليوم يحمل “أمانة الرقمنة”، فإما أن يرتقي بها أو يغرق في لججها، داعية الشباب إلى أن يكونوا “حاملين لا محمولين”، خصوصا في ما تبقى من رمضان وما بعده.