الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
يقول تعالى: اَ۪ذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغ۪ىٰ (42) فَقُولَا لَهُۥ قَوْلاٗ لَّيِّناٗ لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْش۪ىٰۖ (43) [طه].
إنّها المهمّة الأولى التي أوكلها الله عزّ وجلّ لسيدنا موسى عليه السلام بعد ذلك اللقاء المهيب الذي تم ّ في الوادي المقدّس طوى، حينما كلّمه الله تكليما.
إنّه يأمره بأن يذهب هو وأخوه هارون -عليهما السلام- إلى فرعون، فيدعوانه إلى الله بحكمة ويخاطبانه بلين ورحمة. لكن دون أن ينفي عن فرعون طاغوتيته وطغيانه.
القرآن لا يحابي ولا يجامل ولا يطمس الحقائق، القرآن لا يعبث بالألفاظ ولا ينمّق العبارات لتزييف واقع دولة فرعون ولا يبرّر أخطاءه ولا يدثّر فظائعه.
الحقيقة حق، والحقيقة هنا هي أن فرعون طغى، تجبّر وعتا، ظلم العباد وأفسد في البلاد.
الحقيقة هي أن فرعون يمثل نموذجَ الحاكم المستبد الذي بلغ الغاية في العتو، الفاسد المفسد الذي يستحق أن ينال جزاءه العادل على أفعاله البغيضة وجرائمه المريعة في الدنيا، وينال أشدّ العقاب في الآخرة.
ومع ذلك، يقول الله تعالى لسيدنا موسى وأخيه هارون -عليهما السلام- اذهبا إليه، وادعواه بحكمة، وخاطباه بلين، ولا تكسرا قلبه بالكلمة الفظة الغليظة، ولا تضنياه بالعبارة القاسية الجارحة.
الدعوة إلى الله نسمة رحمة يحملها الداعي في قلبه إلى المدعو، الدعوة إلى الله يد بيضاء يمدّها الداعي لينتشل المدعو من حمأة ما تلطّخ به قلبه من شرك أو حبّ دنيا وحبّ رئاسة، ويحرّره مما علقت به نفسه من شهوات أو غرقت فيه من غفلات.
الدعوة إلى الله لم تكن -ولن تكون أبدا- انتقاما من المدعو ومحاولة لإسماعه صوت الكراهية.
الدعوة حكمة ورحمة بالمدعو ليستجيب، وتلطّف به حتى ينيب.
والاستعلاء الذي أظهره فرعون لا يعطينا الحقّ في دعوته باستعلاء، ولا يسمح لنا بتجاوز آداب الدعوة.
فرعون؛ أي نعم ملك مستكبر، ذبح أطفال رعيته ظلما وعدوانا لسنوات، واستعبد بني إسرائيل وأذلّهم، ثمّ استخفّ قومه وقال لهم أنا ربكم الأعلى. كلّ هذا يثبته القرآن ولا ينكره ولا يطمسه ولا يخفيه. ومع ذلك يعلّمنا القرآن أن ندعوه -ومثله- بلطف، لا بعنف. بأمل في الاستجابة، لا بيأس من الإنابة، بلين لا بقسوة. بلا حكم مسبق ونتيجة سلبية نسجناها في خيالنا قبل التحرّك.
فنحن دعاة لا قضاة.
عجبا لمن يدّعي أنّه إلى الله داع، ثمّ يصعد المنبر ليجلد عباد الله ويقنّطهم من رحمته…
عجبا لمن يدّعي أنّه إلى الله داع، ثمّ يعلّمهم بترفّع ويكلّمهم بتنطّع ويعاملهم باستعلاء…
عجبا لمن يدّعي أنّه إلى الله داع، ثمّ يرشق الناس -إذا خطب فيهم- بالعبارات النابية و يكسر قلوبهم بالكلمات الجارحة والإشارات الفاضحة…
يا معشر الدعاة؛ لنأخذ أسلوب الدعوة عن ربّنا ولنتعلّم من قرآننا.
الله خبير بعباده، سبق في علمه -سبحانه- خبر فرعون ومآله ونهايته. لكنّه لم يخبر سيدنا موسى -عليه السلام- لئلا يمضي نحو مهمته بهمّة مائلة، ويسير إلى هدفه واليأس يفتّ في عضده.
فَقُولَا لَهُۥ قَوْلاٗ لَّيِّناٗ لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْش۪ىٰۖ
خاطباه باللين، فاللين أدعى للسماع والاستجابة…
لتحطيم الحواجز النفسية بين الداعي والمدعو، تبقى الكلمة الطيبة هي المفتاح لولوج القلوب، وتليين النفوس، وإقامة الحجة، بعيداً عن القسوة والبغض.
القول اللّيّن لا يثير في النّفوس العزّة بالإثم. القول اللّيّن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى.
قُولا له قَوْلاً ليّنا حتى يكون أوقع في نفسه وأبلغ وأنجع. وإياكما والقول الفظّ الغليظ، فإنّه يُبعد الشّقّة، ويخلقُ المشقّة، ويستثير النفوس.
فَقُولَا لَهُۥ قَوْلاٗ لَّيِّناٗ لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْش۪ىٰۖ
لا تذهبا إليه وأنتما حاقدين عليه، يائسين من المحاولة.
لا تجعلا ما تعرفان عنه حائلا بينكما وبين المحاولة، وعقبة بينكما وبين الرجاء. فالقلوب بين أصبعي الرحمان يقلّبها كيفما يشاء.
إنّه سبحانه يعلّمنا التحدّي الدّعوي، يعلّمنا ألاّ نيأس من دعوة النّاس، يعلّمنا أن الرفق واللين يجب أن يكونا سلاحنا في دعوة الآخرين ومفتاحنا لدخول قلوبهم، وأنّ الحكمة والرحمة هما القاعدة، أما القول البليغ فاستثناء يُستعمل في الحالات الخاصّة.
لا يكن همّك -أيها الداعي- إثبات حجّة، أو تسجيل موقف، أو تغلّب على خصم في ساحات السجال والمناظرة، ليكن همّك أن يستجيب المدعو فتنال وسام: «فواللهِ لَأن يَهديَ اللهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا خَيرٌ لكَ مِن أن يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ» 1.
وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.