“إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”

نعيش هذه الأيام بركة أواخر شهر شعبان وفضله، وبهذه المناسبة الكريمة لا يسعنا إلا أن نبارك لك أيها الزائر الكريم حلول شهر رمضان العظيم وللأمة الإسلامية جمعاء، راجين من الله أن يدخله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، تيمنا لما رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند رؤية الهلال "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله". ولما كان هذا الشهرالفضيل ذو مرتبة عالية في الدين فقد وردت فيه مجموعة من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تحث المؤمن على اغتنام وقته بالعمل الصالح، وبعدم تضييع وقته في الكسل والنوم.. وبإلزام النفس تقواها، قال تعالى: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها (الشمس، 9).
من بين ما استوقفني وأنا أطلع على فضل هذا الشهر الكريم، قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، نقف مع معانيه لنستشف مقاصده على اعتبار أن للصيام مرتبة في الدين، كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه فأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: "يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال له: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: "صدقت"، فعجبنا له يسأله ويصدقه...".
فما معنى الصوم؟
ولم خصه الله تعالى بهذه المرتبة؟
ولماذا قال سبحانه: "إلا الصوم فإنه لي"؟
الصَّوم لغةً: الإمساكُ. واصطلاحًا: التعبُّدُ لله سبحانَه وتعالى بالإمساكِ عن الأكلِ والشُّربِ وسائِرِ المُفَطِّراتِ، مِن طُلوعِ الفَجرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ.
هو إمساك إذن عن كل مفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بهدف التعبد والتقرب إلى الله، عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، وقلنا: هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، قال: سمعته يقول: (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ إلاَّ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ).
ويبقى الصوم واجبٌ بأصلِ الشَّرعِ، أي بغيرِ سَبَبٍ مِنَ المكلَّفِ، والإمساك ليس إمساكا عن الطعام والشراب فقط بل لابد من الإمساك والابتعاد عن الغيبة والنميمة واللمز والتنابز والمشاحنة.. وكل ما يفسد الصيام، فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. لذلك نجد في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ”قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب – الخصام والصياح -، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمدٍ بيده لخلوف فم الصائم – الرائحة – أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه” رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
قد ذكر شراح الحديث وجوهاً عديدة في معنى قوله تعالى في الحديث القدسي (إلا الصوم فإنه لي) فمن ذلك ما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني قال: "وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى (الصيام لي وأنا أجزي به) مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها.
أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب. ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم (ليس في الصيام رياء) حدثنيه شبابة عن عقيل عن الزهري فذكره يعني مرسلاً قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وهذا وجه الحديث عندي، انتهى".
يجمع الصوم في ذاته بين القلب والعقل؛ قلب يحمل نية صافية محتسبة لله بأداء الواجب على أكمله، وعقلا حكيما مؤمنا يعي أن الجزاء من جنس العمل.
"إلا الصوم فإنه لي" خصه سبحانه بالجزاء لأنه هو المطلع على القلوب سبحانه، وهو الكريم في عطائه، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ، وقد عني بالصابرين في الآية الكريمة الصائمون في كثير من الأقوال.
والصوم مدرسة الصبر، وهذا الأخير نصف الإيمان، والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.كيف لا يكون الصوم من أحب العبادات إلى الله والمقدم على غيره من سواها، وهو سبحانه ينسبه إليه نسبة تشريف وتعظيم،كما يقال بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله.كيف لا يكون صوم رمضان منسوبا إلى الله ورمضان اسم حروفه جامعة للرحمة والمغفرة والعتق من النار.
وما عسى أحدنا أن يكون مطلبه أكثر من هذا الثواب. فاللهم بلغنا رمضان وليلة القدر واكتبنا عندك من المعتوقين من النار. آمين.









