اسكن أنت وزوجك الجنة

الحياة الطيبة؛ مطلب نفيس تتوق إليه تلك القلوب الباحثة عن السكن والحب والمودة والسعادة وسيلة نحو الهدف الأسمى: طلب وجه الله تعالى.
الحياة الطيبة؛ سكينة ومعية، معية واحتواء، وامتصاص لكل تلك التموجات النفسية التي ترابط على قلب المرأة لتتمثل بعد ذلك قوله عز وجل وجعل بينكم مودة ورحمة، مودة روح اطمأنت إلى آخرتها رفقة شريك حبيب، ألفة واستقرار يبهج نظر الحبيبين ليتجهزا بعد ذلك لمعارك الحياة وكفاحاتها متعددة الواجهات.
أنت وزوجك
قرن الله السكينة لتشمل الزوجين معا، يتوهم متوهم أن قلبا كاد يبدي فراغا عاطفيا يتنعم في استقراره، وإنما هي فجوة يستغلها إبليس اللعين ليوغل في الجراح ويوسع الفتق ويطل بفتنته على ضعف اعتور أسرة استخلفها الله مثلما استخلف أبانا آدم رفقة أمنا حواء. أجل، استخلف الله أسرة متكاملة وأوكل إليها مهمة مقدسة؛ العبادة. روعة العبادة في هذا التناغم الروحي المتبتل إلى الله، الهائم بحضرته، المشتاق إلى رحاب القرب من الذات العلية. شوق يسوق القلوب طوعا إلى حضرة المحبوب الأعظم، ولسان الحال يقول فداك القلب وما نبض، فداك الرحم وما ولد، وفداك العقل وما اجتهد.
مشروع عمْر
"تخيروا لنطفكم"؛ وصية نبوية بلون النقاء، أهداف مستقبلية بخطة قبلية عنوانها السداد من رب العالمين.
ولنا في أحباب الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه لعبرة. سيدنا جليبيب، صحيح نقص نصيبه من المال والجمال، لكن الروح كانت في صحبة الملوك، يتقدم إلى بيت من المسلمين يخطب ابنتهم، يمتعضون وتأبى الأم، لكن الفتاة التي تعي عن الله ورسوله، تنبري لأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتزوج جليبيبا الذي ما لبث أن قتل شهيدا بعدما أرى المسلمين منه بلاء حسنا، قال عنه الحبيب المصطفى قبل أن يوارى التراب "أنت مني وأنا منك"، يدعو رسول الله لزوجته "اللهم صبَّ عليها الخير صبّاً، ولا تجعل عيشها كدّاً كدّاً"، فلا يُرى، بعدُ، أنفقَ منها من ذات يد.
سعيد بن المسيب، سيد التابعين، يخطب إليه الخليفة ابنته ليزوجها للوليد، لكن فراسة الأب الذي خاف على دين ابنته يرفض عرض الأمراء ويؤثر عنه أحد تلامذته، الفقراء مالا، الأغنياء صلاحا. بل سعيد نفسه واسع الثراء يتزوج بنت سيدنا أبي هريرة وقد كان معروفا بفقره. ما كانت حاجتهم لنسب يرفع أسماءهم بل كانت حاجتهم لوثاق يكسر بريق الدنيا ويوقظهم لطلب المعالي.
وهذه بشارة أخرى؛ قصة عمرية المبدأ عمرية المنتهى، يختار فيها سيدنا عمر بن الخطاب بنت بائعة اللبن، جدة لحفيده سيدنا عمر بن عبد العزيز. جزاء ورع وتقوى وخوف من الرقيب الأعلى أن يحل نظره بموضع غش.
تاريخ من الطهر يرتسم عقدا فريدا تتشح به أمة الحبيب. ويخلد الله ذكر الصالحين بصلاح ذرياتهم وبسرّ "كان أبوهما صالحا" حتما. سينقض الجدار عن لآلئ باسمة تقيم أود الروح وتذكي روح الجهاد، رفعا لهمم أسلمت إرادتها للاختيار الرباني واستطاعت بفضل من الله الوهاب وتوجيهه أن تحسن صنع الرجال.
في الجزء الثاني من كتاب تنوير المؤمنات، خصص الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله فقرة كاملة عنوانها "اختيار الزوج" أقتطف لكم منها هذا المقطع :
"فاختيار الزوج الصالح في الإسلام له معايير مشروعة، وتستخير المؤمنة ربها وتستشير المأمونين والمأمونات على النصيحة. والزواج في الإسلام تكليف شرعي أنيط بذوي قربى من لا زوج لها وبالأمة في قوله تعالى عز وجل: (وأنكحوا الأيامى منكم) سورة النور. الآية 32. فالسعي في ذلك ومساعدة الباحث والباحثة من فضائل الأعمال.
أما المصطفَيْن من عباد الله المبلغين رسالاته فإنه عز وجل يختار لهم أزواجهم كما أخبرنا في كتابه العزيز حين خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم وخاطبنا بقوله: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) سورة الرعد. الآية 39.
زينب أم المؤمنين رضي الله عنها جعلها الله زوجا لحبيبه محمد بوحي يتلى. وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها جاءته البشرى بها في وحي المنام، وهو حق. روى البخاري عنها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها قائلا: "أُرِيتُكِ في المنام يجيء بكِ الملَكُ في سَرَقَةٍ (قطعة) من حرير. فقال لي: هذه امرأتك. فكشفتُ عن وجهكِ الثوبَ، فإذا أنتِ هيَ. فقلتُ: إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه". (ص، ص: 160 / 161).
جميل أن تكون حياتنا سليمة الأساس، عظيمة النية، واضحة الغاية، حياة مبنية على التكامل والانسجام حتى تستقر الأسر المؤمنة وتستقر معها الدعوة إلى الله، ويتخرج منها الأبناء وهم في كامل استعدادهم لممارسة مسؤولياتهم التي تنتظرهم في معترك الحياة؛ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
أسعدكم الله جميعا وجمع شملكم وجعل الفرحة نصيبكم.









