اقتحام العقبة: طريق المرأة إلى التغيير

Cover Image for اقتحام العقبة: طريق المرأة إلى التغيير
نشر بتاريخ

خاطب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله المرأة باعتبارها كيانا مستقلا ذا قيمة رفيعة في الإسلام، وشريكا أساسيا في بناء المجتمع وصناعة التغيير المنشود.

في كتابه “تنوير المؤمنات”، ركز رحمه الله على أهمية اقتحام المرأة للعقبات التي تواجهها في حياتها، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية، اقتحام يتطلب من المرأة تعزيز إيمانها وثقتها بنفسها، وتكوينها علميا مع التمسك بالقيم الإسلامية.

فما مفهوم اقتحام العقبة؟ وما أهميته في تحقيق التغيير والتحرير الحقيقي للمرأة؟ وما جدواه في بلوغ هذا التغيير والتحرير المنشود؟

1- مفهوم اقتحام العقبة

بالنظر في سورة البلد، نجد الله عز وجل يخاطب الإنسان ليقتحم العقبة ويدعوه ذكرا وأنثى في قوله تعالى: فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَـٰمٌۭ فِى يَوْمٍۢ ذِى مَسْغَبَةٍۢ يَتِيمًۭا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًۭا ذَا مَتْرَبَةٍۢ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ [البلد: من الآية 11 إلى 18].

وكلمة اقتحام تحمل معاني جساما. قال أهل اللغة: الاقتحام توسط شدة مخيفة، والعقبة طريق وعر في الجبل، كما عند الراغب الأصفهاني.

2- أهمية اقتحام العقبة في بلوغ التغيير والتحرير الحقيقي للمرأة

لا ريب أن اقتحام العقبة ضرورة حتمية في بلوغ التحرير الحقيقي للمرأة، فباقتحام العقبات التي تواجهها تكون قادرة على بناء نفسها وبلوغ أهدافها، وتكون قادرة على المشاركة في بناء المجتمع وتحقيق التغيير المنشود.

واقتحام العقبات يتطلب الابتعاد عن اتباع الهوى والسعي لتزكية النفس، وهنا يتساوى الرجل والمرأة، بالصبر والمثابرة، قال عز وجل: أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان: 75].

الصبر بحمل النفس على ما يوجبه العقل والشرع، وكفها عما ينهيان عنه، وهو بهذا المعنى تربية مستمرة ومجاهدة واعية، تقوم على تزكية النفس وزجرها عن الانقياد للهوى.

وعندما تُقبِل المرأة على معالجة نفسها بهذا الميزان، وتخضع سلوكها لسلطان الإيمان والعقل، يكون جزاؤها الطمأنينة والسعادة والمودة والسكن في حياتها الخاصة، إذ إن مقاومتها للرذائل والمهلكات تثمر قوة إيمانية راسخة، وإرادة متزنة قادرة على الثبات. وقد شبّه أهل التربية النفس بالطفل، فقالوا: “والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم”.

وبهذه القوة الإيمانية والإرادة الواعية، ترتقي المرأة في مدارج السالكين، فتبلغ:

 – الكمال الروحي بتصحيح إيمانها، وتحديد مقصدها، ومعرفتها بما تريد وإلى أين تسير.

– والكمال الأخلاقي، بلزوم جماعة المؤمنات المتواصيات بالصبر والرحمة.

– والكمال العلمي، باكتساب العلم النافع الذي ينهض بها ويُكسبها المعارف والمهارات دون أن يخلّ بتوازنها القيمي أو الإيماني.

– والكمال الجهادي، بمشاركتها الفاعلة في مشروع التغيير، وإسهامها في إصلاح واقع الأمة، سعيا إلى إقامة دين الله في إطار صحبة جماعة المؤمنين.

وختاما؛ فإن اقتحام العقبة هو مسار تربوي جامع، تتربى فيه المرأة على الصبر والصدق، وتسير إلى الله على بصيرة، وتثبت على القيم، لتكون شريكة واعية في مشروع العدل والإحسان.