تعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي المحضن الطبيعي الذي ينمو فيه الطفل وجدانياً وعقليا. ومنها يستمد شعوره بالأمان والانتماء والتوازن النفسي، وحين يقع الطلاق بين الأبوين، ويتفكك الجو الأسري، يجد الطفل نفسه في مواجهة ارتباك نفسي ووجداني، قد يلازمه سنوات طويلة، وقد أحاط القرآن والسنة النبوية هذا الأمر برعاية حكيمة. وإذا كان الطلاق واقعا اجتماعيا لا مفر منه في بعض الحالات، فإنه يعد في المنظور الإسلامي “أبغض الحلال”، لما يترتب عليه من تشتت شمل الأسرة. ومع ذلك، قد يكون ضرورة في حالات معينة، وهنا تبرز أهمية “التسريح بإحسان” لتقليل الخسائر النفسية على الأبناء. فما التصور التربوي الذي يقدمه القرآن والسنة حماية من التمزق النفسي بعد الطلاق؟
الرؤية القرآنية: “ولا تنسوا الفضل بينكم”
وضع القرآن الكريم دستوراً أخلاقياً يحمي الصحة النفسية للأبناء عند الفراق، ومن أهم ملامحه:
– المعروف والإحسان: قوله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة: 229].
– حفظ الحقوق: التأكيد على حق الرضاعة والنفقة لضمان استقرار الطفل المادي والنفسي، لقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 233].
التوجيهات النبوية في رعاية المحضون
كان النبي ﷺ أحرص الناس على مشاعر الصغار، ومن هديه في هذا الباب:
– العدل والرحمة: منع النبي ﷺ من التفريق بين الأم وولدها، فقال: “مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” 1.
– تخيير الطفل: في بعض الأحاديث، خيّر النبي ﷺ الغلام بين أبيه وأمه، مما يعكس احترام كيان الطفل وعدم إكراهه نفسيا. ورد في الحديث أن امرأة جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت إن زوجها يريد أن يأخذ ولدها فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت” 2.
الأبعاد النفسية لغياب الاستقرار الأسري
يعاني الأطفال عند وقوع الطلاق غير المنضبط من عدة اضطرابات، أبرزها:
– الشعور بالذنب: غالباً ما يعتقد الطفل (خاصة في سن مبكرة) أنه السبب في فراق والديه. ومن ثم يؤدي الجو المتقلب إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر والعصبية المفرطة.
– فقدان الأمان: الاستقرار الأسري يمنح الطفل والراشد إحساسا بالطمأنينة، الذي يمثله اجتماع الوالدين، وغيابه يؤدي إلى الخوف من المستقبل.
– الصراع بين الاثنين: حين يحاول كل طرف استمالة الطفل لصفه، مما يضعه في ضغط نفسي كبير، يشعره بالعجز عن إحساسه بالثبات العاطفي.
خاتمة
الطلاق وإن كان مباحا، يظل حدثا نفسيا حساسا في حياة الأبناء، وقد جاء القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بتشريعات وتوجيهات تهدف إلى تقليل الأذى النفسي، وحماية الطفل من آثار الصراع، وترسيخ مبدأ الرحمة والمسؤولية، فكل طلاق لا يراعي نفسية الأبناء، فهو خروج عن مقاصد الشريعة التي جعلت حفظ النفس والنسل من أعظم مقاصدها.