الأسرة بين الحماية القانونية وإكراهات الواقع

جل المواثيق و الدساتير الدولية تولي مؤسسة الأسرة أهمية بالغة وتمنحها مكانة رفيعة، فالمادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المادة 23 من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية تنصان، على أن الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، و لها حق التمتع بحماية المجتمع و الدولة.
نفس المنحى ذهب إليه الدستور المغربي في فصله 32 حيث اعتبر الأسرة القائمة على الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع، وأن الدولة تعمل على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة بمقتضى القانون،بما يضمن وحدتها و استقرارها و المحافظة عليها.
و في نفس الاتجاه حرص المشرع الجنائي المغربي على توفير الحمايـة الجنائيـة للعلاقـة الزوجيـة عندما أقر بتجريم الخيانة الزوجية، وإهمال الأسرة، والعنف المرتكب بين الزوجين،كما نص كذلك على الحماية القانونية للعلاقة الأبوية بتشديد العقاب في جرائم العنف ضد الأصول،و عدم التساهل اتجاه الأفعال الإجرامية المرتكبة في حق الأطفال سواء تعلق بالعنف الموجه ضدهم ، أو ترك الأطفال والتخلي عنهم وتعريضهم للخطر، أو بيعهم و استغلالهم جنسيا وكذا استخدامهم في التسول.
و على الرغم من دسترة الحماية الحقوقية و الاجتماعية و الاقتصادية للأسرة في دستور 2011 و سن الحماية الجنائية للعلاقة الزوجية و الأبوية و ضمان الحماية للأطفال في القانون الجنائي ، و إفراد مؤسسة الأسرة بمدونة خاصة سنة 2004 فإن واقع الأسرة بالمغرب ما زال يعيش وضعا هشا و غير مستقر على جميع الأصعدة.
فعلى المستوى الاجتماعي عرفت نسبة الطلاق خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا مهولا، حيث وصل عدد حالاته خلال سنة 2015 حسب تقرير رسمي صادر عن وزارة العدل إلى 24254 حالة طلاق، منها 1686 طلاق رجعي و 3602 طلاق خلعي، و 3601 طلاق قبل البناء، و 15306 طلاق اتفاقي، و 18 طلاق مملكا، و 41 طلاق بالثلاث بينما عرفت سنة 2016 حوالي 6007 حالة طلاق فقط بمدينة فاس،ليحتل المغرب عربيا المركز السادس بست حالات طلاق كل ساعة.
أيضا برجوعنا إلى لغة الأرقام الرسمية نجد أن كل ما تعهدت به الدولة في الفصل 32 من الدستور لم تلتزم به، حيث ما زال 650 ألف طفل بدون مقعد في المدرسة، بل غادر هذه المدرسة لأسباب اجتماعية 218 ألفا و141 تلميذ، ليحصل المغرب تبعا لمؤشر التعليم، على المركز 101 عالميا من بين 140 دولة، حسب تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2017.
وهذا يخالف أيضا الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل 32 من الدستور المغربي التي تنص على أن “التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة”.
و يتنافى أيضا مع مقتضيات الفصل 169 من الدستور الذي يلزم الدولة بإنشاء المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة،المحدث بموجب الفصل 32 من هذا الدستور، و الذي تعهد إليه مهمة تأمين تتبع وضعية الأسرة والطفولة، وإبداء آراء حول المخططات الوطنية المتعلقة بهذه الميادين، وتنشيط النقاش العمومي حول السياسة العمومية في مجال الأسرة ، وضمان تتبع وإنجاز البرامج الوطنية، المقدمة من قبل مختلف القطاعات و الهياكل والأجهزة المختصة.
إلا أن هذا التنصيص للأسف بقي مجرد حبر على ورق،و هو نفس مآل الفقرة الثالثة من الفصل 32 التي تعهدت من خلالها الدولة ،بسعيها لتوفير الحماية القانونية و الاعتبار الاجتماعي و المعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية.
ناهيك عن الاستهداف البين لقيم و أخلاق الأسرة المغربية من خلال مهراجانات الفن الساقط التي يصرف عليها من دافعي الضرائب و كذا غياب الرقابة على البرامج و المواد الإعلامية التي تبث على القنوات العمومية للدولة، و التي تخدش في الحياء العام و تؤثر سلبا في تربية الأطفال و الشباب.
أما حق الأمومة فأصبح كابوسا يتهدد النساء المغربيات أمام الاختلالات الكبيرة التي يعرفها قطاع الصحة وفي غياب الخدمات الصحية التي تحفظ الكرامة الآدمية، مما يبقي معدل وفيات الأمهات في ارتفاع كبير، واقع يجعلنا نتساءل عن جدوى إثارة موضوع الإجهاض وإفراده بالنقاش أمام تفاقم معضلة الصحة الإنجابية ووفيات الأمهات والأطفال لغياب شروط الرعاية الصحية الضرورية.
زد على ذلك تنامي مقلق للعديد من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تلقي بظلالها على واقع الأسرة ، حيث التزايد الكبير في مظاهر الفقر والبطالة وارتفاع في معدلات الجريمة على أساس النوع، ونسب الدعارة المخجلة والانتعاش المستمر لتجارة البشر والسياحة الجنسية، وارتفاع معدلات الإجهاض السري، وتعاطي المخدرات، وتزايد نسب الطلاق والتفكك الأسري، وامتهان التسول و العنف ضد الأصول ……كلها أعطاب تفضح واقع الهشاشة والمظلومية الذي تعيشه الأسرة المغربية بمختلف مكوناتها.
إن الرغبة في ضرب الرصيد الرمزي و القيمي للأسرة المسلمة تعود بالأساس إلى خطة صهيونية ماسونية، حيث برجوعنا إلى محاضرهم السرية في إطار ما يسمى ببروتوكولات حكماء صهيون نجدهم يخططون لتدمير الحياة الأسرية و إفساد دورها التربوي، و مما جاء بين طيات بروتوكولاتهم" يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل شاب فنستعمل آنذاك سيطرتنا...إن فرويد منا، سيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غرائزه الجنسية و عندئذ تنهار الأخلاق ".
و هذا ما أكده ماركس في فلسفته بالعمل على هدم نظام الأسرة و تنشئة الأطفال في محاضن عامة بحيث لا يكون لهم أي ارتباط بأم أو أب أو أسرة، بل يكون ارتباطهم الوحيد بالدولة و الحزب.
خلاصة الأمر أيها السادة ، أن الأسرة المسلمة على الرغم من تعرضها خلال عقود طويلة للغزو العسكري و السياسي والاقتصادي فإنها لا زالت تقاوم و تتتمسك ما أمكن بقيمها و هويتها الإسلامية، و أنها تتفوق رغم كل ذلك، على كل الأسر الغربية التي أنهكتها سهام الانحلال الأخلاقي و التفكك الأسري.
و بناء على ما سبق بسطه و تحليله نخلص إلى معطى مفاده ،أن الأسرة صمام آمان المجتمع و لبنة أساسية في بناء سرحه، مما يتعين علينا أن نكثف الجهود لنوفر لها أمنها الروحي،الفكري، الاقتصادي و الاجتماعي .
يقول الحق سبحانه الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ صدق الله العظيم.





